الدرس في شرح الورقات للجويني 2، ألقاها
يبدأ الدرس بتعريف أصول الفقه وبيان معاني الأصل والفرع في اللغة والاصطلاح، ويوضح معاني الفقه المختلفة.
يتناول المقطع تعريف الفقه وأنواع الأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة، ويشرح تقسيم الأحكام إلى سبعة أنواع.
يناقش المقطع تقسيم الأحكام الشرعية إلى تكليفية تتعلق بالطلب أو التخيير، ووضعية تتعلق بالأسباب والشروط وغيرها.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أن الحديث عن الأحكام التكليفية سيكون في الدرس القادم، ويختم بالصلاة على النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: تعريف أصول الفقه باعتبار جزئيه. قال: فالأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره، والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. قوله رحمه الله: الأصل ما ينبني عليه غيره، هذا التعريف تعريف لغوي؛ أن الأصل ما ينبني عليه غيره. فما يبنى عليه غيره فهو أصل، كالشجرة مثلا تنبني عليها الفروع، فالجذع أصل والفروع فرع. وبعضهم انتقد هذا التعريف، وذلك أنه يوجد أشياء يعني وأصول ولا تنبني على غيرها، يعني تبنى على غيرها ومع ذلك ليست بأصل. هناك أشياء تبنى على غيرها وليست بأصل، يعني مثلا السقف يبنى على الجدار وليس الجدار بأصل. هنا يقول: الأصل ما ينبني عليه غيره، وهنا السقف أو الجدار بني عليه السقف وليس الجدار بأصل. ليس الجدار بأصل، كذا أيضا الأصول للإنسان كآبائه وأجداده، هل ينبني عليهم الأبناء الذين هم فرع؟ الجواب: لا. إذن كان الأولى أن يقال في الأصل: هو أساس الشيء. الأصل أساس الشيء، فأصل البيت أساسه، أصل البيت أساسه الذي يبنى عليه البيت. وهذا المعنى أقرب. طيب أن الأصل هو أساس الشيء، والأصل له عدة معاني. الأصل له عدة معاني منها معنى الدليل، يطلق الأصل ويراد به الدليل. يقال مثلا: الأصل في وجوب الصيام قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾. الأصل مثلا في وجوب الأحكام: الكتاب والسنة، يعني أدلة الكتاب والسنة. طيب ويطلق الأصل كذلك على القاعدة المستمرة، كقولهم مثلا: الأصل بقاء ما كان على ما كان. هذا أصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شك إنسان مثلا في طهارة ومتيقن للطهارة، ثم شك: الأصل بقاء الطهارة. الأصل بقاء الطهارة. ويطلق الأصل كذلك ويستعمل في باب القياس الذي هو المقيس عليه أحد أركان القياس، يقال: القياس لابد فيه من أصل وفرع وعلة وحكم. هذا الأصل هو المقيس عليه، كقياس النبيذ مثلا على الخمر في حكم التحريم لعلة الإسكار. فالأصل الذي هو الخمر قال له: أصل. فهذه معاني تطلق على الأصل. قال: والفرع ما يبنى على غيره. الفرع ما يبنى على غيره، وهذا أيضا تعريف لغوي لألفروع. وذكر الفرع هنا في مقابلة الأصل. وقوله: ما يبنى على غيره، هذا أيضا فيه نفس الإشكال الذي ذكر في الكلام على الأصل. طيب السقف مثلا يبنى على الجدار ولا يقال للسقف أنه فرع للجدار، لكن هذا الذي جرى عليه أهل الأصول في ذكرهم للفرع. قال: والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. الفقه في اللغة بمعنى الفهم، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، وقوله: ﴿يفقه قولي﴾ يعني يفهم. قال: وهنا عرف الفقه في الاصطلاح، فقال: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. معرفة الأحكام الشرعية. قوله: معرفة، قال بعض أهل العلم: عرف الفقه بأنه معرفة الأحكام، قالوا: لأنه توجد من الأحكام أو أن كثيرا من أحكام الفقه ظنية وليست يقينية. وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام رحمه الله وغيره انتقدوا ذلك، وقالوا: بل الفقه العلم بالأحكام، وأن الأحكام الشرعية التي يحتاج لها الناس ولا يستغني عنها الخلق فهي يقينية، وإنما الخلاف في بعض فروع المسائل. قال: وقوله: الأحكام الشرعية، يخرج بذلك الأحكام غير الشرعية كالعقلية والأحكام العادية. العقلية مثلا أن الكل أكبر من الجزء، هذا حكم عقلي ليس هذا بفقه. أو الأحكام العادية كالصعود إلى السطح بسلم، هذا حكم عادي ليس معرفته من الفقه، بل الفقه متعلق بالأحكام الشرعية التي تأخذ من الشرع من الكتاب ومن السنة. قال: التي طريقها الاجتهاد. وقوله هنا: التي طريقها الاجتهاد، كأنه يريد المسائل الظنية التي تأخذ بالنظر في الأدلة ويحصل فيها الاجتهاد في الوصول إلى أحكامها. وعلى هذا التعريف لا تدخل في ذلك الصلاة؛ لأن الصلاة قطعية الثبوت والحكم، كذلك الصيام والحج. ومع ذلك فقد جرى عمل العلماء على إدخال هذه الأحكام في الفقه: الصلاة والصيام والحج وغيرها. لكن قوله: التي طريقها الاجتهاد، كأنه يخرج هذه الأحكام. لكن مراده يعني ما يتوصل به عن طريق الاجتهاد والنظر في الأدلة، سواء كانت قطعية أو كانت ظنية. والفقه قد يطلق ويراد به الأحكام الشرعية كلها، سواء كانت عقدية أو كانت عملية. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾، يتفقهوا يعني يتعلموا أحكام الشريعة سواء كان في باب العبادات أو المعاملات أو في باب التوحيد والاعتقاد. وقد يطلق الفقه ويراد به المسائل التي يتوصل بها عن طريق النظر في الأدلة والاجتهاد فيها، وهي المسائل الظنية. وهذا مراد المؤلف على حسب تعريفه بهذا التعريف؛ أنه يريد بالفقه في هذا التعريف المسائل الظنية التي يتوصل بها عن طريق النظر في الأدلة والاجتهاد في الوقوف عليها. ويطلق أيضا الفقه على الأمور العملية دون الأمور الاعتقادية، وهذا أيضا يعني كثيرا ما يستعمله الفقهاء عندما يذكرون الفقه في استصلاحهم الخاص، يريدون به الأمور العملية دون العقدية، يعني ما يتعلق بالأعمال من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها، ولا يريدون أمور الاعتقاد. إذن عندنا الآن ثلاث معاني للفقه: معنى عام فيشمل كل أحكام الشريعة، ويطلق ويراد به الأحكام العملية دون العلمية والاعتقادية، ومعنى ثالث وهو المسائل الظنية دون القطعية. قال: أنواع الأحكام الشرعية. قال: والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. الأحكام جمع حكم، والحكم في اللغة بمعنى المنع. قال القائل: «أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب»، أحكموا سفهاءكم يعني امنعوهم من السفه. ومنه الحكمة التي توضع في لجام الدابة تمنعها من الأكل، سميت حكمة لأنها تمنعها. والحكم في الاصطلاح العام: إثبات أمر لآخر أو نفيه عنه. إثبات أمر لآخر أو نفيه عنه، عندما تقول: فلان طويل وفلان قصير، أو فلان صادق وفلان أمين، هنا الآن حكمت عليه بالإثبات، إثبات هذا الأمر له. وإذا قلت: فلان ليس بكاذب وليس بخائن، فهنا حكمت عليه بالنفي، نفيت عنه هذا الحكم. أما في اصطلاح الأصول، فالحكم هو: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع. خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع. فقولنا: خطاب الشرع، يدل أنه لا بد في الحكم أن يكون خطابا وأن يكون كلاما، فعندنا مخاطب وعندنا مخاطب، وهذا الخطاب من جهة الشرع، أي الكتاب أو السنة. فالخطاب إما يعني آية من كتاب الله أو حديث من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقولنا: خطاب الشرع، خرج به خطاب غيره، يخرج فيه خطابات الناس، خطاب الإنس للإنس وخطاب الإنس للجني، هذا ليس بحكم، إنما الحكم هو خطاب الشرع. وقولنا: المتعلق بأفعال المكلفين، أن الأحكام تتعلق بالأفعال، لا تكون متعلقة بالذوات. لك بعض هذا المثال، قال: لو قال قائل: ما حكم اللاقط أو ما حكم مكبر الصوت؟ هذا الآن هو عبارة عن شيء ذات لا يتعلق به حكم، هذه ذات لا يتعلق بها حكم. لكن الحكم يتعلق بفعل المكلف، فيقال: ما حكم استماع الصوت من خلال المكبر؟ طيب ما حكم استماع الصوت من خلال المكبر؟ فيكون الحكم هنا يتعلق بالفعل، يتعلق بفعل المكلف وليس بالذوات. الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: أحكام تكليفية وأحكام وضعية. الأحكام التكليفية هي التي يتعلق بها الطلب أو التخيير، المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير، هذا هو القسم الأول من الأحكام الشرعية، وهو الأحكام التكليفية. والقسم الثاني وهو الأحكام الوضعية، وهي المراد في قولنا: أو وضع، وهي الأحكام التي جعلها الله سبحانه وتعالى متعلقة ومنوطة بشيء من الأسباب والشروط، إذا وجدت هذه الأحكام وإذا انتفت انتفت هذه الأحكام. مثلا من الأحكام الوضعية الأسباب، فصلاة الظهر مثلا سببها زوال الشمس، سببها زوال الشمس، أقم الصلاة لدلوك الشمس، يعني إذا زالت فزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، هذا حكم وضعي. طيب كذلك أيضا المانع، لو أن المرأة حاضت امتنعت عن الصلاة، فمنعها من الصلاة بسبب الحيض، هذا حكم وضعي. قال: والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. ما هي؟ هل سأتي الآن هو الآن ذكر الأحكام سبعة، وذكر الأحكام التكليفية ووضعية. ذكر أحكام تكليفية ووضعية، وهل ينتقد في ذلك؟ بعضهم ربما ينتقده بأنه ذكر الأحكام التكليفية وذكر معها الصحيح والباطل، وهي من الأحكام الوضعية. وليس عليه انتقاد في ذلك؛ لأنه قال: والأحكام سبعة، ولم يقل: والأحكام التكليفية سبعة. إذن لا انتقاد عليه، وهو الآن جمع بين الأحكام التكليفية وبين الأحكام الوضعية، فذكر من التكليفية: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه، هذه خمسة أحكام تكليفية عرفت بالاستقراء. عرفت بالاستقراء أن الأحكام التكليفية تنقسم إلى هذه الأقسام الخمسة. وبعضهم زاد حكمين كالحنفية، زادوا حكمين في الأحكام التكليفية، وهو الفرض والمكروه المحرم. قالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، فرقوا بين الواجب وبين الفرض. وهكذا أيضا في المكروه جعلوا المكروه المكروه أو التحريم، نعم المحظور والمحرم قسموا إلى قسمين: محرم بدليل قطعي، والمكروه تحريما وهو ما ثبت بدليل ظني. لكن الجمهور على خلاف ذلك، الجمهور لم يفرقوا بين الواجب والفرض، طيب فكلاهما عند الجمهور سواء، وهذا هو الصحيح. إذن تكون الأحكام التكليفية خمسة. وذكر من الأحكام الوضعية: الصحيح والباطل. وكأنه ذكر هذين القسمين فقط على سبيل المثال أو الاختصار، وإلا فالأحكام الوضعية كثيرة، يعني منها السبب الصحيح والباطل، والسبب والشرط والمانع والقضاء والأداء إلى آخره. ربما تمر معكم في كتب أكبر من هذا، لكن اقتصر على ذكر هذين النوعين من الأحكام الوضعية، وهو الصحيح والباطل. لكن من الأحكام الوضعية كما ذكرنا ما هو غير ذلك، كما ذكرنا في السبب مثلا، المانع مثلا، كذلك الشروط، شروط الصلاة مثلا، هذه أحكام وضعية. كذلك العلة، العلة من الأحكام الوضعية، العلل يعني مثلا لماذا يقتل الرجل ومتى يقتل الرجل قصاصا؟ إذا قتل عمدا عدوانا، هذه علة القصاص، القتل العمد العدوان علة القصاص، هذا حكم وضعي. كيف هذه كلها من الأحكام الوضعية؟ ثم ذكر بعد ذلك الكلام على الأحكام التكليفية، هذا نتركه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.