أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 57

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 57

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الاشتقاق وتوقيفية الأسماء

يقرر المؤلف أن أسماء الله تعالى كلها توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها، وأن القاعدة هي: كل اسم يتضمن صفة، وليس كل صفة تتضمن اسماً. فصفات الأفعال إذا أطلقت مطلقة دلت على الكمال وصح الاشتقاق منها كأسماء، أما المقيدة فلا يشتق منها اسم إلا بتوقيف.

ضوابط إطلاق صفات المكر والخداع والاستهزاء والنسيان

تبين المقاطع أن صفات كالمكر والخداع والاستهزاء لا تثبت لله مطلقة، بل وردت في القرآن مقيدة بالجزاء والمقابلة لمن يستحقها، وإطلاقها بلا تقييد يوهم نقصاً في حق الله. كما يوضح أن النسيان المنفي عن الله هو ذهول العقل، بينما المثبت بمعنى الترك والإعراض، وهذه الصفات تُثبت فقط في سياق الجزاء والمقابلة كما دلت الآيات.

مكر الله بمن يمكر بدينه واستهزاؤه بالمستهزئين

يؤكد المقطع أن الله سبحانه وتعالى يمكر بمن يمكر بدينه أو بعباده المؤمنين، ويستهزئ بمن يستهزئ بدينه أو بشرعه أو بالمؤمنين، مستنداً إلى نصوص القرآن الكريم. وهذا المكر والاستهزاء يأتيان كجزاء عادل ومقابلة لمن استحق ذلك، فيدلان على عدل الله وعزته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فبِقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، وهو عبارة عن مئتي سؤال في العقيدة، قال: السؤال الثالث والستون: هل يشتق من كل صفات الأفعال أسماء؟ أم أسماء الله كلها توقيفية؟ هذا سؤال يتعلق باشتقاق أسماء الله جل وعلا، وقد تقدم معنا أن كل اسم يتضمن صفة لله عز وجل، وهذه من قواعد الأسماء والصفات: أن كل اسم يتضمن الصفة التي يدل عليها، فالرحمن يدل على صفة الرحمة، والغفور يدل على صفة المغفرة، وهكذا. لكن هنا السؤال: هل الصفة يشتق منها اسم؟ صفات الأفعال التي عرفناها في الأسئلة الماضية، هل تلك الصفات - صفات الأفعال - يشتق منها الأسماء أو تشتق منها الأسماء؟ فالجواب: قال المؤلف: لا، بل أسماء الله تعالى كلها توقيفية. فإذن القاعدة هاهنا: كل اسم يتضمن صفة، وليست كل صفة تتضمن اسماً أو تدل على اسم. هذه من القواعد التي عليها أهل السنة في باب الأسماء والصفات: كل اسم يتضمن صفة، وليس كل صفة تتضمن اسماً. فلذلك قال: لا، بل أسماء الله تعالى كلها توقيفية، لا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه، أو أطلقه عليه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني أطلقه بدون تقييد. وسيأتي معنا من كلام المؤلف ما يراد به. قال: "وكل فعل أطلقه الله تعالى على نفسه فهو فيما أطلق فيه مدح وكمال". كل فعل أطلقه الله تعالى على نفسه، يعني من صفات الأفعال، فهو فيه مدح وكمال. قال: "ولكن ليس كلها وصف الله به نفسه مطلقاً، ولا كلها يشتق منها أسماء". يعني أن من أسماء الله ما هي مطلقة، ومن أسماء الله ما هي مقيدة. وسيأتي ما مراده بالأسماء المقيدة، أو بالصفات المقيدة، بالصفات المقيدة. فالأوصاف قد تكون مطلقة، فهي إذا أطلقت فيها مدح وكمال. ومن الصفات ما هو مقيد، فلا يدل على الكمال إلا فيما وصف به في هذا السياق. وسيأتي زيادة بيان من المؤلف. ولذلك قال: "ولا كلها يشتق منها أسماء، بل منها ما وصف به نفسه مطلقاً كقوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم﴾، هذا فيه صفة الخلق، وهي من الصفات الفعلية كما مر معنا، ﴿ثم رزقكم﴾ هذا فيه صفة الرزق، ﴿ثم يميتكم﴾ هذه فيه صفة الإيماتة، ﴿ثم يحييكم﴾ هذه فيه صفة الإحياء". فهذه الصفات أطلقت، ولذلك جاء في الكتاب والسنة أنها تكون أسماء لله عز وجل. ولذلك قال: "وسمى نفسه الخالق"، مع أن هنا أطلق ﴿الذي خلقكم﴾، فإذن عند الإطلاق صح أن يسمى الله عز وجل الخالق، وهذا ما ورد في الكتاب. كذلك الرزق: قال ﴿الرزاق﴾، سمى نفسه الرزاق. وهكذا الإحياء: سمى نفسه المحيي. وهكذا الإيماتة: سمى نفسه المميت. وهكذا المدبر، وغيرها من تلك الأسماء. قال: "ومنها أفعال أطلقها الله تعالى على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة، وهي فيما سيقت له مدح وكمال". يعني لا تكون مدحاً وكمالاً إلا إذا كانت على وجه الجزاء والمقابلة، أما بدون ذلك فلا يصح أن نجعلها أسماء لله سبحانه وتعالى. وأسماء الجزاء والمقابلة التي ذكرت في كتاب الله عز وجل، والتي أشار إليها المؤلف ها هنا، ترجع إلى المكر، والخداع، والمحال، والمحال هو أشد المكر، وهو شديد المحال، والكيد، والسخرية، والاستهزاء، والإمهال، والإعراض. هذه الصفات ما وردت مطلقة، ما وردت مطلقة، وإنما وردت بالمقابلة، وردت بالمقابلة. فلذلك لا تثبت لله عز وجل مطلقة، لا صفات ولا أسماء، لا صفات ولا أسماء. فلابد من ذكرها كما سيقت له، لا بد من ذكرها، لا بد من ذكرها كما سيقت له. فالله عز وجل يتصف بها ويفعلها في حق من يستحق، في حق من يستحق. وبالتالي تكون كمالاً في هذا السياق، تكون كمالاً في هذا السياق. فإذا عندنا هذه الصفات التي لم تطلق، وإنما قيدت بمقابلة وجزاء، على ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: أن نطلقها على الله إطلاقاً هكذا دون تقييد، فنقول مثلاً: الله عز وجل يمكر، أو يخادع، أو نحو ذلك، ونسكت. فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز. هذا الاحتمال الأول؛ لأنها لم ترد هكذا في النصوص، ولكنها وردت بالمقابلة والجزاء. هذا الاحتمال الأول، نعم. ولماذا لا يجوز؟ لأنها توهم نقصاً في حق الله. وعندنا قاعدة قد مرت معنا: أن أي لفظ يدل على أو يتوهم منه نقص لله عز وجل فلا يجوز إطلاقه على الله. مثل ما مر معنا في الأسماء المقترنة: كالقابض والباسط، قلنا لا يجوز أن تقول: الله هو القابض، هكذا دون أن تقرنه باسم الباسط؛ لأن لفظ القابض وحده يوهم نقصاً في حق الله سبحانه وتعالى. وكذلك في هذا الموضع، فإطلاق الصفة دون تقييد بما وردت وسيقت له، هذا يوهم نقصاً. عندما تقول: الله يمكر، أو يخادع، أو يستهزئ، أو نحو ذلك، هذا فيه نقص لله عز وجل. فلذلك لا يجوز إطلاقه، لا يجوز إطلاقه. لماذا؟ لأن مثلاً المكر ينقسم إلى قسمين: مكر بحق، ومكر بباطل. ومكر بباطل والله عز وجل لا يوصف بالمكر إذا كان باطلاً، لا يوصف سبحانه وتعالى بالمكر إذا كان باطلاً، وإنما يوصف به إذا كان حقاً. فالله يمكر بمن يمكر بدينه، ويمكر بمن يمكر بعباده المؤمنين. فإذا سيقت بهذا السياق فهي حينئذ مدح وكمال لله عز وجل؛ لأن هذا التقييد دال على عدل الله، دال على عدل الله، والعدل صفة مدح. وكذلك دال على عزة الله وقدرة الله وقوة الله النافذة، وكل هذه الصفات صفات كمال لله سبحانه وتعالى. مع التنبيه على أن قول الله عز وجل: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، أن النسيان يطلق ويراد به في اللغة أمران، يطلق ويراد به في اللغة أمران: يراد به معنى الذهول، تقول مثلاً: نسيت الموعد، يعني ذهلت عنه. نعم، فهذا منفي عن الله مطلقاً. النسيان بمعنى الذهول هذا منفي عن الله مطلقاً. ويطلق النسيان ويراد به معنى الترك، وهذا هو الثابت لله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، أي أعرض عنهم وتركهم، وتركهم. فيكون النسيان بهذا المعنى، فيكون النسيان بهذا المعنى. نعم. هذا هو الاحتمال الأول في إطلاق هذه الصفات: أنه لا يجوز إطلاقها دون ذكر ما من أجله سيقت. وأما الاحتمال الثاني: أن يشتق اسم لله جل وعلا من هذه الأسماء، من هذه الصفات، فيقال مثلاً: الله ماكر، أو الله مستهزئ. هذا لا يجوز من باب أولى، هذا لا يجوز من باب أولى. إذا كان لا يجوز أن تطلق هذه صفة لله أو فعلاً لله، فمن باب أولى أن لا يسمى بها الله سبحانه وتعالى. نعم. وأما الاحتمال الثالث: أن تضاف إلى الله جل وعلا في السياق الذي جاءت به النصوص، فبالتالي فهي تقتضي مدحاً، وذلك بأن يقال: إنها كانت على سبيل الجزاء، وفعلت هذه الأفعال بمن يستحق. فكما تقدم: هذا كمال، وهذا يوصف به ربنا سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾، وهكذا غيرها من الآيات التي سيقت في هذا المقام. فهذا معنى قول المؤلف ها هنا: قال: "ومنها أفعال أطلقها الله تعالى على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة، وهي فيما سيقت له مدح وكمال". كما مر معنا: قوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾، وقوله: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾، وقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. ولكن لا يجوز إطلاقها على الله في غير ما سيقت فيه من الآيات، كما مر معنا، كأن تذكرها صفة مجردة، تقول مثلاً: الله... مثلاً تقول: المستهزئ، أو الماكر، أو نحو ذلك، أو: الله يمكر، أو يستهزئ، هكذا دون تقييد بما سيقت من أجله. فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز. هذا معنى قوله: "ولكن لا يجوز إطلاقه على الله في غير ما سيقت فيه من الآيات"، فلا يقال: إنه تعالى يمكر، ويخادع، ويستهزئ، ونحو ذلك. وكذلك لا يقال: هذا يمكر، ويخادع، ويستهزئ. هذه إطلاقات صفات وأفعال، صفات وأفعال. وقوله: "ولا يقال: ماكر، مخادع، مستهزئ"، فهذا من باب الأسماء، فلا يوصف بها دون ما سيقت إليه، ولا يسمى بها كذلك، ولا يقوله مسلم ولا عاقل. فإن الله عز وجل لم يصف نفسه بالمكر والكيد والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق. وقد علم أن المجازاة على ذلك بالعدل حسنة من المخلوق، فكيف من الخلاق العليم العدل الحكيم؟ يعني ولله المثل الأعلى: لو أن إنساناً مُكر به، مُكر به أحد الناس، فلما علم بذلك أراد أن يأخذ حقه، فمكر بمن مكر به، فهذا يعد عدلاً منه وحسنة، إذ عنده قدرة وقوة وعزة أن يرد حقه وأن يأخذ حقه. فلله المثل الأعلى. فالله عز وجل يمكر بمن يمكر بدينه أو بعباده المؤمنين، ويستهزئ بمن يستهزئ بدينه أو بشرعه أو بالمؤمنين، كما في كتاب الله سبحانه وتعالى. هذا هو مفاد وملخص هذا السؤال، وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى.