الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل تعريف الحمد والثناء والشكر، حيث يوضح أن الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري، والفرق بين الحمد والشكر والمدح. كما يبين أن الشكر يكون على النعمة خاصة ويمكن أن يكون بالقلب واللسان والجوارح.
هذا الفصل يشرح الفرق بين الحمد والشكر والمدح، حيث يكون الحمد بالقلب واللسان والجوارح، والشكر على النعمة خاصة، والمدح إخبارا مجردا عن المحاسن. كما يوضح معنى الحمد لله واستغراقه لجميع أنواع المحامد.
يفصل هذا الفصل معنى الحمد لله وكيف يستغرق جميع أنواع المحامد، المحققة والمقدرة، ويبين أن الحمد الكامل والمطلق ثابت لله وحده. كما يوضح أن المخلوق قد يكون محمودا من وجه ومذموما من وجه آخر.
يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء إلى آله وصحبه أجمعين، مشيرا إلى أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبرك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكر الشارح هنا تعريف الحمد عند قول شيخ الإسلام الحمد لله. قال: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، نعمة كان أو غيرها. يقال: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على شجاعته. وأما الشكر فعلى النعمة خاصة، ويكون بالقلب واللسان والجوارح. قال الشاعر: فأدكم النعماء مني ثلاثة، يدي ولساني والضمير المحجبة. وهذا التعريف كثير من أهل العلم يقولون: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري. إلا أن بعض العلماء انتقدوا هذا التعريف لأنه يخالف ما جاء في النص عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الحديث القدسي، قال الله جل وعلا: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فذكر في هذا الحديث: إذا قال الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي. معناه: الثناء تكرير المحامد، ليس هو حمدا واحدا. فالثناء يطلق على تكرار المحامد. إذا كرر المحامد فهو ثناء، لكن الحمد الواحد ليس ثناء. فالحمد ليس هو الثناء، وإنما الثناء هو تكرار المحامد. فيقال: الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم، كما عرفه ابن القيم في الوابل الصيب وغيره. وفي البدائع كذلك: الحمد ذكر محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم. إذا كرر فهو الثناء. قال: الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري. الجميل الاختياري المراد به المكتسب، لأن الجميل على نوعين: خلقي وجبلي، وجميل كسبي يكتسب. في حديث الأشج بن عبد القيس في الصحيحين، قال: إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة. قال: أشج، يا رسول الله، أخلقت بهما أم جبلك الله عليهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما. فمن الخلق ما يكتسب، وتخلق به العبد ويكتسبه. ومن الأخلاق ما يجبل عليه الناس، من جبل على الحلم، فهو حليم جبلة. وآخر يكتسب الحلم، فيتحلم ويصير حليما. إنما الحلم بالتحلم، صار حليما. فعندنا أخلاق جبلية وأخلاق مكتسبة. الجميل الاختياري هو الجميل المكتسب، ليس الجميل الخلقي الجبلي. فالجميل المكتسب هو الذي يحمد عليه. فيحمد الرجل على شجاعته، لأن الخلق مكتسب. يحمد على إكرامه، على إنعامه، على حلمه. فالأخلاق المكتسبة يحمد الشخص عليها. وأما الشكر فعلى النعمة خاصة. الشكر يكون على النعمة من أسدى إليك معروفا، تشكره على ذلك. لا تحمده وإنما تشكره. الحمد إنما يكون على الجميل الاختياري. وأما أسدى النعمة، هذا ليس من الجميل الاختياري، فيشكر عليها. والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح. تشكره بالقلب بما تكون له من محبة. وهذا الشكر تحبه لما أسدى إليك معروفا. فهذا من الشكر باللسان، تتحدث: جزاك الله خيرا. هذا الشكر. شكرا، لا شيئا فيها. وعنصر يقول: لا تقول شكرا، قل: جزاك الله خيرا. شكرا كذلك، دفع لشخص ليك معروفا، قل له: شكرا. هذا شيء شرعي. لا يشكر الله من لا يشكر الناس. اعملوا آل داود شكرا. وقليل من عبادي الشكر. إذن يكون بالقلب واللسان والجوارح. الجوارح كذلك، يعني مثلا بالقلب، مثلا باليد، ترفع يدك تشكره فيها، إلى آخر ذلك. فالشكر يكون بالقلب واللسان وبالجوارح. قال: لفدتكم النعمة ومني ثلاثة: يدي ولساني والضمير المحجبة. اليد واللسان والضمير المحجبة المراد به القلب، كما في قول القائل. وأيضا على الغالب يكون الشكر بالقلب واللسان والجوارح، لأن الحمد كذلك لا يكون باللسان فقط، قد يكون بالقلب. تحمده بقلبك لما يكون بقلبك له المحبة وثناء. قال: وعلى هذا فبين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه. يجتمعان في الثناء باللسان على النعمة. الحمد يجتمع مع الشكر في الثناء باللسان، لأن الحمد ثناء باللسان، والشكر ثناء باللسان كذلك. فيجتمع الحمد والشكر في الثناء باللسان على النعمة. وينفرد الحمد في الثناء باللسان على ما ليس بنعمة، من الجميل الاختياري. الحمد يكون على الجميل الاختياري، وعلى النعمة. وينفرد الشكر بالثناء بالقلب والجوارح على خصوص النعمة. فالحمد عمه متعلقا، وأخص آلة. والشكر أخص متعلقا، وأعم آلة. الحمد عمه متعلقا لأنه يتعلق بالجميل الاختياري، وبالنعمة. والشكر أخص متعلقا لأنه يتعلق بالنعمة خاصة. قال: وأما الفرق بين الحمد والمدح، فقد قال ابن القيم: الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه. فلابد فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح، فإنه إخبار مجرد. فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع المحبة والتعظيم. وأما المدح، فهو إخبار مجرد. تقول: هذا الجبل عظيم. هذا الجبل ماذا؟ عظيم. الآن أنت ماذا؟ مدحت الجبل. صح؟ هذا فرق من الفروق بين الحمد والمدح. أن الحمد إخبار معه مقترن بمحبة. وأما المدح، فهو إخبار مجرد، لا يلزم معه المحبة. لأنك قد تمدح الرجل وهو كافر. تمدحه مثلا لشجاعته أو كذا إلى آخر ذلك. قال: ولذلك كان المدح أوسع تناولا. المدح أوسع تناولا لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضا. تمدح الرجل، تمدح الميت، تمدح الجماد، تمدح الجبل. نعم، تمدح الجواهر النفيسة، تمدح المال إلى آخر ذلك. فالحمد لا يكون للجبل. الحمد لا يكون للجواهر. إنما يكون المدح. وإنما الحمد يكون للحي الذي تحبه وتحمده بصفاته الاختيارية من أخلاق طيبة وغير ذلك. قال: ألف الحمد للاستغراق. قال شارحون رحمه الله تعالى: وألف الحمد للاستغراق ليتناول كل أفراد الحمد المحقق والمقدرة. وقيل: للجنس. فمعناه أن الحمد الكامل ثابت لله. وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمده عليه من صفات كماله ونعوت جماله. إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق. ولكن غايته أن يكون محمودا من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد، إلا من استولى على صفات الكمال جميعا. قال: وأل هنا لاستغراق. ضابطها أن يحل محلها كل. هذا ضابط أل الاستغراقية. تجعل محلها كل. تكون الاستغراق. ومعنى كل المحامد. ففي الحمد الاستغراق يتناول كل أفراد الحمد المحققة والمقدرة. المحققة أي المعلومة التي علمناها. والمقدرة غير معلومة. في حديث النبي عليه السلام: لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. هذه محامد مقدرة لم تعلم. وفي حديث الشفاعة قال الله عليه السلام: فيفتح الله علي بمحامد لا استحضرها الآن. لا استحضرها الآن. يعني في العبد لم يعلم كل المحامد الثابتة لله وأنواع المحامد كلها لم تعلم. فإذا المحامد أنواع كثيرة، منها ما علم في الكتاب أو السنة، وهي المحقق. ومنها ما لم يعلم. فأنت لما تقول: الحمد لله. يعني كل المحامد ما علمت وما لم تعلم. لمن لله؟ قال: وقيل للجنس. يعني أن الحمد الكامل. طيب في الاستغراق للأنواع. وفي الجنس أهل. إذا كانت للجنس في ماذا؟ في الكامل. يعني أن الحمد الكامل إنما هو لمن لله. والحمد المطلق لما تقول: الحمد لله. أي للاستغراق كل أنواع الحمد. إذا قلنا للجنس معناه ماذا؟ الحمد الكامل. الحمد المطلق لمن لله. هذا معناه. هناك الاستغراق في الأنواع والأفراد. وللجنس. لماذا؟ للإطلاق. الحمد الكامل. والحمد المطلق. وكله ثابت وصح. وهذا قال: ومعناه أن الحمد الكامل ثابت لله. وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمده عليه من صفات كماله. يحمد على ربوبيته، وولايته، وأسمائه وصفاته، وقضائه وقدره، وأفعاله. يحمد الله عز وجل على كل شيء. قال: إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق. الذي نعم هو معدوم من صفات الكمال، هل هو محمود؟ لا. فليس بمحمود على الإطلاق. إذن عندنا حمد. عندنا من وصف بصفات محمودة. نعم. وعندنا من لم يوصف بصفات محمودة. الذي لم يوصف بصفات محمودة ليس بمحمود. من وصف بصفات محمودة من وجه، وصفات مذمومة من وجه. هل هذا محمود على الإطلاق؟ لا. إذن محمود من وجه، غير محمود من وجه. من وصف بكل أنواع المحمود، محمود على الإطلاق. إذن يكون لمن؟ لله. لأنه هو الذي وصف بكل صفات الكمال. المخلوق نعم، هل هو ليس محمود على الإطلاق؟ لا. لماذا؟ لأنه محمود من وجه، مذموم من وجه. لذلك لا يحمد على الإطلاق. وأما من عدم أصلاً صفات الحمد، هذا ليس بمحمود على الإطلاق. هذا واضح. والعبارة هنا فيها خطأ. عبارة نقلها الشارح رحمه الله تعالى عن المقيم من كتاب المدارج. ولكن فيها خطأ. قال: عندي هنا في هذه النسخة تصويب الشيخ المعلق اسماعيل أنصاري رحمه الله تعالى. قال: عبارة ابن القيم في مدارج السالكين: وغايته أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون محمودا بكل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد، إلا من استولى على صفات الكمال جميعها. فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها. هذا نص عبارة ابن القيم. قد حصل في نقل المؤلف لها خلل ظاهر. فليتنبه لذلك. اسماعيل أنصاري. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.