شرح الورقات للجويني 11

الدرس في شرح الورقات للجويني 11، ألقاها

حمل المطلق على المقيد في الأوامر الشرعية وتطبيقاته

يناقش هذا الفصل كيفية حمل المطلق على المقيد في الأوامر الشرعية عند اتفاق الحكم، مع تقديم أمثلة من القرآن مثل الرقبة المقيدة بالإيمان والمطلقة في بعض الآيات. يوضح أيضًا الفرق بين حالة اتفاق الحكم واختلافه.

تخصيص النصوص الشرعية وأنواعه

يتناول هذا الفصل تخصيص النصوص الشرعية، حيث يشرح كيفية تخصيص العموم في القرآن والسنة، ويقدم أمثلة على تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، مع مناقشة التعامل مع اختلاف الأسباب بين النصوص.

تخصيص العموم بالنص والقياس وآراء الفقهاء

يناقش هذا الفصل تخصيص العموم بالنص والقياس، حيث يقدم أمثلة على تخصيص العموم بالقياس مثل تحريم بيع العنب بالزبيب قياسًا على تحريم بيع التمر بالرطب، ويعرض آراء الفقهاء في جواز تخصيص النصوص بالقياس، مشيرًا إلى حكم القياس المنصوص عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد. من طرق التقييد التقييد بالصفة، والمراد بالصفة هنا ما هو أعم مما عند النحاة، فالصفة عند النحاة بمعنى النعت، وأما عند الأصوليين فهو يشمل النعت والبدل والإضافة، وهو المراد في هذا الموضع. فإذا جاء لفظ عام وقيد هذا اللفظ بصفة، سواء كانت نعتًا أو بدلًا أو إضافة، فإنها تفيد التخصيص. مثلا النعت التخصيص بالنعت، فقولك: أعطي الطلاب المجتهدين، فقولك: أعطي الطلاب، هذا عام لأن ألف الطلاب للاستغراق، فيفيد العموم، وقولك: المجتهدين، بهذا الوصف يخرج غير المجتهدين، فلا يعطون. وهكذا أيضًا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: في الغنم السائمة زكاة، فقوله: في الغنم، هذا عام لأن "أل" فيه للاستغراق وتفيد العموم، فيشمل كل الغنم أن فيها زكاة، فقوله: السائمة، بهذا الوصف يخرج غير السائمة، فليس فيها زكاة، فتكون الزكاة خاصة بالغنم السائمة. وهكذا أيضًا في البدل، كقول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقوله جل وعلا: ولله على الناس، على بمعنى يجب على الناس، الناس يدل على العموم، يسم جنس يدل على العموم، فيشمل كل الناس، فقوله بعد ذلك: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، هذا البدل يدل على التخصيص بأن وجوب الحج إنما يجب على من كان مستطيعًا، فيخرج بذلك غير المستطيع، فلا يجب عليه الحج. وذكر هنا مثالًا في تخصيص الرقبة التي أطلقت في بعض المواضع، وقيدت في بعضها بالإيمان، قال: الرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد. حمل المطلق على المقيد إذا اتفق في الحكم فإنه يحمل المطلق على المقيد، وإن اختلف في الحكم فلا يحمل المطلق على المقيد. مثال في اختلاف الحكم قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، هنا أمر الله عز وجل بغسل اليدين إلى المرفقين، وقال جل وعلا في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وأطلق اليد، فلم يقيدها إلى المرافق، فهل يحمل هنا المطلق على المقيد؟ نقول: اليد أطلقت في التيمم، وقيدت في الوضوء، فنحمل المطلق على المقيد، ونقول: تمسح اليد في التيمم إلى المرافق كما أنه قيدت بذلك في الوضوء؟ الجواب: لا، لماذا؟ لاختلاف الحكم، ففي الوضوء الحكم غسل، وفي التيمم الحكم مسح. ومثال اتفاق الحكم واتفاق السبب قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، وفي الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في الحج: ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بالقطع. قال بعض أهل العلم: هنا السبب واحد، وأطلق القطع في الحج، ولم يقيد بالقطع، وقيد قبل ذلك حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في المدينة، قال: فهنا يحمل المطلق على المقيد لأن الحكم واحد والسبب واحد، وهو عدم وجود النعل. ومثال اتفاق الحكم واختلاف السبب المثال ذكره المؤلف هنا، قال: كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، في كفارة القتل، قيدت الرقبة بالإيمان، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وأطلقت في كفارة اليمين وكفارة الظهار، فلم تقيد بالإيمان، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ هنا الجمهور من أهل العلم على أنه يحمل المطلق على المقيد، فتقيد الرقبة في الظهار وفي كفارة اليمين بالإيمان كما قيدت في كفارة القتل، لأن الحكم واحد، وهو عتق رقبة، وإن اختلف السبب. قال رحمه الله: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، وتخصيص النطق بالقياس. ونعني بالنطق قول الله عز وجل وقول النبي صلى الله عليه وسلم. تخصيص الكتاب بالكتاب، هذا لا خلاف فيه، لأن كلا الدليلين متواتر. مثال ذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، قوله جل على المطلقات للاستغراق، يشمل كل مطلقة، سواء كان مدخول بها أو غير مدخول بها، أنها إذا طلقت فإنها تتربص ثلاثة قرؤ. طيب جاء دليل آخر في القرآن يخصص هذا العموم بأن هناك من المطلقات من ليس عليها عدة، وهي غير المدخول بها، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، إذن المطلقة إذا كانت غير مدخول بها فليس عليها عدة. وتخصيص الكتاب بالسنة، يعني يكون اللفظ العام في القرآن في آية من كتاب الله، ويأتي التخصيص من السنة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. مثاله قول الله جل وعلا: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله جل وعلا: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، هذا عام يشمل كل ما خرج من الأرض من جميع الثمار، وهكذا أيضًا يشمل ما قل أو كثر، لأن "ما" اسم موصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم. لكن جاء التخصيص في السنة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، فهذا الحديث يخصص عموم هذه الآية بأن وجوب الزكاة من الخارج من الأرض إنما يكون فيما بلغ خمسة أوسق فما فوق. قال: وتخصيص السنة بالكتاب، تخصيص السنة بالكتاب يعني يأتي اللفظ العام في السنة، ويأتي تخصيصه في القرآن. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»، الحديث هذا الحديث عام، فيه الأمر بقتال الكفار حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا فرائض الإسلام، سواء دفعوا الجزية أم لم يدفعوا الجزية، سواء كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم. لكن جاء التخصيص في القرآن في قوله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، هذه الآية فيها أنه يكف القتال عن من دفع الجزية من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في الإسلام، إذا دفعوها وهم أذلة صاغرين، فإنه يكف عنهم، هذه الآية تخصص عموم هذا الحديث. قال: وتخصيص السنة بالسنة، يعني يأتي اللفظ العام في السنة، ويأتي تخصيصه في السنة. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فيما سقت السماء العشر»، هذا لفظ عام، "فيما" موصولة، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم، فيشمل القليل والكثير، يخرج منه العشر. وجاء في حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، وهذا الحديث يدل على أن وجوب الزكاة إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إنها ليس فيها زكاة، فيخص به عموم الحديث الأول. قال: وتخصيص النطق بالقياس، المقصود بالنطق قول الله وقول رسوله، كما بين بعد ذلك بقوله: ونعني بالنطق قول الله عز وجل وقول رسوله، يعني ما جاء في الكتاب أو السنة، آية أو حديث، فإنها تخص بالقياس. تخصيص النطق بالقياس، يعني أن يأتي اللفظ العام في الكتاب أو في السنة، ثم يخص بالقياس. مثاله ذكر بعضها العلماء. مثال في تخصيص القرآن بالقياس قول الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، حل الله البيع وحرم الربا. ومن أنواع البيوع المحرمة الربوية بيع المزابنة، بيع المزابنة وهو بيع التمر الجاف بالتمر الرطب، بيع التمر الجاف بالتمر الرطب، يعني بالرطب من التمر. النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ذلك قال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال: «فلا»، يعني هذا من الربا، سيختلف حينئذ الوزن. وهنا يجب تساوي بين التمر وبين الرطب، فقيس عليه ما يشابه هذه المسألة، وهو بيع الزبيب بالعنب، بيع الزبيب اليابس بالعنب الرطب، فبيع الزبيب بالعنب كذلك لا يجوز، لأن العنب إذا يبس اختلف الوزن، فيقاس منع ذلك وتحريمه بمنع بيع الرطب بالتمر، وبهذا القياس يخص به عموم الآية، وهو قول جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، هذا يشمل كل بيع، لكن هذا العموم يخص بالبيوع المحرمة، ومنها بيع العنب بالزبيب، قياسًا على بيع التمر بالرطب. وتخصيص الكتاب والسنة بالقياس فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم وأهل الأصول. منهم من قال: بأن الكتاب والسنة يخص بالقياس مطلقًا، أن الكتاب والسنة يخص بالقياس مطلقًا، لأن القياس دليل من أدلة الشرع التي يعمل بها ويستدل بها، فإنه يخص به عموم الكتاب والسنة. والقول الثاني: أنه لا يخص الكتاب والسنة بالقياس، قالوا: لأن القياس إنما يعمل به عند عدم وجود الدليل من الكتاب أو السنة، والعبرة عند وجود الدليل الشرعي هو العمل بنص الكتاب والسنة، ثم أن الكتاب والسنة هي كلام الله جل وعلا، وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يصح أن يترك كلام الله وكلام رسوله لأجل آراء واجتهادات المجتهدين. والقول الثالث: أنه ينظر في القياس، فإن كانت علته منصوصة، يعني نص عليها الشرع، فإنه يخص بها الكتاب والسنة، وإن كانت مستنبطة فإنه لا يخص بها الكتاب والسنة. وهذا القول أقرب الأقوال، إن كان القياس منصوص عليه فيخص به الكتاب والسنة، وإن كان علة مستنبطة غير منصوص عليها فهنا لا يخص الكتاب والسنة بها. قلنا: إن كانت العلة منصوص عليها، نص الشرع على العلة، فهذا يخص به الكتاب والسنة. وأما إن كانت العلة مستنبطة فلا يخص به الكتاب والسنة. مثلا نحن ذكرنا قياس تحريم بيع العنب بالزبيب، قياسًا على تحريم بيع التمر بالرطب، لعلة اختلاف الوزن، هذه علة منصوص عليها، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال: «فلا»، هنا الآن علة موجودة، وهي اختلاف الوزن وعدم تساوي. ومثلًا قياس النبيذ على الخمر لعلة الإسكار، الإسكار علة منصوص عليها، «كل مسكر خمر»، «كل مسكر خمر»، فالعلة منصوص عليها، فيجوز أن يقاس بقياس شيء على الخمر، ويخص به عموم الكتاب والسنة. وهذا القول قول وسط، يعني بينه القولين أولين، في قول وسط، في قول من منع ومن أجاز مطلقًا، فيقال: الجواز في القياس المنصوص عليه.

شاركنا على