التعليقات على كتاب الأدب المفرد 132

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 132، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تكفير الخطايا بالمرض والأذى

يشرح المقطع كيف أن المرض والأذى يكفر الله بهما خطايا المسلم، مستندًا إلى أحاديث نبوية صحيحة. هذا التكفير يشمل كل ما يصيب المسلم من تعب أو مرض أو هم أو حزن.

فضائل بعض الصحابة رضي الله عنهم

يبرز المقطع فضائل بعض الصحابة مثل سلمان الفارسي، صهيب، بلال، وأبي الدرداء، مشيرًا إلى أحاديث نبوية تبرز فضلهم وحرصهم على الإيمان. سلمان الفارسي كان مثالاً للبحث عن الإسلام.

البلاء والمؤمن: تكفير الذنوب وعلاقته بقوة الإيمان

يفسر المقطع أن مرض المؤمن يكفر ذنوبه، بينما لا ينتفع الفاجر بمرضه. كما يوضح أن شدة البلاء تتناسب مع قوة الإيمان، مشيرًا إلى أن الأنبياء كانوا أشد الناس بلاءً لرفعة منزلة إيمانهم.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب كفارة المريض، قال: حدثنا إسحاق بن العلاء، وابن إبراهيم، ابن إبراهيم ابن العلاء. نسبه البخاري هنا إلى جده، ويكنى بأبي عقوب، وفيه ضعف. قال النسائي: ليس بثقة، واتهم أيضا بالكذب. والحافظ في التقريب قال: صدوق يهم كثيرا، فهو ضعيف. قال: حدثنا عمر بن الحارث، قال: حدثنا عبد الله بن السالم، عن محمد الزبيدي، قال: حدثنا سليمان بن عامر، أنه طيف من الحارث، أخبره أن رجلا أتى أبا عبيدة من الجراح، وهو وجع -يعني يشتكي من مرض- فقال: كيف أمسى أجر الأمير؟ فقال: هل تدرون فيما تؤجرون به؟ فقال: بما يصيبنا فيما نكره. فقال: إنما تؤجرون فيما أنفقتم في سبيل الله، واستنفق لكم. ثم عد أداة الرحل كلها حتى بلغ عذار البرذون -وهو اللجام ما يقع منه على خدي الدابة، والبرذون الدابة- ويريد بذلك أن الشخص يؤجر في كل شيء ينفقه في سبيل الله سبحانه وتعالى، حتى ما ينفقه على دابته. قال: ولكن هذا الوصب الذي يصيبكم في أجسادكم يكفر الله من خطاياكم. وهذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف. وقوله: ولكن هذا الوصب الذي يصيبكم في أجسادكم يكفر الله من خطاياكم، ثبت معنى ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ومنها ما سيذكره رحمه الله في الحديث الذي بعد هذا. والشاهد من ذكر هذا الأثر هو قوله: ولكن هذا الوصب -يعني المرض والوجع الذي يصيب الإنسان في جسده- فهو سبب لتكفير الخطايا. وتكفير الخطايا سبب لرفع الدرجات. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمر -وهو أبو عامر العقدي مشهور بكنيته- قال: حدثنا زهير بن محمد -وهو أبو المنذر التميمي- قال فيه البخاري كما في كتابه التاريخ الصغير: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح -يعني إذا روى عنه أهل الشام فهي أحاديث منكرة، وإذا روى عنه أهل البصرة فهي أحاديث صحيحة-. وبعضهم قال بأن زهير بن محمد الذي يروي عنه أهل الشام غير هذا، كما قال الإمام أحمد رحمه الله. قال: عن محمد بن عمر بن حلحلة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يصيب المسلم من نصب -من تعب- ولا وصب -أي مرض- ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن ما يصيب المسلم من نصب -يعني تعب- ولا وصب أي مرض، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم -الهم هو التفكر فيما يتوقع حصوله من الأذى، أذى التفكر فيما يتوقع حصوله من الأذى، والحزن هو ما يحدث للمرء مما يشق عليه فقده أو مما يفقده المرء وأشق عليه ذلك فيحزن بسبب ذلك، والأذى معروف، والغم هو ما يضيق عليه في قلبه بسبب ما يقع، بسبب ما يقع فيحصل له كرب ويغم بسبب ذلك، فهذا هو الغم. وقيل: الغم والهم بمعنى واحد. والشاهد من ذلك أن ما يقع ويصيب المسلم من تعب أو من مرض، أو كذلك أيضا ما يصيبه من هموم أو غموم أو أحزان بسبب ما يفقده أو ما يشق عليه مما يفقده، وهكذا أيضا حتى الشوكة يشاكها -يعني حتى الشوكة التي يشاكها تصيبه في يده أو في قدمه- فإنها تكون سبب لتكفير الخطايا. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة -هو الظاهر من الأهل يشكري- عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن أبيه، قال: كنت مع سلمان -يعني الفارسي- قال فيه الإمام الحافظ بن عساكر رحمه الله: سلمان ابن الإسلام أبو عبد الله الفارسي. ولعل ذلك لمجا في أثر أن سلمان رضي الله تعالى عنه قال له عبد الرزاق: انتسب، أو قال له سعد بن أبي وقاص: انتسب -يعني إلى آبائك- فقال: لا أعلم لي أب في الإسلام. تعلمون أن سلمان كان أباه مجوسي، أو كان أباه مجوسيا، وهو كذلك كان على هذا الأمر حتى هداه الله عز وجل للإسلام، قصته معروفة طويلة في بحث عن الحق. فقال: لا أعلم لي أب في الإسلام، ثم قال: أنا ابن الإسلام. أسلمان قال: أنا ابن الإسلام. بلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فأضب على سعد وأنكر عليه ذلك. وقال: أنا ابن الإسلام أخو سلمان. ثم ذكر له أن رجلا انتسب إلى تسعة آباء -يعني في الجاهلية- فكان عاشرهم في النار. وهذا الأثر لا يصح، رواه عبد الرزاق وهو ضعيف. لكن وردت في فضائل سلمان أحاديث صحيحة. ومن ما جاء في البخاري في نزول قول الله عز وجل: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، فقالوا: منهم يا رسول الله؟ فسكت عليه الصلاة والسلام حتى أعادها ثلاثا -أي السائل- ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، فقال: «لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء». وفي رواية مسلم قال: «لنا له رجل من فارس». ومعنى ذلك أن سلمان رضي الله عنه ممن بحث عن الإسلام وحرص على الإيمان حتى وفقه الله سبحانه وتعالى له، فكان من أهل الإيمان. وهكذا أيضا كذلك ما جاء في الصحيح أنه مر أبو سفيان على قوم وفيهم سلمان وصهيب وبلال، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذا -يريدون أبا سفيان- فسمع ذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: أتقولون ذلك لسيد قريش؟ ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فجاء إليهم فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر. والشاهد منه هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك». وهذا فيه بيان فضيلة لهؤلاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا أيضا ما جاء في سنن الترمذي عن معاذ رضي الله تعالى عنه لما حضرته الوفاة، فقال: أقعدوني، ثم قال: إن الإيمان والإسلام مكانهما -أو الإيمان والعلم مكانهما- من ابتغاهما وجدهما. ثم قال: تنزل العلم عند أربعة: سلمان، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام -الذي كان يهوديا فأسلم- فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هو عاشر عشرة في الجنة». والحديث صحيح. قال: كنت مع سلمان عاد مريضا في كندة -وهي قبيلة من قبائل اليمن- فلما دخل عليه قال: أبشر، فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا -أي استرضاء- وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لما عقل ولما أرسل. وهذا الأثر صحيح الإسناد. وفيه أن سلمان رضي الله تعالى عنه عاد مريضا في كندة. وهذا فيه بيان ما كان عليه السلف رضي الله تعالى عنهم من التزاور، وهكذا أيضا ما كان بينهم من مؤاخاة ومحبة، فيعود بعضهم بعضا ويزور بعضهم بعضا، وذلك من أسباب حصول المودة والأخوة التي حث عليها الشرع. قال: فلما دخل عليه قال: أبشر -يعني بشره بما أصابه من هذا المرض- وبين له أن هذا المرض هو خير له وليس بشر. قال: فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا -يعني استرضاء- كفارة فيكفر الله سبحانه وتعالى بسبب هذا المرض خطايا هذا العبد وذنوبه، وهو كذلك سبب لرضى الله عز وجل عنه، لرضى الله سبحانه وتعالى عنه. قال: وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لما عقل ولما أرسل -يعني أن الفاجر والكافر يأتيه المرض فلا يستفيد منه شيء، لا يستفيد من هذا المرض شيء، فيأتي ويذهب ولا ينتفع بذلك بشيء، كالبعير الذي يعقل ثم يرسل، فلا يدرى لما عقل ولا لما أرسل، وهكذا حال الفاجر مع ما يصيبه من الأمراض. قال: حدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا عدي بن عدي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة». قالوا: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا عمر بن طلحة، عن محمد بن عمر مثله، وزاد في ولده. وهذا الحديث أيضا صحيح، صححه شيخ الإسلام رحمه الله في الصحيحة. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن البلاء الذي يصيب المسلم سبب في ذهاب الخطايا عنه. قال: لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة -يعني الذكر والأنثى، ليس هذا خاصا بالذكر فقط، بل حتى الأنثى والمرأة إذا أصيبت بالمرض وابتليت بذلك فإن ذلك سببا للتكفير- قال: في جسده وأهله وماله، يبتلى في جسده بالأمراض والأوجاع، ربما تصيبه الحمى الشديدة أو تصيبه الجروح أو تقطع إحدى أعضائه أو غير ذلك من الأمراض التي يصاب بها في جسده. أو ربما ما كان من أمراض عظيمة وخطيرة كالسرطان أو فشل الكلى أو غير ذلك. وهكذا أيضا في أهله يبتلى في أهله بأن يصيبهم المرض أو كذلك أيضا أن يصيبهم ما فيه شر -يعني من الأوجاع والأسقام- أو كذلك أيضا ربما يموت أو غير ذلك مما يكون بلاء في الأهل. وهكذا أيضا في المال قد يبتلى أيضا في ماله بأن يسرق أو يحرق أو يتلف بأي نوع من أنواع التلف، فذلك أيضا من البلاء الذي يبتلى به. قال: حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة -يعني بسبب هذا الابتلاء الذي ابتلي به في نفسه وأهله وماله تكفر عنه خطاياه حتى يلقى الله وما عليه خطيئة- أي وليس عليه ذنب، كفرت عنه ذنوبه بسبب هذا الابتلاء، بسبب هذا البلاء. وهذا عند الصبر، هذا عند الصبر على هذا البلاء. وكلما قوي إيمان العبد كلما كان بلاؤه أعظم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». يبتلى الرجل على قدر دينه أو إيمانه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، وإن كان في دينه رقة خف عنه في بلائه. فإذا قوي الإيمان قوي البلاء، وإذا ضعف ضعف البلاء. ولهذا كان أشد الناس بلاء هم الأنبياء، أنبياء الله سبحانه وتعالى. وهذا مما يدل على أن ذلك بيان لفضلهم وعظيم منزلتهم، لا نقصا فيهم، عليهم الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.