التعليقات على كتاب الأدب المفرد 52

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيان بشريّة النبي وحدود تعظيمه

النبي بشر يصيبه ما يصيب البشر، وتعظيمه يكون باتباع سنته. يحذر من الغلو في تعظيم النبي بمخالفة الكتاب والسنة.

فضل الإيمان والأعمال الصالحة يوم القيامة

الإيمان والأعمال الصالحة تثقل الميزان يوم القيامة، والميزان حقيقي له كفتان. أهل السنة يؤمنون بذلك خلافًا لأهل البدع.

معنى حديث المؤمن مرآة أخيه وتطبيقه

المؤمن ينصح أخاه سرًا إذا رأى فيه عيبًا، ويبين أهمية الأخوة الإيمانية في الدفاع عن إخوانك. النصيحة تكون سرًا وليس علانية.

الرد على شبهة حول العلم بالغيب

يتم الرد على شبهة معينة ويُبين أنها من لوازم اللقوة. الله طيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله والصحب أجمعين. أما بعد، فوقفنا عند حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، في قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولد آدم أنا، فأيما عبد من أمتي لعنته لعنة أو سببته سبه في غير كنه، فاجعل عليه صلاة». قلنا في هذا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن من تكلم عليه من أصحابه فسبه أو تنقصه بشيء، فإن ذلك يعتبر له فضيلة، وتكون له صلاة وزكاة ورحمة وقربة تقربه إلى الله سبحانه وتعالى. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر من البشر، يغضب كما يغضبون، فخشي عليه الصلاة والسلام أن يخرج كلاما فيقع في إنسان وهو ليس أهلا له، فدعا ربه سبحانه وتعالى، وأخذ عليه العهد أن يكون ما تكلم به صلاة على صاحبه ورحمة له. قلنا: سذل أهل العلم بذلك على فضيلة معاوية رضي الله تعالى عنه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دعا عليه، فيكون دعاؤه عليه رحمة وقربة تقربه إلى الله، وزكاة وطهورا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر من البشر، «إنما أنا من ولد آدم أنا»، وفي رواية: «إنما أنا بشر». فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر من البشر، يصيبه ما يصيبه البشر، كما قال جل وعلا: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر، ميزه الله سبحانه وتعالى وفضله بالنبوة. وهكذا في كثير من الأحاديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه بشر، كما في حديث المسعود في الصحيح: «إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني». وفي هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر». والمراد من ذلك التنبيه على ضلال بعض أهل البدع الذين يزعمون أنهم يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام، فربما أنكروا مثل هذا الحديث، زعما منهم أنهم يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون: كيف يقول إنه بشر وهو نبي ورسول؟ فربما طعنوا في مثل هذه الأحاديث، وذلك لغلوهم في النبي عليه الصلاة والسلام. بل يقول بعض رؤسائهم، وهو يطعن في أهل السنة، يقول: والآن يقولون إن النبي بشر، يعني يخاطب هؤلاء الجهال الذين أمامه، ويريد أن يتنقص أهل السنة وأنهم يتنقصون النبي عليه الصلاة والسلام، فيقولون: هو بشر. وهذا الجاهل الذي يتكلم كأنه لا يعلم أو يجهل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾. وهذا دليل على ضلاله، وكذلك أيضا على وقوعه في هذا الضلال العظيم. ومثل هذا ينبغي أن يستتاب، فإن أصر على ذلك فإنه يحكم بكفره؛ لأنه يكذب القرآن والسنة التي فيها الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى أخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن نفسه بأنه بشر. وليس تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام برفعه فوق منزلته أو اعتقاد أنه ليس من البشر، فلهذا من الغلو الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». وكما قال عليه الصلاة والسلام حين قالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، لا يستهويكم الشيطان». فهؤلاء استهواهم الشيطان حتى قالوا مثل هذا الكلام، وهذا من غلوهم في النبي عليه الصلاة والسلام. وليس تعظيمه بمخالفة الكتاب والسنة، ولا كذلك أيضا برد الكتاب والسنة، بل تعظيمه عليه الصلاة والسلام بمحبته والإيمان به وباتباعه، وبذلك تطبيق سنته، والمحافظة عليها، والدفاع عنها. أما مجرد ادعاء محبة النبي عليه الصلاة والسلام باللسان، ثم هم يطعنون في هذا الدين ويطعنون في النبي عليه الصلاة والسلام، ويخالفون سنته، ويرتكبون البدع والمحدثات في دين الله سبحانه وتعالى، ومن أعظمها الشرك بالله عز وجل، وهم يزعمون أنهم يعظمون النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر رضي الله عنه: «أخرجوا بنا إلى أرض قومنا». فخرجنا، فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخر الناس، فهاجت سحابة، فقال أبي: «اللهم اللهم اصرف عنا أذاها». فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقالوا: ما أصابكم؟ ما أصابكم؟ الذي أصابنا. قلت: إنه دعا الله عز وجل أن يصرف عنا أذاها. فقال عمر: «ألا دعوتم لنا معكم؟». وهذا الأثر ضعيف؛ ففيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، وحبيب كذلك هو: أبو ثابت، وهو كذلك مدلس، ويحيى بن سعيد ضعيف. فالأثر لا يصح. والشاهد منه هو قول عمر رضي الله عنه: «أخرجوا بنا إلى أرض قومنا». فأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على جواز الخروج إلى المزارع، جواز الخروج إلى المزرعة، وهو الذي بوّب عليه: «أرض المطلة»، يعني: تزرع فيها البقول. قال: باب الخروج إلى الضيعة. قال: حدثنا معاذ بن فضالة، قال: حدثنا هشام دستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: أتيت أبا سعيد الخدري، وكان لي صديقا، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ فخرج وعليه خميصة له. والخميصة هو: ثوب خز أو صوف معلم. والحديث صحيح، وأصله في البخاري. وشاهد منه هو قول أبي سلمة لأبي سعيد: «أخرج بنا إلى النخل». قال: فخرج. والضيعة هو: ما يملك الإنسان من أموال، كمزارع ونخيل ونحو ذلك، فيقال لها: ضيعة. وشاهد منه هو جواز الخروج إليها؛ إنسان عنده مزرعة، أو كذلك عند غيره، ما يملكها، لكن غيره عنده مزرعة مثلا، فلا بأس إذا خرج يتمشى فيها، ويغير جو في المشي في هذه المزرعة، فهذا شيء لا بأس فيه. قال: لا تخرج بنا إلى النخل، فخرج وعليه خميصة له. وسيأتي كذلك فعل ذلك من فعل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا محمد بن السلام، قال: أخبرنا محمد بن الفضيل بن غزوان، عن مغيرة، عن أم موسى، قال: سمعت عليا صلوات الله عليه يقول: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء». فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تضحكون؟ لَرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان من أحد». والحديث صحيح. قال شيخ الباني رحمه الله: صحيح لغيره. وهو أيضا قد ثبت بسند صحيح عند الإمام أحمد. وقد ذكره شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند في مسند عبد الله بن مسعود». وقول أم موسى: سمعت عليا صلوات الله عليه. مرة تنبيه على أن تقصيص بعض الصحابة بالصلاة دون بعض، أنه ينبغي أن يترك؛ فإما أن يصلى على جميع الصحابة، وإما أن يترك ذلك، فلا يصلى على بعضهم دون بعض، كما ذكر ذلك الإمام القيم رحمه الله في كتابه «الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام»، وبين أن تقصيص أحد الصحابة بالصلاة ليس بصواب، وأنه لا يصلى على أحد إلا على وجه العموم؛ فيقال مثلا: صلى الله على المؤمنين، صلى الله على المتقين، ونحو ذلك، أو ما كان من صلاة الملائكة لأهل الإيمان، كما ذكر الله سبحانه وتعالى، فهذا جائز. أما تقصيص الصلاة ببعض الصحابة دون بعض، فهذا ينبغي أن يترك. وقولها: قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه منها بشيء». والمراد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وأصحابه، وكان يمشي معهم، فأتوا إلى شجرة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسعود أن يأتيه منها بشيء. وهذا الشيء جاء في بعض الروايات أنه أراد عليه الصلاة والسلام أن يأتي له بأراك مسواك، كما جاء في بعض الروايات أنها شجرة أراك. فصعد عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقيه؛ يعني من دقتها، كانت ساق عبد الله بن مسعود دقيقة؛ يعني ضعيفة، كان نحيفا. فلما رأوا دقة ساق عبد الله بن مسعود ضحكوا رضي الله تعالى عنهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تضحكون؟» يعني: هل تضحكون من دقة ساقي عبد الله بن مسعود؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لَرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان من أحد». وفي هذا فضيلة لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ إذ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن قدمه أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد. وفيه بيان أن حقيقة الوزن والثقل هو بالإيمان؛ هو بالإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ فكلما قوي الإيمان في قلب العبد، كلما كان ذلك أثقل وأعظم في ميزانه يوم القيامة. وليس ثقل الميزان بثقل الأجسام، بل الثقل هو بالأعمال والإيمان؛ فعبد الله بن مسعود كان نحيفا، وكانت ساقاه دقيقتين، ومع ذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها في الميزان أثقل من جبل أحد. وهكذا يؤتى بالكافر يوم القيامة السمين العظيم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة: «يؤتى بالكافر السمين العظيم يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة». ما يزن جناح بعوضة، مع أنه في الدنيا ربما مثل السارية أو صغيرا، ولا يزن عند الله شيء. لماذا؟ لأن قلبه خالي من الإيمان، خالي من الإيمان. ويؤتى بالمؤمن الضعيف النحيف، ويزن جبل أحد. فهذا يدل على عظم الإيمان والأعمال الصالحة؛ فإنها سبب لتثقيل الموازين. وفيها أيضا إثبات الميزان، وأن هناك ميزان ينصب يوم القيامة، توزن فيه أعمال العباد، كما قال الله جل وعلا: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾. فهناك ميزان ينصب يوم القيامة. وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة؛ أنهم يؤمنون بالميزان، وأنه ميزان حقيقي، له كفتان، له كفتان، كما في حديث جابر، أو غيره، عند الإمام أحمد، في قصة صاحب البطاقة. في قصة صاحب البطاقة الذي توضع له سجلات مد البصر، مليئة بالمعاصي وذنوب، فتوضع في الميزان، فترجح بالميزان، ثم يؤت له ببطاقة مكتوب عليها: «لا إله إلا الله»، فتوضع في كفة الميزان الآخر، فترجح بهن. فالميزان له كفتان. وهذا خلاف لما يعتقد أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، الذين ينفون الميزان، ويقولون: المراد به هو العدل، المراد بالميزان هو عدل، وليس هناك ميزان حقيقي توزن فيه الأعمال. وهذا قول باطل. وكذلك أيضا في هذا الحديث: حديث عبد الله بن مسعود، أن الذي يوزن الأشخاص؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان من أحد». وهذا يدل على أن أبدان توزن. ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة المذكور سابقا: «يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة، يعني رجل كافر، فيوضع في الميزان، أو فيلأ، يزن جناح بعوضة». ولهذا اختلف أهل العلم: هم الذي يوزن في الميزان؟ منه من قال: أنها توزن الأجساد، واستدلوا بهذا الحديث. ومنهم من قال: أنها توزن الأعمال، واستدلوا بحديث صاحب البطاقة. ومنهم من قال: توزن الصحف. وأصح الأقوال هو أن جميع هذه الأشياء توزن؛ توزن الأعمال، وتوزن كذلك الصحف، وتوزن الأجساد. وبذلك يجمع بين جميع الأدلة. وهو مرجح الإمام ابن كثير رحمه الله. وتدل على ذلك عموم الأدلة؛ وكل دليل ورد في وزن شيء من هذه الأشياء، يدل على أن الميزان للجميع؛ توزن الأعمال والأجساد والصحف. قال: باب المسلم مرآة أخيه. قال: حدثنا أصبغ، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني خالد بن حميد، عن خالد بن يزيد، عن سليم بن راشد، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: «المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبا أصلحه». والحديث قال العلامة الألباني رحمه الله: «حسن الإسناد». قال: وحدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن مرآة أخيه». والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه. وهذا الحديث كذلك صحيح. وفي هذا الحديث إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن مرآة أخيه؛ يعني أن المؤمن يرى وينظر إلى أخيه. وهذه النظرة والرؤية ليس المراد منها الاستحقار، وإنما المراد منها أنه ينظر إلى أفعاله وأقواله، فإذا رأى فيه نقصا أو عيبا، نبهه على ذلك. «المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبا أصلحه». إذا رأيت في أخيك المؤمن عيبا، أصلحته؛ رأيت فيه مثلا أنه يكذب، أو صدر منه شيء من الكذب، فتأتي وتنصحه، وتبين له أن هذا لا يجوز، وأنه كبير من كبار الذنوب، ونحو ذلك، تفلحه. وإياك أن يخطئ؛ رأيت فيه شيء من الكسل في العبادة، وعدم المحافظة عليها، نصحته. فأنت مرآة له. وهكذا كلما رأيت فيه عيبا أصلحته. ويكون إصلاحه بأن تنصحه فيما بينك وبينه؛ تنفرد به وتنصحه: «أنت فعلت كذا، وما ينبغي كذا». تجري بينك وبينه النصيحة. ويكون ذلك سببا لإصلاح عيوبه، فيقبل منك، ويترك ما وقع فيه. لكن إذا نصحته أمام الناس، ما يقبل منك؛ لأن هذه تعتبر فضيحة، ما تعتبر نصيحة. تقول له: «يا فلان، أنت فعلت كذا وكذا»، تكلم به أمام الناس، ما سيقبل منك هذه النصيحة؛ لأنك تعتبر قد فضحته وشهرت به. وإنما تكون النصيحة سرا بينك وبينه؛ تناصحه بما ترى فيه من عيوب. وكذلك أيضا أنت لا تسلم؛ لا تظن أنك إذا نصحته أنك تسلم من الخطأ، وأنه ليس عندك عيوب؛ لا، بل عندك عيوب، أنت ترى عيوب هذا الأخ، وغيره يرى عيوبك؛ فأنت تنصحه، وغيرك ينصحك. وهكذا كل مؤمن، فهو مرآة لأخيه؛ إذا رأى فيه عيبا أصلحه. وبذلك يحصل الخير العظيم؛ يحصل الخير العظيم بين أهل الإيمان؛ هذا يخطئ فينصح، وذاك كذلك يزل فينصح، حتى يترك ويرجع. وهكذا تبقى النصيحة دائما ومستمرة؛ كل واحد ينصح الآخر. وفي الحديث الآخر: «المؤمن مرآة أخيه». والمؤمن أخو المؤمن. ومن هذه الأخوة أنه يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه؛ يمنع عليه ضيعته؛ يعني يمنع هلاكه وضياعا؛ يمنع هلاكه وضياعا. إذا رأيت أنه يسير على طريق غير صحيحة، ترى أنه يمشي مع بعض السفهاء، ومع بعض العصاة، ما تتركه وتقول: هو أعلم بنفسه؛ لا، فمن الأخوة أنك تمنعه من الضلال؛ لأن السير مع أمثال هؤلاء سبب للضلال والزيغ، فتنصحه أن يبتعد منهم، وأن لا يمشي معهم. وذا بذلك تكون ناصحا له؛ تكف عليه ضيعته. أو تراه مثلا يسير مع بعض أهل البدع، ومع بعض الحزبيين، فعليك أن تناصحه أن يبتعد منهم، وأن يتركهم. وما تجعله يمشي معهم، ولا تبالي، رغم أن يكون بينك وبينه معاملة، أو بينك وبينه مصالح؛ فلا تقول: أتركه من أجل مصلحته؛ لا، ليس هذا من النصيحة، وليس هذا من الأخوة؛ بل من الأخوة أنك تنكر عليه، وتنصحه أن يبتعد منهم، ويحذر منهم. هذه النصيحة التي ينبغي أن تؤديها إليه. أرأيت كذلك يعمل أعمالا تخالف الشرع في بيعه وشرائه، ونحو ذلك؛ كان يكون غشاشا، أو يخدع في البيع والشراء، أو يتعامل بشيء من المعاملات الربوية؟ فإن من الأخوة أن تكف عليه ضيعته؛ فتنصحه حتى يترك؛ لأن ذلك سبب في هلاكه، وسبب في ضياعه. فهذا من لوازم الأخوة: «المؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه». يعني: يحفظه، ويعينه، ويذب عنه؛ إذا تكلم فيه بباطل، وأنت تعلم ذلك؛ فإن من أخوة الإيمان أن تذب عنه، وأنت ترد على من تكلم فيه، وتدافع عن عرضه؛ فهذا من الأخوة التي ينبغي. ما تقول: الحمد لله، إزالة الله خير. والله تكلمت في هذا الإنسان، وأنت ربما يكون في نفسك شيء عليه، تريد أن ترتفع عليه، أو كذلك تريد من يستحفره ويذله حتى تكون لك الرئاسة، ونحو ذلك؛ فهذا من أمراض القلوب، وليس هذا من نصيحة، وليس هذا كذلك من الأخوة، وليس كذلك من الإحاطة به؛ بل الواجب أن تذب عنه بما تعلم فيه من خير، وتدافع بما تعلم فيه من خير. وكذلك تعلم أن هذا الذي قيل فيه ليس بصحيح؛ فهذا من لوازم اللقوة. طيب الله هنا. والله تعالى أعلم.