التعليقات على كتاب الأدب المفرد 100

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 100، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصص الهجرة والخلاف بين المسلمين

تروي قصة خلاف بين عائشة وعبدالله بن الزبير بسبب تصريحه بمنعها من التصرف في مالها، ثم توسط أشخاص لإنهاء المقاطعة. يبين المقطع أهمية حل الخلافات بين المسلمين.

أحكام الهجرة في الإسلام

يشرح المقطع حكم هجر المسلم لأخيه المسلم، ويبين أن الهجرة لأمور الدنيا لا تجوز لأكثر من ثلاثة أيام، بينما تجوز لأمور الدين لأكثر من ذلك إذا لزم الأمر.

تحريم التباغض والتحاسد بين المسلمين

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التباغض والتحاسد والتدابر بين المسلمين، وأمر بأن يكونوا إخوانا متحابين، موضحا الفرق بين البغض المحمود وغير المحمود.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البقاعي رحمه الله في كتابه "الأذب المفرد" باب هجرة الرجل. قال حدثنا عبدالله بن صالح، قال حدثني الليث، قال حدثني عبدالرحمن بن خالد عن ابن شهاب، عن عوف بن الحارث بن الطفيل، وهو ابن أخي عائشة لأمها، أن عائشة رضي الله عنها حدثت، يعني أخبرت، أن عبدالله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت عائشة: فهو لله نذر أن لا أكلم ابن الزبير كلمة أبدا. فاستشفع ابن الزبير من عائشة بالمهاجرين حين طالت هجرتها إياه، فقالت: والله لا أشفع فيه أحدا أبدا، ولا أحنث نذري الذي نذرت أبدا. فلما طال على ابن الزبير، كلم المسور بن مخرمة وعبدالرحمن بن الأسود بن عبداليغوث، وعبداليغوث، وهما من بني زهرة، فقال لهما: أنشدكما بالله إلا أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبدالرحمن مجتملين عليه بأرضيتهما حتى استأذنا على عائشة، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أن أدخل؟ فقالت عائشة: أدخلوا. قال: كلنا يا أم المؤمنين. قالت: نعم أدخلوا كلكم، ولا تعلم عائشة أن معهم ابن الزبير. فلما دخلوا، دخل ابن الزبير في الحجاب واعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبدالرحمن يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، وإنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. قال: فلما أكثرا التذكير والتحريج، طفقت تذكرهم وتبكي وتقول: إني قد نذرت، والنذر شديد. فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير، ثم أعتقت بنذرها أربعين رقبة. ثم كانت تذكر بعد ما أعتقت أربعين رقبة، فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وفيه ذكر هذه القصة التي حصلت بين عائشة رضي الله تعالى عنها وبين عبدالله بن الزبير، وهو ابن أختها. عائشة قالت ذلك لما بلغها أن ابن الزبير قال في عطاء أعطته عائشة أو بيع باعته، كما جاء في بعض الروايات أنها باعت دارا، فقال ابن الزبير: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، يعني يمنع عليها التصرف في المال كما يمنع من كان سفيها لا يحسن التصرف. فلما بلغها ذلك رضي الله تعالى عنها، نذرت أنها لا تكلم ابن الزبير. فلما قالت الهجرة، طلب ابن الزبير من بعض التابعين أن يشفع له عند عائشة، يعني أن تقبل منه وأن ترجع عن نذرها. ثم استأذنوا عليها، أتوا إلى عائشة واستأذنوا في الدخول عليها فأذنت، فقالوا: كلنا. وكان معهم ابن الزبير، وهي لا تعلم أن معهم ابن الزبير، فأعطتهم الإذن العام، قالت: كلكم. فلما دخلوا، دخل عليها ابن الزبير من وراء الحجاب لأنها خالته، فجعل يقبلها ويبكي ويطلب منها أن تعفو عنه. وهكذا المسور وعبدالرحمن كانا يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه، ويذكرانها بنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الهجرة فوق ثلاث ليال. فلما أكثروا التذكير والتحريج عليها، جعلت تبكي رضي الله تعالى عنها وتذكر نذرها وتذكروا نذرها، وأن النذر أمره شديد. فلما أكثروا عليها، كلمته وأعتقت بنذرها أربعين رقبة، يعني كفارة لهذا النذر. وكانت رضي الله تعالى عنها إذا ذكرت هذا النذر تبكي حتى تبل دموعها خمارها. والشاهد منه هو ما حصل من هذه الهجرة من عائشة لابن الزبير. وإنما فعلت ذلك كما قال بعض أهل العلم أن عائشة رضي الله عنها رأت أن كلام ابن الزبير الذي قاله يعتبر عقوقا لها، يعتبر عقوقا لها، فهي أم المؤمنين، وكذلك أيضا هي خالته ومحرم له، فرأت من العقوبة عليه أنها لا تكلمه، ففعلت ذلك رضي الله تعالى عنها. وشاهد منه أيضا إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأنه نهى عن الهجرة فوق ثلاث ليال: "لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، وأنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال"، أي فوق ثلاثة أيام. أطلقت الليالي ويدخل فيها الأيام، وجاء في بعض الروايات ذكر الأيام، ويدخل فيها كذلك الليالي. فلا يجوز أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام إذا كانت الهجرة لأمر من أمور الدنيا. إذا كانت الأمر من أمور الدنيا فحصل بينه وبينه خصام أو سوء تفاهم أو نحو ذلك، فإذا هجره فإنه لا يزيد على ثلاثة أيام، لا يزيد على ثلاثة أيام كما سيأتي في الحديث القادم. وأما دون ثلاثة الأيام فيجوز، بمفهوم المخالفة، مفهوم الحديث يدل على جواز الهجرة دون ثلاثة أيام إذا حصل منه شيء فيهجره. قال أهل العلم: والحكمة في ذلك أن الإنسان من طبيعته أن يغضب، أن يصيبه الغضب، فإذا غضب وترك مكالمة من غضب عليه، فإنه يتركه ثلاثة أيام حتى تهدأ نفسه، ثم عليه بعد ذلك أن يكلمه، عليه أن يكلمه. فإن لم يكلمه فهو آثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خيرهم الذي يبدأ بالسلام". إذا ابتدأ السلام انقطعت الهجرة. فإن أصر وأبى إلا أن يستمر، فالذي يصر على الهجرة هو الآثم. هذا كما قلنا في أمور الدنيا. أما إذا كانت الهجرة لأمور الدين، فإنها تجوز فوق ثلاثة أيام، تجوز فوق ثلاثة أيام، بل تجوز ولو للأبد إذا كان لبدعة أو مخالفة شرعية وأصر عليها، فإنه يهجره ولو استمرت الهجرة، ولو استمرت الهجرة، ولا يدخل ذلك في هذه الأحاديث التي فيها النهي. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على جواز الهجر فوق ثلاثة أيام إذا خيف منه حصول مفسدة أو كذلك إذا كلم هذا الذي هجره أن يفسد عليه دينه ونحو ذلك، فيجوز أن يهجره أكثر من ذلك. وقد حصل في ذلك من السلف، وما فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، فقد هجرهم خمسين ليلة. وهكذا حصل بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من هجر أقاربهم هجرا مستمرا بسبب ما ارتكبوا من مخالفة شرعية. قال: باب هجرة المسلم. قال حدثنا إسماعيل، قال حدثني مالك عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فوق ثلاث ليال". الحديث صحيح، هو في الصحيحين. وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التباغض، أن يبغض المسلم أخاه المسلم يبغضه لأمر من أمور الدنيا، فهذا لا يجوز، لا يجوز لمسلم أن يبغض أخاه لمال، لكونه مثلا أكثر منه مالا، أو كذلك أنه فضل عليه بشيء من أمور الدنيا، فهذا لا يجوز. أما إذا كان يبغضه لما عنده من مخالفة شرعية، فهذا محمود، هذا بغض محمود، إذا كان يبغضه لمخالفته للشرع، كأن يكون مبتدعا أو رجلا ضالا أو معاندا يعاند الحق ومعرضا يعرض عن الأدلة الشرعية ونحو ذلك، فيبغضه لما عنده من هذه الأمور، فهذا لا يدخل في الذنب. قال: "ولا تحاسدوا". كذلك الحسد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الحسد، وهو أن تتمنى زوال النعمة من المحسود، تتمنى زوال النعمة من هذا المحسود، رجل أتاه الله جل وعلا مالا فتتمنى أن تزول هذه النعمة منه، أو أتاه صحة وعافية فتتمنى زوال هذه النعمة، أو أتاه علما فتحسده على ما عنده من علم، تتمنى زوال هذا العلم عنه، أو غير ذلك من أمور الدنيا أو الدين، فهذا لا يجوز. وسواء تمنى هذا الحاسد أن يكون هذا الأمر إليه أو تمنى زواله ولو لم يتمنى أن يكون له، فهذا أشد وأعظم، هذا أشد وأعظم. فمن الحسد ما يتمنى الحاسد أن يكون هذا الشيء له، يتمنى أن يزول من صاحبه وأن يرجع له. ومنه ما يتمنى أن تزول منه النعمة ولا يتمنى أن تكون له، المهم أن ترتفع عنه وأن تذهب منه هذه النعمة، وهذا أعظم، هذا أعظم الحسد. والواجب على المسلم أن يحذر من الحسد، وأن يعلم أن ما أتي هذا الإنسان هو فضل من الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يعطي من يشاء ويمنع من يشاء. فالحاسد عنده ضعف إيمان بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، عنده ضعف إيمان في باب القضاء والقدر، لأنه يعترض على قضاء الله سبحانه وتعالى. فهذا الذي أوتي المال أوتيه بقضاء الله عز وجل، فالله الذي أعطاه، وهذا الذي أوتي العلم الذي أعطاه ذلك هو الله سبحانه وتعالى، فلماذا تعترض على قضاء الله سبحانه وتعالى؟ إذا أردت أن يكون لك مثله فادع الله سبحانه وتعالى، واسأل الله عز وجل أن يعطيك كما أتاه. وأما أن تؤذي زوال هذه النعمة، فهذا هو المحرم والمنهي عنه، ولا يجوز ذلك. قال: "ولا تدابروا". كذلك التدابر لا يجوز، وهو أن تعطي أخاك دبرة، أن تولي عنه وجهك إذا جاء يكلمك فتعطيه ظهرك، كما يفعل بعض المتكبرين والمعجبين بأنفسهم، هذا لا يجوز، ليس هذا من أخلاق المسلم. إذا جاء يكلمه أخوه يعطيه ظهره، هذا من صفات المتكبرين، فهذا لا يجوز. "ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا". كونوا عباد الله إخوانا، ومما ينافي الأخوة حصول التباغض والتحاسد وهكذا التدابر. قال: "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال". وهذا كما مر الكلام عليه في الحديث الذي قبله. طيب لهنا والله تعالى أعلم.