الدرس في التعليق على الجواب الكافي 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأ المقطع بالحمد لله والصلاة على النبي، مما يوحي بأنه مقدمة لخطبة أو حديث ديني. تمهيد مناسب للحديث عن مواضيع دينية متعلقة بالعقاب والمعاصي.
ذكر المؤلف أحاديث وردت في عذاب من يغتاب الناس ويقع في أعراضهم، مع تقييم صحة هذه الأحاديث من قبل العلماء. بعضها اعتبر حسنًا أو صحيحًا، بينما اعتبر البعض الآخر ضعيفًا جدًا أو موضوعًا.
ناقش النبي صلى الله عليه وسلم أن انتشار الفاحشة وعدم إنكارها يؤدي إلى انتشار الأمراض، ونقص المكيال والميزان يؤدي إلى الجوع وجور السلطان، ومنع الزكاة يؤدي إلى منع المطر، وخفر العهد يؤدي إلى تسليط العدو، وعدم الحكم بكتاب الله يؤدي إلى الاقتتال الداخلي.
تمت مناقشة صحة أحاديث تتعلق بظهور الفاحشة والربا في المجتمعات وعقاب الله لها، مع التركيز على حديث عبد الله بن عمر وتصحيح الشيخ الألباني له، وبيان ضعف بعض الأحاديث الأخرى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، طيب، أخذنا في كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله بعض ما ذكره رحمه الله في الداء والدواء، أن الداء الذي استمر به العبد أفسد عليه دنياه وآخرته. وذكر بعض الأحاديث التي تعين ذلك. قالوا: من هذه الأحاديث ما جاء في المسند من حديث أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما عرج بي، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». وهذا الحديث جاء بإسناد حسن عند أحمد رحمه الله من طريق أهل الشام، وهو صفوان بن سليم وغيره، فالحديث إن شاء الله تعالى حسن أو صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. قالوا: في جامع الترمذي رحمه الله، وفيه الوعيد لمن يقع في أعراض الناس، وأنه جعل عذابه مثل هذا العذاب العظيم، أنه لهم أظفار من نحاس حتى لا تتزعزع هذه الأظفار، فيخمشون بها وجوههم وصدورهم، أولئك الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بغير حق. قالوا: في جامع الترمذي من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس مسوك الضأن من الليل، وفي رواية الترمذي: ويلبسون للناس جلود الضأن من الليل، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران». هذا الحديث رواه الإمام الترمذي رحمه الله من طريق يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة، ويحيى بن عبيد الله هذا أنكر العلماء حديثه، وكان يروي المناكير، كما قال الإمام محمد: سئل عنه الإمام محمد، قال: حديثه منكر. وأبوه لا يعرف، إن أبوه مجهول، فالحديث لا يصح، أنه ضعيف جدا، وحكم عليه الشيخ الألباني بالوضع، وذكره كذلك ابن الجوزي وغيره في الموضوعات. قال: وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد -جعفر الصادق- عن أبيه عن جده، قال: قال علي بن أبي طالب: «يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود». وهذا لا يصح عن علي رضي الله عنه، لكن قد جاءت أحاديث تدل على ذلك، وأن هذا واقع في هذه الأمة. قال: وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، أذن الله عز وجل بهلاكها». وهذا الحديث أيضا اضطرب فيه سماك بن حرب، فأحيانا يروي عن عبد الرحمن عن أبيه، وأحيانا لا يذكر أباه، فحصل له اضطراب في هذا الحديث، فالظاهر أن الحديث لا يصح، حتى موقوفا. وأكثبه بعض العلماء موقوفا عن عبد الله بن مسعود، أنه من كلام عبد الله بن مسعود: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، أذن الله عز وجل بهلاكها»، أي تفشى، ظهر، معنى تفشى، فصار حتى لا ينكر، فصار لا ينكره أحد من تفشيه، وأيضا انتشاره. قاله من مراسيل الحسن، أي ما أرسله الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من أضعف المراسيل كما تقدم، لأن الحسن البصري كان يروي عن من هب ودب، كما كان يقول ابن سيرين، يعني يروي عن ناس معروفون وغير معروفين. قال: مراسيل الحسن: «إذا أظهر الناس العلم، وضياء العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، لعنهم الله عز وجل عند ذلك، فأصمهم وأعمى أبصارهم». ولعل هذا كلام الحسن رحمه الله تفسير للآية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. قال: بسُنن ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهذا الحديث -حديث عبد الله بن عمر- أخرجه ابن ماجة من طرق، وكذلك جاء عند أحمد، وأفضل طريق له طريق أبي حفص -أو بمعيد حفص بن غيلان- رواه عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر، وهذا بإسناد صحيح، إلا أن عطاء لم يسمع كثيرا من عبد الله بن عمر، لكن يعتبر حديثه متصلا، فهذا الحديث إن شاء الله تعالى صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله عليه. قال: في سنن ابن ماجة حديث عبد الله بن عمر، قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها، إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. وإذا انتشرت وظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها؛ لأنه لا منكر لها، أو أن أهل الخير وأهل الصلاح قليل، ولم يستطيعوا أن ينكروا لكثرة الباطل، قال: إلا ابتلوا بالطواعين، والطاعون هو مرض من الأمراض الفتاكة التي تنتشر، فهو وباء من الأوبئة، وقيل: إن الطاعون هو أي وباء يسمى طاعون، وقيل: إنه مرض خاص يظهر أولا في آباط الناس، جراحات حمراء، ثم ينتشر في الجسم، هذا هو الطاعون الذي كان معروفا عند العرب، لكن قد يطلق الطاعون على كل وباء، أو على كل مرض ينتشر في الناس يسمى طاعون. قال: والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، أي أمراض لم يكن يعرفها الناس تظهر جديدة. قال: ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، أي إذا لم يزنوا صحيحا، ونقصوا في المكيال والميزان، وهذا من باب عدم إعطاء الناس حقهم، فينقصون في المكيال والميزان، فإذا فعلوا ذلك ابتلاهم الله عز وجل بالسنين -والسنين: الجوع- وشدة المؤنة وجور السلطان وظلمة. قالوا: وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم لم يمطروا، إذا منعوا زكاة أموالهم، منعهم الله عز وجل القطر من السماء، أي المطر، لكن ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده وبمخلوقاته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلولا البهائم لم يمطروا». قال: «ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم». وهنا العهد إما يكون عهد الله، خفروا عهد الله عز وجل عليهم بالطاعة، وإما يكون عهد من العهود التي عقدوها بينهم وبين غيرهم من المسلمين، قال: «فأخذوا بعض ما في أيديهم». وهذا يدل على أنه العهد هنا العهد الذي بينهم وبين بعض المسلمين، يكون مثلا هناك صلح بين بعض المسلمين، يكون بينهم قتال، فيخفرون هذا العهد ويغدرون أولئك ويأخذون ويستحلون أموالهم. قالوا: «فأخذوا بعض ما في أيديهم». قالوا: «وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله عز وجل في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم». كما جاء في بعض الروايات: «ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، فيجورون في الحكم ويظلمون في الحكم»، فهؤلاء إذا فعلوا ذلك أئمتهم، جعل الله عز وجل بأسهم بينهم، أي يتقاتلون فيما بينهم. فهذه الأشياء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها واقعة، وهي خمس أشياء ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، ورتب عليها عقوباتها. فإن شاء الله تعالى نكمل بهذا ونقوم في درس لاحق. الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم.