الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 22، ألقاها
يستعرض المقطع حديث أبي موسى الأشعري عن خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط بالمدينة وقعوده على بئر أريس، واستئذان أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. ويوضح معاني ألفاظ الحديث كالحائط والحاجة، وعادات العرب في قضاء الحاجة وبناء المراحيض خارج البيوت.
يتطرق المقطع لحديث أبي موسى رضي الله عنه حين تطوع ببوابة النبي صلى الله عليه وسلم في حائط فيه بئر أريس، فاستأذن أبو بكر وعمر وعثمان فدخلوا وبشّرهم النبي بالجنة مع التنبيه على بلاء يصيب عثمان. ويستنبط العلماء من الحديث جواز اتخاذ البوابين، وأن الساق ليست بعورة، وجواز الاقتداء بالنبي في العادات، والثناء على الإنسان في وجهه إن أمنت الفتنة.
يتناول المقطع فتنة مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه وما تلاها من فتن كبرى كوقعة الجمل وصفين، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم سبق وأخبر ببلاء عثمان واستشهاده. كما يوضح المقطع السنة النبوية في نصيحة ولاة الأمر سراً لا علانية، محذراً من منهج التشهير وإثارة الفتن الذي تتبعه بعض الجماعات الحزبية.
يختتم المقطع بالصلاة والتسليم على النبي محمد وآله، مع التوكيد على علم الله تعالى. وينسب الترجمة الواردة في الدرس إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال أخبرنا محمد بن جعفر وهو الملقب بغندر، قال عن شريك بن عبد الله وهو بن أبي نمر، قال عن سعيد بن المسيب وهو بن حزن سيد التابعين، وكان من أعلم التابعين ومن فقهائهم وحفاظهم، قال عن أبي موسى الأشعري. فما اسم أبي موسى يا بهم؟ نعم، هو عبد الله بن قيس الأشعري، أبو موسى، صحابي جليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان من علماء الصحابة ومن قرائهم. قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود»، وذلك أنه كان حسن القراءة، وكان حسن الصوت. ولهذا استمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءته ذات ليلة، فلما أصبح قال لأبي موسى: «لو رأيتني وأنا أستمع إلى قراءتك البارحة». قال: «لو علمت بذلك لحبرته لك تحبيراً، لحبرته لك تحبيراً». وأبو موسى كان أحد الحكمين في يوم صفين، لما تحاكم علي ومن معه، ومعاوية ومن معه، على أن يحكم القرآن. كان أبو موسى حكماً إلى جانب علي، وكان عمرو بن العاص حكماً إلى جانب معاوية، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره. فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرني. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وقضى حاجته، وجلس على قف البئر، فكشف عن ساقيه، ودلاه ما في البئر. فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فوقف، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله، أبو بكر يستأذن عليك. قال: «ائذن له وبشره بالجنة». فدخل، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، ودلاه ما في البئر. فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة». فجاء عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، فدلاه ما في البئر. فامتلأ القف، فلم يكن فيه مجلس. ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه». قال: فدخل، فلم يجد معهم مجلساً، فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلاه ما في البئر. فجعلت أتمنى أخاً لي وأدعو الله أن يأتي. قال ابن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هنا، وانفرد عثمان. وقال رحمه الله تعالى: قال حدثني بشر بن خالد، قال أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان وهو الأعمش، سليمان بن مهران، قال سمعت أبا وائل شقيق بن سلمة، قال: قيل لأسامة وهو بن زيد بن حارثة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه. قال أسامة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر، ثم يضمنا إليه، ويقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما، فإني أرحمهما». قال عن أسامة: قال قيل لأسامة: ألا تكلم هذا؟ قال: قد كلمته، ما دون أن أفتح باباً أكون أول من يفتحه، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميراً على رجلين: أنت خير، بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء برجل فيطرح في النار، فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: أي فلان، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله». أورد الإمام البخاري رحمه الله تعالى تتمة هذا الباب: باب الفتنة التي تموج كموج البحر. أورد حديثين عظيمين. أول هذين الحديثين هو حديث أبي موسى الأشعري، يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً إلى حائط من حوائط المدينة، والمراد بالحائط هو البستان، أي أحد بساتين المدينة. قال: «لحاجته»، أي لكي يقضي حاجته، والحاجة يكنى بها عن الغائط، إذا أراد الشخص أن يخرج ما فيه من براز وفضلات. فالعرب كان من أدبهم أنهم لا يأتون بذلك صريحاً، وإنما يكنون، فماذا يقول أحدهم؟: أريد قضاء الحاجة، أو أريد الغائط، أو الحشوش، أو غير ذلك من الأسماء الكثيرة التي جعلها العرب للدلالة على قضاء الحاجة من البول أو الغائط. وهذا فيه ما كان عليه الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أن غالب البيوت كان ليس فيها محل لقضاء الحاجة، ليس فيها حمام يقضى فيه الحاجة، وإنما من أراد أن يقضي حاجته خرج إلى الخلاء. ولهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد الخلاء أبعد المذهب، يعني ذهب بعيداً بحيث أنه لا يرى، فلا يسمع له صوت، ولا يشم له ريح. وحتى النساء كن يخرجن إلى الخلاء لكي يقضين حاجتهن من الغائط. ولهذا كانوا يكرهون بناء الحشوش والحمامات في داخل البيوت. ولهذا أبو أيوب قال: فلما قدمنا الشام وجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، قال: فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل. وهذا يدل على أن الحال كان في المدينة، وهكذا ما حولها، على خلاف ما كان عليه أهل الشام من اتخاذ الكنف وهكذا مواضع قضاء الحاجة في البيوت. قال رحمه الله تعالى: قال: «وخرجت في إثره»، أي اتبعته عليه الصلاة والسلام. قال: «فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «ولم يأمرني». وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحفظ عليه الباب، أن يحفظ الباب. وهنا يقول: «ولم يأمرني». وقد جمع بعض أهل العلم ببعض الجمع، فمن ذلكم ما ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى، من أنه يحتمل أنه أمره بحفظ الباب أولاً، إلى أن يقضي حاجته ويتوضأ، لأنها حالة يستتر فيها حال قضاء الحاجة والوضوء، هذه حالة يحتاج الشخص أن يستر فيها. ففي هذه الحالة يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحفظ الباب، فلا يجعل أحداً يدخل عليه إلا إذا استأذن. ثم بعد ذلك تطوع أبو موسى بأن حفظ الباب من تلقاء نفسه، ومن غير أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فهذا أحد أوجه الجمع التي جمع العلماء بها بين روايات هذا الحديث، التي فيها أمر أبي موسى، والتي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يكون بواباً على هذا البستان. قال: «فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وقضى حاجته». وهكذا في هذا الحديث دليل على جواز اتخاذ البوابين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا موسى على هذا، فيجوز أن يتخذ الشخص بواباً، فإذا أتى أحد يريد أن يدخل استأذن له. قال: «وقضى حاجته، وجلس على قف البئر، فكشف عن ساقيه، ودلاه ما في البئر». وقوله: «وجلس على قف البئر»، ماذا القف؟ الأصل أنه يطلق على المكان الغليظ المرتفع من الأرض، المكان الغليظ المرتفع على الأرض، والمراد به ها هنا هو البناء الذي يكون حول البئر، إذا حفرت البئر فربما جعلوا حولها بناءً، وهذا البناء لربما ينبه الشخص أن في هذا الموضع بئراً، فلا يقع فيها إنسان ولا حيوان ولا غير ذلك. وقد جاء في رواية عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن هذه البئر تسمى بئر أريس. قال: «فكشف عن ساقيه، ودلاه ما في البئر». وهذا فيه دليل على أن الساق ليس بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن ساقيه. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: قال: «كشف عن فخذه أو ساقه»، شك راوٍ: كشف عن فخذه أو ساقه. وقد ذكر الإمام العثيمين رحمه الله تعالى توجيهاً لهذه الرواية، أن إذا وجد لفظ على التردد، ولفظ على الحزم، فإنه يؤخذ بلفظ الجزم، يؤخذ بلفظ الجزم، لأن التردد يحمل على شك راوٍ، وأما الجزم فواضح. فما كان فيه تردد لا يقدم على ما كان فيه الجزم. فرواية الساقين ها هنا مقدمة. قال: «فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت»، أي مكانك، «حتى أستأذن لك». وهذا فيه أنه إذا استأذن أحد على شخص، ولو كان من أخص الناس وأحب الناس إليه، أنه لابد أن لا يدخل إلا بعد أن يأذن له صاحب البيت. ولهذا أبو بكر لم يدخل، وإنما امتنع عن الدخول انتظاراً لإذن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن أبا بكر يعتبر أحب الناس، أو أحب الرجال إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخص أصحابه، رضي الله تعالى عنهم. قال: «فوقف، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله، أبو بكر يستأذن عليك. قال: ائذن له وبشره بالجنة». قال: «فدخل، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، ودلاه ما في البئر»، أي فعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذن له وبشره بالجنة. فجاء عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، فدلاه ما، أو فدلاه ما في البئر». قال: «فامتلأ القف»، أي المكان الذي بني حول البئر، ليس هناك مجال إلى أن يجلس أحد آخر في هذا الموضع. قال: «فلم يكن فيه مجلس». ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه، معها بلاء يصيبه». قال: «فدخل، فلم يجد معهم مجلساً، فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البئر»، يعني جلس في الجانب الآخر من البئر، مقابل للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. قال: «فكشف عن ساقيه، ثم دلاه ما في البئر، ثم دلاه ما في البئر». وفعل أبي بكر وعمر وعثمان يدل على جواز الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى فيما ليس بعبادة. فكشف الساق ليس بعبادة، ومع هذا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فعله أولئك الصحابة. ولهذا ذكر غير واحد من أهل العلم أن الشخص قد يثاب على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، ولو كان ذلك في العادات، وهكذا الأمور التي هي ليست من العبادات. وقوله: «وبشره بالجنة»، فيها منقبة وفضيلة لهؤلاء الصحابة الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وهكذا عثمان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم من أهل الجنة. وهذا فيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب ونحوها من الفتن. إذا أمن على الشخص أنه يعجب بنفسه، وأنه يرى أنه أفضل من غيره، فعندها يجوز أن يثنى على الشخص في وجهه، وإلا فالأصل أنه لا يفعل ذلك. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المادح على هذه الصورة بأنه الذباح، وهكذا قاطع عنق الأخ. وقوله عليه الصلاة والسلام في عثمان: «معها بلاء يصيبه»، هذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث عند هذا الباب: ما يصيب عثمان رضي الله تعالى عنه من البلاء والفتنة. فقد فتن عثمان رضي الله تعالى عنه، وذلك حين أن اختلف عليه بعض الناس، فتآلبوا عليه حتى حاصروا بيته، ثم بعد ذلك اقتحموا هذا البيت، ودخلوا على أمير المؤمنين ذي النورين، ذلكم العابد الزاهد العالم، فقتلوه شهيداً، رضي الله تعالى عنه، رضي الله تعالى عنه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر عمر بشره بالجنة ولم يذكر فيها بلاء ولا فتنة، ولما ذكر عثمان ذكر البلاء والفتنة، ذكر البلاء والفتنة، مع أن كليهما قد قتل. وقد أجاب العلماء عن هذا: أن عثمان قد سبق قتله اختلاف، وهكذا سبق قتله تآلب هؤلاء الناس عليه، رضي الله تعالى عنه، وطالبوه بأن ينخلع من الخلافة، بأن ينخلع من الخلافة، فأقام عليهم الحجة، ورد الشبه التي أوردوها، والأمور التي أتوا بها، لكنهم لم يقبلوا إلا بأن يتآمروا على قتله، رضي الله تعالى عنه، فمات شهيداً، فمات شهيداً. وهذه الفتنة التي حصلت بمقتل عثمان جرت على المسلمين فتناً عظيمة، فما يوم الجمل، وهكذا صفين، إلا نتيجة لمقتل عثمان رضي الله عنه. خرجت عائشة وطلحة والزبير ومن معهم في يوم الجمل للمطالبة بدم عثمان، وهكذا الثأر من قتل عثمان، وهكذا معاوية رضي الله تعالى عنه في يوم صفين رفض مبايعة علي حتى يقضى على قتل عثمان. فانظر كيف تجر الفتن على الأمة الويلات تلو الويلات، الويلات تلو الويلات. رضي الله تعالى عن الصحابة. قال: قال رحمه الله تعالى: قال: «فدخل فلم يجد معهم مجلساً، فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه، ثم دلاه ما في البئر». قال: «فجعلت أتمنى أخاً لي وأدعو الله أن يأتي». لماذا؟ حتى إذا استأذن، لعل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له، وأن يبشره بالجنة. قال ابن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا، وانفرد عثمان. ومعنى ذلك أن الثلاثة: النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، دفنوا في مكان واحد، وذلك في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها. وأما عثمان فلم يدفن بجانبهم، وإنما دفن بالبقيع في مكان بعيد، لم يدفن حتى قريباً من قبور الصحابة، وإنما أخذوه رضي الله تعالى عنه فدفنوه بعيداً عنهم، دفنوه بعيداً عنهم. وهذا يدل على ذلكم، أو على عظم ذلكم الجرم الذي اقترفه أولئك بقتلهم لهذا الخليفة الراشد، رضي الله تعالى عنه. وهذا فيه معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه المعجزة ظاهرة تدل على صدق رسوله، وهكذا دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة وبشرهم بالجنة، وأخبر عن فتنة عثمان رضي الله تعالى عنه والبلوى التي ستصيبه. والثلاثة استمروا على الإيمان والهدى، فلم يغيروا ولم يبدلوا. والحديث الأخير: حديث أسامة بن زيد. قال له بعض الناس: ألا تكلم هذا؟ وقد جاء في بعض الروايات عند مسلم وغيره أن المراد بهذا يعنون عثمان رضي الله تعالى عنه. فقال أسامة بن زيد: قد كلمته، ما دون أن أفتح باباً أكون أول من يفتحه، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميراً على رجلين: أنت خير، بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء برجل فيطرح في النار»، إلى آخر الحديث. ومعنى هذا أن أسامة قد كلم عثمان فيما بينه وبينه سراً، من غير أن يطلع أحد من الناس على هذا النصح، وعلى ذلكم الكلام. وهذا الذي دلت عليه دلائل السنة: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين النصيحة». قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعامتهم». وهكذا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». وجاء عند الإمام أحمد، وهكذا الحاكم، وعند بن أبي عاصم رحمة الله عليهم، عن عياض بن غنم، أنه قال لهشام بن حكيم: ألم تسمع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، وليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا فقد أدى الذي عليه»؟ والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في «ظلال الجنة». وهذا يدل على خطأ من يزعم أنه يناصح الحكام وولاة الأمور على المنابر وأمام الجماهير الغفيرة، فيذكرون مثالب الحكام وعيوبهم. هذه ليست نصيحة، هذه ليست نصيحة، هذه لربما ضرت أكثر مما نفعت. أنت لو قام قائم أمام الملأ فقال: فلان بن فلان يزني، ويشرب الخمر، ويغتاب، ويفعل ويفعل ويفعل من المعاصي، لما زادك ذلك إلا ماذا؟ إلا عدم قبول لهذه النصيحة. كيف بيئة الحاكم وإمام المسلمين يقوم شخص على المنبر فيهيج الناس، وهكذا يثيرهم على حكامهم، ويذكر المثالب والعيوب؟ وهذا يعتبر مخالفاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. الأولى أن يناصح ذوي السلطان سراً قدر المستطاع، فإن قبل الحاكم فبها ونعمة، وإن لم يقبل فأنت قد أديت الذي عليك، وقد برئت ذمتك، وحسابه على الله عز وجل. لكن لما كان كثير من الناس من ذوي الأحزاب السياسية، وهكذا المناهج الحزبية المنحرفة الحركية، قصدهم التكفير، وهكذا الخروج وإثارة الفتن، لا يقبلون إلا بالتشهير، ولا يقبلون إلا بإثارة الشعوب والمجتمعات على حكامها، فتحصل الفتن التي لا يحمد عقباها، التي لا يحمد عقباها. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذه الحديثين، وبهما نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر