الدرس في شرح الورقات للجويني 12، ألقاها
المجمل هو الكلام الذي يحتاج إلى بيان لتعيين المراد، مثل "وأقيموا الصلاة" و"وآتوا الزكاة". المجمل له معنى لكن يحتاج إلى تعيين وتوضيح من السنة.
الإجمال في العبادات مثل الصلاة والزكاة يهيئ النفوس لقبول البيان والتفاصيل اللاحقة، ويشير إلى أهمية التدرج في التشريع. العمل بالمجمل يتطلب التوقف حتى يتبين المراد.
النص هو الكلام الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وسمي بذلك لارتفاعه ووضوح معناه. النص واضح المعنى ومرتفع عن غيره من الكلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: المجمل والمبين. قال: والمجمل مفتقر إلى البيان، والبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدة. وقيل: ما تأويله تنزيله، وهو مشتق من منصة العروس، وهي الكرسي. هذا المبحث يتعلق بالمجمل والمبين. والمجمل حرفه بقوله: مفتقر إلى البيان، يعني محتاج إلى ما يبينه. وقال بعض الأصوليين: المجمل ما ليس له معنى، أو ما لا يعرف معناه. وهذا التعريف في الحقيقة ليس بصحيح، فالمجمل له معنى، لكن يحتاج إلى تعيينه إلى دليل آخر، حتى يتبين المعنى المراد من هذا المجمل. فمثلًا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا أمر بإقامة الصلاة، الصلاة معروفة المعنى، لكن كيفية إقامتها، وكيف تصلى، هذا يحتاج إلى بيان، فهو مجمل من حيث الكيفية. وهكذا أيضًا ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، إيتاء الزكاة بمعنى إخراج نصيب من المال، هذا شيء معلوم المعنى، لكن تحديد المقدار الذي يخرج، هذا مجمل يحتاج إلى بيان، جاء بيان ذلك في السنة. إذن، المجمل ما افتقر إلى غيره، أو ما احتاج إلى غيره لتعيين المراد، وليس المجمل ما ليس له معنى. ولهذا وقع كثير من الفقهاء في الخطأ في باب المجمل، لاعتقادهم أنه ليس له معنى، فذهبوا يأتون بمعاني من عندهم، فوقعوا في الخطأ. ولهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول: أكثر خطأ الفقهاء في المجمل والقياس. نعم، يأتي بمعنى من عنده فيقع في الخطأ، ويقيس مع وجود النصوص، ولم يطلع على النص فيقع في الخطأ. إذن، المجمل محتاج إلى غيره في تعيين المراد. فقال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، القرء يطلق ويراد به الطهر، ويراد به الحيض، فهو لفظ مشترك. فمن مراد بالقرء في هذه الآية؟ هذا يحتاج إلى غيره لتعيين المراد. فجاءت الأدلة في السنة تدل أن القرء يراد به هنا الحيض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في المستحاضة: «تجلس أيام أقرائها»، يعني أيام حيضها. وهكذا أيضًا جعل الله عز وجل في العدة بالنسبة لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، فجعل الأشهر بدلًا من الحيض، دل على أن القرء هنا ماذا يراد به الحيض. فحصل البيان بأدلة أخرى. قد يكون الإجمال كذلك في الكيفية، كقوله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، كيفية إقامتها هذا مجمل، جاء بيانه في السنة، بيانها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله وفعله، قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد يكون الإجمال في العدد، كما في الأمر بالزكاة ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ما هو المقدار؟ كم يخرج؟ ما هي الأصناف التي يخرج منها الزكاة؟ جاء بيانها في السنة. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر»، وقول: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، وما إلى ذلك. وكذلك أيضًا في الحديث الأول: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقيا بالنواضح نصف العشر»، فجاء بيان المقدار في السنة. وما فائدة المجمل؟ ما فائدة الإتيان بالمجمل ثم إتيان البيان والتوضيح بعده؟ قال علماء: من فائدة ذلك تهيئة النفوس لقبول البيان، تهيئة النفوس لقبول البيان. فيأتي اللفظ المجمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فتكون النفوس متهيئة لقبول البيان والتوضيح لهذا الإجمال، فلا يأتي التوضيح إلا وقد قبلته النفوس. كذلك أيضًا من فوائد الإجمال التدرج في التشريع، التدرج في التشريع حتى يبلغ إلى الكمال، فيبدأ أولًا بالإتيان بالأمر مجملًا، ثم يأتي بعد ذلك تفصيله وتوضيحه وتبينه، فيكون في ذلك تدرج في التشريع. أيضًا فيه امتحان للعباد، امتحان للعباد بالإتيان بالأمر مجملًا، ثم يأتي بعد ذلك بيانه وتفصيله، فهل يقومون بالعمل بما أجمل ووضح أم لا؟ إذا عندنا ثلاثة فوائد: الفائدة الأولى أن الاتيان بالإجمال تهيئة للنفوس للعمل به إذا أبين. والفائدة الثانية تدرج في التشريع. والفائدة الثالثة هو ماذا؟ امتحان العباد. قال: طيب، ما حكم العمل بالمجمل؟ الجواب: أن نتوقف في العمل به حتى يتبين المراد، ثم نعمل به. قال: والبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، البيان يعني توضيح المراد من اللفظ المجمل. وهل يشترط في البيان أن يسبقه إشكال أو لا يلزم أن يسبقه إشكال؟ منهم من قال: لا بد أن يسبقه إشكال. وعلى هذا ينطبق تعريف المؤلف للبيان. قال: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، يعني إخراج الشيء من موضع الإشكال والتردد: هل مراد به هذا أو هذا؟ إلى موضع البيان والوضوح. فعلى هذا التعريف يكون فيه ما دلالة على أن البيان لا بد أن يسبق بإشكال. وقول آخر: أن البيان لا يلزم أن يسبقه إشكال، فهناك من النصوص يعني ما هي واضحة بينة، ولم تسبق بإشكال. وهذا والصحيح: أنه لا يلزم من البيان أن يسبق بإشكال. ولهذا عرف بعضهم البيان بقوله: ما يعلم المراد منه بأصل الوضع أو بعد التبين. فقوله: ما يعلم المراد منه بأصل الوضع، هذه الأشياء البينة التي لم تسبق بإشكال، معنى السماء، معنى الأرض، معنى الجبال، معنى البحار، معنى الأنهار إلى آخر ذلك، هذه الأشياء واضحة بينة من أصل وضعها، ما سبقت بشيء من الإشكال، وهي بينة. سمى أو أعني ألفاظ بينة. وما سبق بإشكال يحصل به البيان بعد تبينه، وهو ما سبق بإجمال. طيب مثل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، هذا الآن فيه إجمال، حق ما هو؟ هذا الحق كم هو؟ جاء البيان في السنة: «فيما سقت السماء العشر»، «فيما سقيا بالنضح نصف العشر»، فحصل بذلك البيان، وأخرجنا هذا الإشكال، وأوضحنا وبيناه أن المراد به كذا وكذا. قال: والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. الكلام من حيث الوضوح اللفظ وعدمه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مجمل، ومبين، ونص. قلنا: المجمل محتاج إلى غيره في تعيين المراد. يعني مثلًا كلمة «عين»، عين هذه اللفظة مشتركة، تشمل العين الجارحة، العين الباصرة التي تبصر بها، وتشمل العين النابعة التي ينبع منها الماء، تشمل العين ماذا؟ عين الجاسوس. فلما تطلق هذا اللفظ يكون فيه إجمال يحتاج إلى بيان. فقد يعرف البيان من خلال سياق الكلام وسباقه، أو من خلال ماذا؟ جملة أخرى تبين المقصود بهذا اللفظ. لو قلت: رأيت عينًا، مثلًا يجري منها الماء، يقول: المعنى هنا عين الماء النابعة. وإذا قلت: رأيت عينًا، يعني مثلًا رأيت عينًا تستمع لكلام المتكلمين، مثلًا هنا معنى الجاسوس. وإذا قلت: رأيت عينًا ماذا؟ قوية في النظر، فهذا معنى العين الباصرة. والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أي لا يحتمل أكثر من معنى. تقول الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، هذا نص، ما يحتمل أقل من ذلك ولا أكثر من ذلك، لا تسعة ولا تسعة ونص، عشرة كاملة. يقال: هذا نص، ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، يقال: هذا نص في إفراد الله جل وعلا بالألوهية، وأنه واحد لا شريك له، فلا يحتمل قوله: إله واحد، اثنان أو ثلاثة، هو نص. طيب إذن النص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا. قال: وقيل: ما تأويله تنزيله، يعني قيل في تفسير النص: ما تأويله تنزيله، يعني ما تفسيره يحصل بمجرد النزول، مجرد نزول الكلام أو الآيات يفهم منه المراد. قال: وهو مشتق من منصة العروس، وهي الكرسي، الكرسي الذي توضع عليه العروس، سمي منصة لأنه يكون مرتفعًا، يكون ماذا؟ مرتفعًا. وهكذا النص سمي بذلك لارتفاعه ووضوح معناه، سمي نصًا. ومنه أخذت المنصة لارتفاعها وتكون ظاهرة، بحيث يراها من كان حاضرًا. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.