الدرس في شرح الأصول الثلاثة 28، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول مرتبة الإحسان كجزء من مراتب الدين الثلاث، مشيراً إلى تعريفها وأدلتها الشرعية. يُعرّف الإحسان بأنه عبادة الله كأنك تراه.
يشرح المقطع الثاني تعريف الإحسان ويفصله إلى مرتبتين: إحسان مع الله بإستحضار رؤيته، وإحسان مع الناس ببذل الخير وكف الأذى. يُبرز أهمية كلتا المرتبتين في تحقيق الإحسان الكامل.
يناقش المقطع الثالث مراتب ودرجات الإحسان، مشيراً إلى القدر الواجب منه وهو إتقان الظاهر والباطن، والقدر المستحب الذي يتمثل في عبادة الله بإستشعار مراقبته.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكداً أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله مع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره لمراتب الدين. ومر معنا ما يتعلق بالمرتبة الأولى وهي الإسلام، فذكر ما يتعلق بأركانها الخمس، ثم أفاض رحمه الله تعالى في شرح كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ومعنى محمد رسول الله، ثم عرج على بقية الأركان وأشار إلى الأدلة الدالة على ركنيتها. ثم كان الكلام عن المرتبة الثانية وهي الإيمان، فبينا رحمه الله تعالى الأركان الستة التي يقوم عليها أو تقوم عليها هذه المرتبة، وذكر الأدلة الدالة عليها. ثم قال رحمه الله تعالى: المرتبة الثالثة إذن المرتبة الثالثة باعتبارها المرتبة الثالثة من مراتب الدين، قال: الإحسان ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والدليل قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم﴾، وقوله تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا إذ تفيضون فيه﴾. هذه خلاصة ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عن هذه المرتبة الثالثة وهي الإحسان. والمؤلف رحمه الله تعالى امتثل الترتيب المشهور، وهو أن مراتب الدين تقوم على هذا الترتيب الموجود: الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. وهذه عن الرواية المشهورة، وإلا فإن في بعض الروايات الاختلاف في ترتيب هذه المراتب. وسأتي بإذن الله الدليل على أن هذا الترتيب شرعي، وأن المؤلف رحمه الله تعالى إنما تقيد بالشرع. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: المرتبة الثالثة الإحسان ركن واحد، أي هذه المرتبة مكونة من ركن واحد. وهنا إضاحة للمسألة، وهو أن المؤلف رحمه الله تعالى عندما في أول رسالة قال: وهو ثلاث مراتب، وكل مرتبة لها أركان، كل مرتبة لها أركان. قوله رحمه الله تعالى: أن مراتب الدين متكونة من أركان، هذا يصدق على مرتبة الإسلام، هي صحيح تتكون من خمسة أركان، ويصدق كذلك على مرتبة الإيمان، فهي كذلك تقوم على ستة أركان. لكن الإشكال هنا: الإحسان ما له إلا ركن واحد، فكيف المؤلف رحمه الله تعالى قال: وكل مرتبة لها أركان. ورأى أركانًا وجمع، فيقول علماء: هذا يخرج من المؤلف رحمه الله تعالى مخرج التغليب. مخرج التغليب هذا الذي يحمل على هذا، وإلا فإن الإحسان ما هو إلا ركن واحد بالدلالة النص، وهو الذي قال بهذا. رحمه الله تعالى قال: إحسان ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. المؤلف رحمه الله تعالى اكتفى بتعريف الشرع، بتعريف الشرع، وهو تعريف نبوي. وسيأتينا أن هذا من تعريف نبينا عليه الصلاة والسلام. ويقول العلماء في تعريف الإحسان: قال: الإحسان ما أُخذ من الحسن، ما أُخذ من الحسن، وهو بمعنى الإتقان والإيجادة، بمعنى الإتقان والإيجادة. هذا معنى الحسن: الإتقان والإيجادة. وشرعًا هو إتقان الظاهر والباطن، اصطلاحًا. معنى الإحسان هو إتقان الظاهر والباطن. ويعرفه بعض العلماء بأنه نهاية الإخلاص. فقول من يقول بأن الإحسان هو إتقان الظاهر والباطن، أي أنك يا عبد الله في باطنك ينبغي أن تصل إلى درجة التمام والكمال، وهكذا يقول في الظاهر. ولو ترون الترابط العظيم والترابط العجيب بين مراتب الدين، فعندنا مرتبة الإسلام، وتلاحظون أن مرتبة الإسلام اعتناءً عظيمًا بالعمل الظاهر، بالشهادة ما يكون فيها من التلفظ، وما يتعلق بإقامة الصلاة، عمل الظاهر، إيتاء الزكاة عمل الظاهر، الحج عمل الظاهر، الصوم عمل الظاهر. فالإسلام فيه تربية للمؤمن إلى انقياد الظاهر لله جل وعلا. ثم تأتي مرتبة الإيمان، والإيمان تتعلق بالعقيدة، تتعلق بالأعمال القلبية، أنك تؤمن بالله بوجوده، ربوبيته، ألوهيته، تؤمن بالملائكة، بالرسل، بالكتب، باليوم الآخر. فتأتي مسألة الإيمان تطهر القلب من الأدران، من الشرك، من الاعتقادات الوثنية، وتصفيها الاعتقاد الصحيح السليم. فإذا كنت يا عبد الله، فإذا اجتمع عندك العناية بالظاهر، وذلك بالاهتمام بالإسلام عملًا، وأيضًا عندك الاهتمام بالباطن، وذلك الاهتمام بمسائل الإيمان. فخط في غمار، وجعلت القلب ماذا يكون على صراط المستقيم، فيكتمع عندك إتقان الظاهر وإتقان الباطن، هنا يظهر لك اسم الإحسان. فالإحسان عباد الله هو إتقان الظاهر وإتقان الباطن، كما عرف العلماء ذلك. ولهذا يعرف العلماء بأنه نهاية الإخلاص. ويقول علماء: في مسألة أن ما جاء في السنة من قوله عليه الصلاة والسلام: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»، قال علماء: ينبغي أن يعلم أن الإحسان على ضوء الكتاب والسنة جاء في الشرع على معنيين: إحسان مع الله، وإحسان مع عباد الله. وهذا التقسيم لا بد منه، لأن هناك أوامر أمر فيها الشرع أمر فيها الشرع من المسلم أن يكون محسنا مع عباد الله، وهناك آيات أمر فيها العبد مع الإحسان مع الله ومع دين الله جل وعلا. فموطن إحسان هناك ليس كموطن الإحسان هاهنا. ولهذا فرق العلماء بين الإحسان من حيث الوضع، فعند الإحسان مع الله هذا له تعريفه، وعندي إحسان مع عباد الله هذا تعريف آخر. فالذي بين أيدينا وهو قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا الإحسان مع الله. الإحسان مع الله جل في علا أن تكون على هذه الحالة وهذه الهيئة. أما الإحسان مع العباد، الإحسان مع الناس، وما يسمى بالمعاملة، يكون بتعريف آخر، وهو الذي سمه العلماء تعريفه ضابطه: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. هذا هو الإحسان مع الناس. لو جاءت الأدلة التي تدل على أنك ينبغي أن تعاشر الناس بالإحسان، فعليك أن تتعاهد هذه المفردات الثلاث: بذل الندى، معنى الندى الخير والنفع، فينبغي من صفتك يا عبد الله أن تكون محسنًا مع الناس، أن تكون باذلًا للخير بما أوتيت وبما تستطيع. لا تبخل عن الناس يا عبد الله بالمنفعة، سواء كان دينية أو دنيوية. فإن من صفات المحسنين مع الناس أنهم يبذلون بذل الندى. وأيضًا وكف الأذى، وهذا كذلك من الإحسان مع الناس، أن تكف شرك، أن تكف بلواك، وأن تكف أذيتك عن عباد الله جل وعلا. سواء كان باللسان أو كان باليد، وبغير ذلك من أنواع الأذى، فعليك أن تكف أذاك، فلا يكون العبد أبدًا محسنًا وهو على قدر من الأذية، وقدر كذلك من إدخال الضيق على هذه الأمة. والأمر الثالث: طلاقة الوجه، وهو سلوك دلة الشرعية على أن المسلم يحاول أن يتخلق به. أن تكون يا عبد الله بشوشًا مع أهل الإسلام، مع أهلك، مع قرابتك، مع أرحامك، مع عامة المسلمين، فلا تكون مغضبًا أو عبوسًا أو تكون كمعكرة المزاج، أو يظهر ذلك في فلتات لسانك، فضلًا أن يكون ذلك على فلتات وجهك، أن تغضب، أن تظهر الشدة على الناس بوجهك. فهذا ليس من صفات المحسنين. فاشترط العلماء لمن أراد أن يكون محسنًا مع الناس: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. وهنا الشرع إنما أمر أن المسلم يكون مع الله بهذه الصورة: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». والإحسان إخواني في الله على هذا التعريف نعرف أنه يقوم على مرتبتين. الإحسان هو ركن واحد، يقوم على مرتبتين. المرتبة الأولى هي الجادة الذي جاء في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام، هو أن تعبد الله كأنك تراه، تعبد الله كأنك تراه، تقوم بعبادة الله جل وعلا وأنت تستحضر رؤية الله جل وعلا، أو تستحضر وجود الله جل وعلا. ويقول علماء: وهذا ما يسمى عند أهل الأرباب السلوك بما يسمى بمقام الاستحضار. وبعضهم يعبر عنه بمقام المشاهدة. لهم عدة تعاريف ولهم عدة مصطلحات في هذا النوع من أنواع السلوك في التعبد، أنك تعبد الله جل وعلا وكأنك تشاهد الله جل وعلا. والقصد من هذا الحديث مشاهدة ليست الذات، وإنما مشاهدة الصفات، تستشعر وجود الله جل وعلا سبحانه وتعالى. ويقول علماء: أن هذا النوع من أنواع العبادة، كونك تستشعر أنك تشاهد آلاء الله جل وعلا أثناء تعبدك لله جل وعلا، فإن هذا يستلزم منه الحب والشوق إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا من أعظم دوافع إلى الإحسان مع الله جل وعلا في حسن تعبدك لربك جل وعلا. قالوا: هذا الركن الأول، وهو ما يسميه العلماء بالاستحضار، أو ما يسمى بالمراقبة، أو المشاهدة. القسم الثاني قال عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» جل في علاه. وهذا مقام الإطلاع، تستشعر بأن الله جل وعلا مطلع عليه، ما تكون في حال من الأحوال يا عبد الله، ولا تكون في مكان من الأمكنة إلا وأنت تحت نظر الرب سبحانه وتعالى. وهذا المقام مقام الإطلاع يا عبد الله، كذلك من المقامات العظيمة التي تستدعي منك أن تحسن في تعبدك لله جل وعلا. فإذا علمت أن الله جل وعلا لا تخفى عليه خافية، لا تخفى عليه خافية، فأنت أينما ذهبت وأينما كنت، في رأس جبل أو في بطن واد أو كنت خلف الدهاليز أو وراء الكواليس، اعلم أن الله جل وعلا مطلع عليك. فإذا استشعر العبد هذا المقام كان ذلك من أعظم الدواعي على أنه يحسن مع الله سبحانه وتعالى. وقد قال العلماء: والمقام الأول أعظم، ولهذا بدأ به نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» جل في علاه. بقيت مسألة متعلقة بالإحسان، وهي يقول علماء: أن الإحسان وهي هذه المرتبة لها قدر واجب، قدر واجب، وهناك قدر مستحب. والفرق بين القدر الواجب من الإحسان مع القدر الواجب من الإحسان، أن القدر الواجب من الإحسان هذا ما ينبغي أن ينفك عنه أحد. ما ينبغي أن ينفك عنه أحد، أي أنت ملزم بأن تأخذ هذه الخصلة وهذا المستوى من الإحسان، ينبغي أن تأخذ، وأن قصورك عن هذه المسألة فهو ماذا يؤديك إلى الإخلال في العبادة، ومن ثم الإثم. وهناك قدر محسن مز أو قدر مستحب في الإحسان، هذا يطالب به من بلغ في دين مبلغًا عظيمًا. ما هو القدر المجزئ؟ ما هو القدر الواجب في باب الإحسان؟ قال علماء: القدر الواجب في باب الإحسان أن يكون عملك يا عبد الله يقوم على إخلاص ومتابعة، هذا هو أقل شيء ينبغي أن تؤدي في باب الإحسان. لا تظن أن باب الإحسان باب بعيد المنال، أو أنك تقول: أنا لست من أهله. لا، أنت مخاطب بشيء هو أقل مستوى في الإحسان، أنت مطالبه، وكل مسلم مطالبه. ما هو الإحسان؟ هو إتقان الظاهر وإتقان الباطن، إتقان الظاهر وإتقان الباطن. وأدنى شيء من إتقانك للظاهر والباطن في باب الإحسان أن يكون الباطن فيه الإخلاص لله، وأن يكون الظاهر في الاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام. هذا منك إحسان، وهذا هو القدر المجزئ من إحسان. فلو أن رجلًا صلى وفي أثناء صلاته ما استدعى تعمير النية، وما أراد أن يخلص العمل لله جل وعلا، فهنا هذا القدر من إحسان لم يتوفر فيه، فعمله باطل لأنه ما أتقن الباطن. أو كذلك لو ربما رجل يخلص العمل لله جل وعلا، إلا أن العبادة التي أداها لا يستدعي وفق السنة، وإنما يخبط فيها خبط عشواء، يزيد ينقص يقدم يؤخر، فيغير من صورة العبادة حتى يخرجها من المتابعة، فهذا أيضًا قد أخلى بركن الإحسان، فيكون عمله غير مجزئ. إذن الإحسان يا عبد الله وهو إتقان الظاهر والباطن بالمعنى العام، فيه قدر مجزئ يجب أن تتحلى به، وهناك قدر ماذا مستحب. من تمكن فذاك. فالقدر المجزئ في باب الإحسان أنك تؤدي العبادة يا عبد الله بإخلاص ومتابعة، وهذا واجب. وهناك قدر مستحب في باب الإحسان، وهو ما جاء ذكره أن تأتي هذه العبادة وأنك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه جل في علاه يراك. هكذا أعد العلماء مراتب الإحسان. وبهذا القدر إخواني في الله. وثم قام المؤلف رحمه الله تعالى بسرد الأدلة الدالة على هذا الركن وعلى مراتبه. وبه انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر الأدلة الدالة من القرآن خاصة على مراتب الدين ثلاثة. ثم عرج رحمه الله تعالى على الدليل من السنة النبوية الدالة على الترتيب أو على ذكر هذه المراتب وعلى ترتيبها وعلى أركانها وفق ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.