الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 57، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المقطع حديث رؤية الله يوم القيامة متواتراً عن ثلاثين صحابياً، مستدلاً به على علو الله تعالى وعلى أن أعظم نعيم الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم. ويوضح أن تشبيه الرؤية بالقمر ليلة البدر إنما يقصد به وضوح الرؤية لا تشبيه الذات الإلهية بالقمر.
يشرح معنى "لا تضامون في رؤيته" بأنه عدم الحاجة للزحام لرؤية الله لوضوحها، مبيناً وجوه القراءة اللغوية، ثم ينتقل لفضل صلاتي الفجر والعصر كأفضل الصلوات مستدلاً بالأحاديث والآيات. ويختتم بنقل إجماع أهل السنة والجماعة على إثبات رؤية الله في الآخرة وردّ من أنكرها.
يؤمن أهل السنة بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتاً بلا تحريف ولا تعطيل، وتنزيهاً بلا تكييف ولا تمثيل، فهم وسط بين المعطلة والممثلة. كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم السابقة التي غلت في الأنبياء أو جفتهم، مع إشارة ابن تيمية إلى كثرة نصوص الصفات.
تميزت هذه الأمة بتصديقها لجميع الأنبياء وإعطائهم حقهم، بخلاف الأمم السابقة التي كذبت جميع الأنبياء لأن تكذيب نبي واحد يعد تكذيباً للجميع. استدل على ذلك بآيات قرآنية كقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴾.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع، في سياق ذكره للأحاديث الواردة في السنة في بيان رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة، وقد أشار إلى هذا في موضع سابق بذكر الآيات الواردة في إثبات رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. وهنا ساق هذا الحديث، وفيه بيان رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة، فقال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ ﴾. إنكم، وهذا فيه تأكيد، تأكيد لهذا الأمر، فاللام أكد هذا، إنكم، فإن مؤكدة، إنكم سترون، سترون، والسين للمستقبل، سترون، ومعناه أن الرؤية تكون يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته. فإن الصلاة... لا، بل: «فَصَلُّوا صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا» متفق عليه. ذكر... الصحيح متواتر، الحمد لله تعالى أن هذا الحديث صحيح متواتر، كأنه قد جاء عن جمع من الصحابة، جاء عن ثلاثين أو أكثر من الصحابة ممن روى هذا الحديث، وأحاديث الرؤية متواترة. حديث جرير هذا متواتر، رواه أكثر من ثلاثين من الصحابة، جاء عن عدد كثير من الصحابة، وأحاديث الرؤية متواترة، قد عدت في الأحاديث المتواترة، لما تواتر: حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا، واحتسب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح خفين، وهذه بعض... ورؤية، شفاعة، أي أحاديث الرؤية متواترة. قال رحمه الله: هذا الحديث يشهد لما دلت عليه الآيات السابقة من رؤية المؤمن الله عز وجل في الجنة، وتمتعهم بالنظر إلى وجه الكريم. وهذه النصوص من الآيات والأحاديث تدل على أمرين: أولهما علوه تعالى على خلقه. نعم، عندكم على خلقه، ولا... نعم، لن... عندي خطة في هذه النسخة: عز، الصواب: علوه تعالى على خلقه. نعم، نعم، عن خلقه... علوه تعالى، لا، الصواب: على. عندكم على، النسخة الأخرى: على، نعم، الصواب: على. طيب، لأنها صريحة في أنهم يرونه من فوقهم. يعني حديث الرؤية يدل على العلو، حديث الرؤية يدل على العلو لأنه يسلم: «سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ»، ورؤية المؤمن ربهم جل وعلا وهو في علوه. وذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: «وَيَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ فَوْقِهِمْ نَظَرَ الْعِيَانِ كَمَا يُرَى الْقَمَرَانِ»، هذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان. ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يرى القمران، الشمس والقمر، هذا تواتر، حديثه متواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان، وهم الجهمية وغيرهم ممن أنكر رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة من المعتزلة وغيرهم. ثم قال رحمه الله تعالى: ثانيهما: إن أعظم أنواع النعيم هو النظر لوجه الله الكريم، هذا أعظم النعيم، كما دلت على ذلك الأحاديث، كما في حديث صهيب في الصحيح: «وَأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَكْشِفُ الْحِجَابَ عَنْ وَجْهِهِ، فَمَا أُعْطُوا نَعِيمًا أَعْظَمَ مِنْ نَعِيمِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ». فإذا رؤية رب العالمين جل وعلا هي أعظم النعيم على الإطلاق، أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، ليس هناك أعظم من هذا النعيم، ليس هناك أعظم من هذا النعيم، فهو أعظم النعيم. وذلك كان نبينا عليه السلام يسأل ربه جل وعلا لذة النظر إلى وجه الكريم، الشوق إلى لقائه والنظر إلى وجهه جل وعلا في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وذلك لأن النظر إلى وجه الله الكريم من أعظم النعيم الذي يسأل العبد ربه جل وعلا أن يمنّ به عليه. قال رحمه الله تعالى: وقوله «كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»، ليلة البدر، ليلة الرابع عشر، ليلة الرابع عشر يكون البدر فيها تاما. وذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: «كَالْبَدْرِ لَيْلَةَ سِتٍّ بَعْدَ ثَمَانٍ» في وصف حور العين من الجمال ومن الوضاء: «كَالْبَدْرِ لَيْلَةَ سِتٍّ بَعْدَ ثَمَانٍ»، ليلة ست بعد ثمان، يعني ليلة الرابع عشر، ست بعد ثمان أربعة عشر. هذه الليالي أو هذه الليلة، ليلة الرابع عشر، يكون البدر فيها تاما وكاملا وعلى الأحسن إضاءة، لذلك يقال: بدر التمام وبدر الكمال، في وصف النساء الجميلات: كَبَدْرِ التَّمَامِ وَكَبَدْرِ الْكَمَالِ. قال مراده: تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرء بالمرء، لا تشبيه المرء بالمرء، ليس المراد في الحديث تشبيه المرء بالمرء، يعني تشبيه الرب جل وعلا بالقمر، لا، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية في وضوحها، تشبيه الرؤية بالرؤية في وضوحها، يعني الله جل وعلا يرى يوم القيامة رؤية واضحة كما أن القمر يرى رؤية واضحة، فليس فيه التشبيه المرئي وهو الرب جل وعلا بالمرئي وهو القمر، وإنما الرؤية بالرؤية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» تعني كرؤيتكم القمر، كرؤيتكم القمر. نعم. قال رحمه الله تعالى: يعني أن رؤيتهم لربهم تكون من الظهور والوضوح كرؤية القمر في أكمل حالاته وهي كونه بدرا، ولا يحجبه سحاب، كما جاء في أحاديث أخرى، قال عليه الصلاة والسلام كما رواه أبو هريرة حين سأله: «يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟» قال: «هَلْ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قالوا: لا. يعني ما نجد ضررا في ذلك، نرى الشمس وليس دونها سحاب، لا ضرر، أنها واضحة. قال عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ»، بمعنى رؤيتها واضحة، لا يحجبها شيء، لا سحب ولا غير ذلك ما يحجب. قال: ولا يحجبه سحاب، ولهذا قال بعد ذلك: «لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ»، لا تضامون رؤية بتشديد الميم، لا تضامون، الميم مشددة، فعلى تشديد الميم من التضام بمعنى التزاحم والتلاصق والانضمام، شأن الأشياء غير الواضحة. الآن الهلال، هلال رمضان أو هلال شوال أو غير ذلك، إذا رآه شخص، نعم، لا يراه غيره بوضوح، ولا هو حتى، وذلك يحتاجون إلى التضام والتلاصق والتزاحم، لأن كل واحد يقول: أين؟ يقول: تعال انظر، هذا يأتي وهذا يأتي، ما يراه الذي هناك، يقول له: عندك وين؟ يأتي من هنا، وهذا يأتي من هنا، يقول: انظروا، محتاجون إلى تضام وتزاحم وتلاصق لأنه غير مرئي بوضوح. بخلاف القمر البدر، الشخص البدر أمامه يقول له: وين؟ تعال، ها هو واضح، ما يحتاج. ولكن مثل بهذا، قال: «لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» يعني لا تحتاجون إلى أن ينضم بعضكم إلى بعض حتى ترونه، شأن رؤية الأشياء غير الواضحة. هذا على رواية التشديد. وعلى رواية التخفيف: لا تضامون، لا تضامون من غير تشديد، طيب، وهكذا التاء يجوز فيها الضم والفتح، التاء يجوز، نقول: لا تضامون، أو بالضم: لا تضامون، جاهز، تفتح التاء تقول: تضامون، أو تضم التاء: تضامون، وهكذا الميم جاهز: التشديد تضامون، أو تضامون يعني بتخفيف الميم بمعنى الضيم، يعني الظلم، لا تضامون بمعنى الظلم، لا يلحقهم في ذلك أي في رؤيتهم ضيم ولا غم. نعم، يعني لا تظلمون في ذلك ولا تبخسون ولا تنقصون وتمنعون من تلك الرؤية أبدا، واضحة، لا يلحقكم نقص ولا يلحقكم غبن ولا يلحقكم شيء ولا ضرر، كما جاء بعض: لا تضارون، لا تضارون، يعني لا يلحقهم ضرر لأنها رؤية واضحة، خلاف الرؤية لذي لم تكن واضحة تضر الإنسان ضررا. طيب. وذكر رحمه الله تعالى أنها يجوز... حدث، أحد التأين، الأصل: تتضامون، لا تتضامون، لا تتضامون، لكن حذفت أحد التاءين، صارت: لا تضامون، تخفيفا. قالوا في حد... يسلم في هذا، الحديث على صلاة العصر وصلاة الفجر، لأنه قال: «فَصَلُّوا صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» هذه صلاة الفجر، «وَصَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا» وهي صلاة العصر، فافعلوا. نعم، يعني احرصوا على ذلك، يجتهدوا في ذلك، هذا حث منه عليه الصلاة والسلام على المحافظة على هاتين الصلاتين خاصة، وهما صلاة العصر وصلاة الفجر، وهما أفضل الصلوات، صلاة العصر وصلاة الفجر، الصلاة الوسطى العصر هي أفضل الصلوات على الصحيح، ومنهم من قال صلاة الفجر، لكن صلاة العصر حاضرة الصلوات، والصلاة الوسطى صلاة العصر، وسطى لأنها بين صلاتين نهاريتين وصلاتين ليليتين: المغرب والعشاء. وجاء عن أبي سلمة تصريح بأن الصلاة الوسطى: حين شغل عن صلاة العصر يوم الخندق، قال: «مَلَأَ اللهُ جُلُوفَهُمْ - أَوْ قُلُوبَهُمْ - وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى» صلاة العصر، في التصريح: بين صلاة الوسطى. صلاة الفجر تأتي في الأفضلية بعد صلاة العصر، نعم، لهذا الحديث ولغيره، وأيضا في القرآن: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾، ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾. طيب، صلاة الفجر، قراءة الفجر، وقرآن الفجر، قرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا، والله صلاة الفجر. طيب. قال رحمه الله تعالى: طيب، إشارة لمن حافظ عليهم في جماعتهم لهذا النعيم الكامل الذي يضمحل، يعني يزول بإزائه كل نعيم، ويجرع... تأكيد هاتين الصلاتين، كما دل على ذلك أحاديث أخرى: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ». قد يدل أيضا على فضل هاتين الصلاتين. قد تقدم معنا ما يتعلق بمباحث الرؤية: أدلة متواترة، وأدلة من الكتاب والسنة، ومن الإجماع، قد نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أن أهل السنة والجماعة يعتقدون ذلك، وهم مجمعون على ذلك، ونقلهم في منهاج السنة، وهكذا شيخ الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في عدد من كتبه، حادي الأرواح، قد ذكر كلاما حين نقل الإجماع. طيبا، نقرأه عليكم، قال رحمه الله تعالى لابن القيم في حادي الأرواح: «اتَّفَقَ عَلَى إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى تَتَابُعِ الْقُرُونِ، وَأَنْكَرَ أَهْلُ الْبِدَعِ الْمَارِقُونَ وَالْجَهْمِيَّةُ الْمُتَهَوِّكُونَ وَالْفَرْعُونِيَّةُ الْمُعَطِّلُونَ وَالْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ مُنْسَلِخُونَ، وَالرَّافِضِيَّةُ الَّذِينَ هُمْ بِحِبَالِ الشَّيْطَانِ مُتَمَسِّكُونَ وَمِنْ حَبْلِ اللهِ مُنْقَطِعُونَ، وَعَلَى مَثَابِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاكِفُونَ، وَلِلْسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا مُحَارِبُونَ، وَلِكُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ مُسَالِمُونَ، هَؤُلَاءِ مِنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ وَعَنْ بَابِهِ مَطْرُودُونَ». كلام جميل، نقل ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكره لإجماع أهل السنة على رؤية رب العالمين، والرد على المخالفين الذين ضلوا في هذا الباب، كما قال بعض السلف: من أنكر الرؤية فحري أن يمنع منها، حري أن يمنع منها لأنه جحد وأنكر. وذلك السلف كفر من أنكر الرؤية، وذلك لكثرة الأحاديث الواردة فيها والنصوص الكتاب، كما نقل عن الإمام أحمد حين سئل عن من ينكر رؤية رب العالمين، حكم عليه بالكفر، فمن ينكر رؤية رب العالمين كافر، والتكفير كما هو معلوم يتحقق بالشروط وانتفاء الموانع. طيب، يقول: قَالَ الشَّيْخُ الْإِسْلَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ، فَإِنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ». قال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ» إلى آخره، لما كان ما ذكره المؤلف من الأحاديث ليس هو كل ما ورد في باب الصفات من الأخبار، نبه على أن أمثال هذه الأحاديث التي ذكرها مما يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن حكمه كذلك، وهو وجوب الإيمان بما يتضمنه من أسماء الله وصفاته. ثم عاد فأكد معتقد أهل السنة والجماعة، وهو أنهم يؤمنون بما وردت به السنة الصحيحة من الصفات كإيمانهم بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ثم أخبر عن أهل السنة والجماعة لأنهم وسط بين فرق الضلال والزيغ من هذه الأمة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم السابقة، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾، وَمَعْنَى وَسَطًا: عُدُولًا خِيَارًا، كما ورد الحديث بذلك. فهذه الأمة وسط بين الأمم التي جنت إلى الغلو، إلى غلو الضار، والأمم التي جنحت إلى تفريط المخلوق. فإن من الأمم من غلا في المخلوقين وجعل لهم من صفات الخالق وحقوقه ما جعل، كالنصارى الذين غلوا في المسيح والرهبان، ومنهم من جفى الأنبياء وأتبعهم حتى قتلهم ورد دعوتهم، كليهود الذين قالوا... زكريا ويحيى، قتلوا... كاليهود الذين قتلوا زكريا ويحيى وحاولوا قتل المسيح ورموا بالبهتان. وأما هذه الأمة فقد عاملت كل رسول أرسله الله واعتقدت رسالتهم وعرفت لهم مقامتهم الرفيعة التي فضلهم الله بها. ومن الأمم أيضا من استحلت كل خبيث وطيب، ومنها من حرم طيبات، غلو ومجاوزة، جاوز... نعم ومجاوزة. وأما هذه الأمة فقد أحل الله لها الطيبات وحرم عليها الخبائث، إلى غير ذلك من الأمور التي من الله على هذه الأمة الكاملة، على هذه الأمة الكاملة بالوساطة فيها. فكذلك أهل السنة والجماعة متوسطون بين فرق الأمة المجاوزة المبتدعة التي حرفت عن الصراط المستقيم، استنزل الله خيرا. ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما جاء في الرؤية، في الرؤية، أشار إلى أنه لم يستقص أو لم يستقص كل ما جاء في السنة من النصوص الواردة في إثبات الصفات لله عز وجل، ولذلك قال: «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ»، نعم، التي يخبر فيها صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، ومعنى أن الأحاديث كثيرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الصفات لم يستوعبها هو رحمه الله، ولكن أشار إلى بعضها بما استحضره، بما استحضره، لأن هذه الرسالة نعم، قيل أنها كتبت ما بين العصر وفترة قصيرة، وكل استحضار هذا ما جاء للشيخ الإسلام ابن تيمية يكتب، نعم، يوم أو بعض الأيام، لا، هذا كل استحضار، أخذ القلم وصار يكتب ومعه يسرد شيئا كثيرا من الآيات والأحاديث، وعلم أنه لم يستوعب ذلك، أنه لا يستطيع أن يستوعب ذلك، «إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ» يعني يجب الإيمان بها، وأن معتقد أهل السنة والجماعة يؤمن بكل ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وكل ما ثبت في الكتاب والسنة من أخبار فيها إثبات الصفات لرب العالمين جل وعلا يجب الإيمان بها، ويجب كذلك إثبات هذه الصفات كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، فأهل السنة يؤمن بذلك، لكن من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهذا تقدم معنا للرد على من حرف، والرد على من عطل، ومن كيف، ومن مثل، فهناك من أثبت لكن بتكييف وتمثيل، وهناك من نزه ولكن بالتحريف والتعطيل. طيب. وهناك كتب ألفت في ذكر الكثير من الصفات الواردة في سنة نبينا، ومنها ومن أجمعها كتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله، كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب، كتاب عظيم من أعظم الكتب المؤلفة في هذا الباب، من أعظم الكتب التي ألفت في هذا الباب كتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله. هناك كتاب الأربعين في صفات رب العالمين للهروي، وغير ذلك، هذه كتب... الأسماء والصفات للبيهقي، وإن كان رحمه الله تعالى وقع في تأويل الصفات الفعلية. نعم. قال: طيب، «بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ»، يعني أن السنة والجماعة هذا وسط بين فرق الغلو والتفريط، وهذه هي وسط بين فرق الأمم، وكذلك جعلناكم بين الأمم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، فهي وسط بين الأمم لأن هناك من الأمم من غلت، هناك من الأمم من فرطت وجفت، وهذه الأمة خير الأمم، أكرمها الله جل وعلا بأن جعلها وسطا، ومعنى وسطا: أي عدلا خيارا، عدلا خيارا، فهم وسط بمعنى عدول وخيار، زكاهم الله جل وعلا وأثنى عليهم لأنهم تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وذكر رحمه الله تعالى الشيخ... بعض ما توسطت به هذه الأمة، منها أنهم أولا... قبل هذا ما توسطوا... السنة غيرهم من الفرق، الفرق كانت على الحق، طيب، فيما يتعلق بالاعتقاد بالله عز وجل في باب الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فهم وسط بين المعطلة والممثلة، لأنهم أثبتوا من غير تمثيل، ونزهوا من غير تعطيل، فهم وسط. والأمة هكذا وسط. وذكر من وسطية هذه الأمة الأمة ما يتعلق بحق الخالق جل وعلا، فهذه الأمة أثبتت للخالق جل وعلا ما أثبته لنفسه سبحانه وتعالى، ولم تغلو ولم تجف، وأعطت المخلوق ما جعله الله جل وعلا للمخلوق من الصفات، بخلاف النصارى غلوا في المخلوقين، غلوا في الأنبياء، واليهود جفوا الأنبياء، نعم، وهذه الأمة وسط، لم تغلوا في الأنبياء كما غلت النصارى في عيسى، وهكذا غلت اليهود في عزير، لم تغلوا ولم تجف جفاء اليهود في الأنبياء لأنها قتلت الأنبياء: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾، قتلوا الأنبياء، وأيضا أرادوا قتل عيسى عليه السلام واتهموه بأنه ولد زنا. وهذه الأمة أعطت الأنبياء حقها الذي جعله الله جل وعلا لها، فصدقت جميع الأنبياء، خلاف الأمة السابقة كذبت جميع الأنبياء، كذبت جميع الأنبياء، قد يقول قائل: كيف كذبت جميع الأنبياء والنصارى ما كذبوا عيسى واليهود ما كذبوا موسى؟ يقول: كذب جميع الأنبياء لأن التكذيب بنبي تكذيب لجميع الأنبياء، ولذلك قال جل وعلا: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ﴾، ﴿ كَذَّبَتْ قَو