الدرس في كتاب الصلاة 121، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في حكم إعادة الصلاة مع جماعة أخرى بعد الصلاة مع جماعة، حيث تباينت آراؤهم بين الإعادة وعدمها. يعود هذا الاختلاف إلى آراء الأئمة الأربعة.
يرى الإمام أحمد والشافعي وجماعة من أهل العلم وجوب الدخول مع الجماعة في مسجد آخر ولا يجوز الجلوس بدون صلاة. يُستثنى صلاة المغرب عند أحمد ومالك.
مذهب جمهور أهل العلم أن صلاة الجماعة الثانية في المسجد نافلة، وتفسير الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأولى فريضة والثانية نفل. يجب على المأموم أن يتم صلاته كما يتمها الإمام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى أعاد عند الشافعي، وقال أحمد: إلا في الصبح والعصر، وقال مالك: من صلى في جماعة لا يعيد، ومن صلى منفردا أعاد، إلا في المغرب. وقال الأوزاعي والشعبي: إنهما جميعا فرض. هذا النقل من المؤلف رحمه الله فيه بعض الأشياء التي قد تكون خطأ في مسألة نسبة المذاهب إلى هؤلاء العلماء. صورة المسألة كما تقدم في المسألة التي قبلها: رجل جاء منفردا، صلى فرضا، ثم أدرك الجماعة، إما أدركها في نفس المسجد أو ذهب إلى مسجد آخر فأدرك الجماعة. فإن كانت في نفس المسجد، قال: يقلبها نفلا، هذا عند الشافعي رحمه الله، يقلب هذه الفريضة نفلاً ويسلم، ثم يدرك الجماعة. والمسألة الأخرى هنا يقول: فإن صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى، أنا صلى في جماعة، سواء كان في بيته مثلا أو صلى في مسجد، ثم ذهب إلى مسجد آخر وأدرك الجماعة، أدرك جماعة أخرى. أعاد عند الشافعي، أي يجب عليه أن يعيد. وقال أحمد: إلا في الصبح والعصر. والمشهور في مذهب أحمد أنه يعيد إلا في المغرب، هذا المشهور في مذهب أحمد الذي ذكره أصحابه. وفي رواية عنه أنه يعيد فيها كلها حتى المغرب. لكن اختلفوا: هل هو واجب أو مستحب؟ لأن الصحيح أن الأولى تكون هي الفريضة لأنه قد أداها، وأدى الفريضة التي عليه، والثانية هذه تكون نافلة. وهذا قد جاء تصريح به في حديث أبي ذر، وقال النبي عليه الصلاة والسلام له: «صل الصلاة لوقتها، ثم إذا جئت إلى المسجد فصل معهم، وهي لك نافلة». وجاء في رواية في صحيح مسلم: قال «ولا تقل إني قد صليت». وأيضا في الحديث الآخر: حديث «لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام في مسجد الخيف»، والحديث عند أحمد والنسائي وأبي داود: «لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام في مسجد الخيف، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا»، فدعاهما فقال لهما: «ألستما برجلين مسلمين؟»، قال: «بلى يا رسول الله»، قال: «ولما لم تصليا معنا؟»، فقال: «قد صلينا في رحالنا»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلوا معهم، فإنها لكم نافلة». فهذا الحديث أيضا فيه صراحة أن الرجل إذا صلى في مسجد ثم جاء إلى مسجد آخر والناس يصلون لا يجوز له أن يجلس. هكذا صرح الإمام أحمد بأنه لا يجوز، وهو قول أيضا الظاهرية وجماعة من أهل العلم، وهو قول الشافعي كذلك. ظاهر قول الشافعي لأنه قال: يعيد الصلاة، فدل على أنه يجب عليه أن يدخل مع الناس، يدخل مع الجماعة، لا يجلس والناس يصلون. لأن هذا تهمة أن يجلس ينتظر حتى يصلون أو يجلس خارجا، خارج المسجد. أما إذا كان مثلا يذهب إلى بيت، ما في شيء، يأتي مثلا من السوق وقد صلى وذهب إلى بيت، هذا ما في شيء. أما يأتي ويجلس في المسجد ولا يصلي، فهذا لا يجوز، لا بد أن يصلي مع الجماعة. وعند أحمد أن المغرب وكذلك عند مالك باستثناء المغرب، قالوا: لأن المغرب هي وتر النهار، فلهذا لا تكرر. لكن هذا التعليل فيه نظر، كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هذا التعليل فيه نظر، لأن الذي نهي عنه هو الوتر، وليس صلاة المغرب. فلهذا فهي داخل في عموم الأحاديث. والقاعدة عند الشافعي رحمه الله والتي مشى عليها أكثر الفقهاء: أن عدم الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يستفصل في الصلاة ولم يقل لهم: إلا المغرب، بل قال لهم: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلوا معهم»، فلم يميز هنا أي صلاة، فهذا يدخل في العموم كل الصلاة، أي صلاة كانت. وهنا ذكر المؤلف: الصبح والعصر، هذا من الله وعلم قد كان يكتب من حفظه فكتب هذا، وإلا فليس في مذهب أحمد استثناء الصبح والعصر، وإنما الذي ذكره أكثر أصحاب المنتهى في الإرادات وكذلك في زاد المستقنع: أنها صلاة المغرب استثناء صلاة المغرب. وهذا أيضا جاء عن أحمد، وجاء عنه عدم استثناء أي صلاة. وكما قلنا أيضا: الصحيح الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين وكذلك جماعة من أهل العلم: أنه أيضا من باب الوجوب، أنه يصلي لأنها تهمة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لذلك الرجلين: «ألستما برجلين مسلمين؟»، «ولما لم تصليا مع الناس؟». فلهذا قال كثير من أهل العلم: وهو قول أحمد، أو رواية عن أحمد، وقول الظاهرية وأهل الحديث، وهو أيضا قول الشافعي: أنه لا بد أن يدخل معهم في الصلاة. لكن هل هي فريضة أو نافلة؟ فمذهب جمهور أهل العلم على أنها نافلة، وخاصة إذا كان قد صلى الفريضة، وسواء كان صلاها منفردا أو في جماعة، فإن الصلاة تسقط عنه. لكن إذا جاء إلى المسجد ووجد الناس يصلون جماعة فإنه يصلي معهم وجوبا، يصلي معهم وجوبا. لكن هل يصلي معهم أربعا أم يصلي معهم ركعتين؟ بعض الأخوة دخلت عليه مسألة: ما أدري من أين دخلت عليهم، تجد مثلا يأتي من مسجد ويدخل مسجد آخر فيجد الناس يصلون، وهو مثلا يريد أن يجلس في هذا المسجد الآخر عنده درس أو عنده شيء يريده، فيقوم يصلي مع الناس ركعتين ويسلم، هذا يحصل. بعض الأخوة يصلي ركعتين مع الجماعة والناس يصلون وهو يسلم ويجلس، فهذا ليس بصحيح. لكن لو مثلا دخل مع الإمام في الركعتين الأخيرة، فهنا قال بعض العلماء: لا بأس أنه يصلي مع الإمام ويسلم. وإلا فظاهر كلام الحنابلة وغيرهم: أنه يصلي مثل صلاة الإمام. جاءت رواية عن أحمد أنه في صلاة المغرب يصلي ركعة زائدة حتى يشفع. وأيضا هو مذهب مالك: أنه يصلي ركعة رابعة في صلاة المغرب. وأما في الصلوات الأخرى يصليها أربعا مع الإمام، وهذا أفضل، حتى ولو أدرك ركعتين يصلي أربعا، يصلي أربعا مع الإمام، لأنه أدرك إماما يصلي صلاة الظهر، فهو يصلي صلاة الظهر أيضا، يعيدها، يعيد صلاة الظهر. وما دام أنه يعيد صلاة الظهر فهو يصلي أربعا، أو مثلا العشاء يصلي أربعا، أو المغرب أيضا الصحيح أنه يصلي مثلها ثلاثا مثل الإمام، يصلي ثلاث ركعات ولا يزيد ركعة. كما هي رواية عن أحمد، لكن الصحيح الذي قاله جماعة من أهل العلم، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أنه يصلي مثل صلاة الإمام، يصلي مثل صلاة الإمام. فهذا خلاصة هذه المسألة. وهنا ذكر: قال الأوزاعي والشعبي: إنهما جميعا فرض، معناه: الأولى والثانية فرض. لكن مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وغيرهم يقولون: أن الأولى فرض أو أقصد أن الأولى فريضة والثانية نفل. وهذا الذي كما قلنا صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «فهي لكما نافلة»، فدل على أن الثانية تكون نافلة لأنه قد صلى الأولى وقد انتهى من فرضه، والثانية تكون له نفل. وكذلك أيضا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العشاء، ثم يصلي بقومه صلاة العشاء. فقال العلماء: أن الثانية هي النفل، والأولى التي يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم هي الفريضة. وهذا كما قلنا على الحديث التي جاءت في هذا. فهذا خلاصة المسألة وصورة المسألة التي ذكرها المؤلف. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.