شرح الأصول الثلاثة 29

شرح الأصول الثلاثة 29

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 29، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث جبريل عليه السلام

يبدأ الشرح بتوضيح أهمية حديث جبريل عليه السلام في بيان مراتب الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان. يتطرق إلى شرح بعض تفاصيل الحديث ودلالاته.

تفاصيل سؤال جبريل للنبي عن مراتب الدين وأحوال الساعة

يتطرق إلى شرح سؤال جبريل للنبي عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، ويوضح أهمية هذه الأسئلة في تعليم الناس أمور دينهم. كما يفسر مقولة 'ما المسؤول عنها بأعلم من السائل'.

علامات الساعة وأقسامها: الكبرى والصغرى

يشرح العلامات الصغرى والكبرى للساعة، مع توضيح بعض الأمثلة على العلامات الصغرى مثل ولادة الأمة لربتها وتطاول رعاة الشاء في البنيان، ويبين أن العلامات الكبرى محصورة وعظيمة التأثير.

ختام الحديث والصلاة على النبي

ينهي الشرح بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير للنبي وآله، ويؤكد على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان الكلام، إخواني في الله، فيما مضى من هذه الرسالة المباركة حول ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- عن مراتب الدين الثلاثة، ألا وهي الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، ودلل على هذه المراتب من أدلة من القرآن، فمن باب التأكيد لهذه المسألة أضاف المؤلف -رحمه الله تعالى- كذلك دليلًا من نوع آخر، وهي مأخوذة من السنة النبوية. وأراد المؤلف -رحمه الله تعالى- من هذا الدليل الذي سيأتي به بيان أن مراتب الدين تقوم على هذه الأمور الثلاثة، فقال مؤلفنا -رحمه الله تعالى- والدليل من السنة حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-. هذا الحديث هو الذي رواه مسلم في صحيحه، مشهور بحديث جبريل عليه السلام، وهذا الحديث جاء من طرق كثيرة وعن عدد من صحابة، جاء عن أبي هريرة، وجاء عن ابن عباس، وعن غيرهما. لكن المؤلف -رحمه الله تعالى- أورد لنا ما جاء في صحيح مسلم من طريق عمر بن الخطاب، أو من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه-، لماذا؟ لهذا الحديث من مزايا، إذ أن فيه ذكر المراتب مع ذكر أركانها، وذكر كذلك التفصيل في بعض المسائل التي يأتي ذكرها والتنويع عليها. قال -رحمه الله تعالى- عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله، أو عند النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: بينما، هنا «ما» زائدة، وفائدتها تسمى بـ«ما» الكافة، أي تمنع من الجر، فإن «بين» مما تلازم الإضافة، فيكون ما بعدها مضافًا إليها، لكن هنا بوجود «ما» كفت «بين» عن العمل. فتجد أن «نحن» ضمير رفع، وهو أيضًا ضمير جمع. قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم. وتأمل، يا عبد الله، في هذه العبارة «جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم»، وكم الأحاديث، إخواني في الله، التي تمر علينا فيها هذه الهيئة التي يكون عليها نبينا مع أصحابه -صلوات ربي وسلامه عليه-. وفيه دلالة على عظم مجالس الذكر ومجالس الخير، وكيف أن نبينا عليه الصلاة والسلام يغتنم مثل هذه المجامع من مجامع الحضور والناس في التذكير بالله جل وعلا، وكيف كان الصحابة يحرصون على الجلوس وعلى المكث في مثل هذه المجالس المباركة. قال: اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب. «طلع» أي برز وظهر علينا رجل، أي إنسان بصفة رجولية. اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب، رجل أبيض، أي في ثوبه، لكن ليس أي بياض، بل هو شديد البياض، ناصع البياض، شديد سواد الشعر، كذلك شعره مسود، وليس أي سوداد، بل شديد السوداد. ففيه بيان على أن هذا الرجل فيه صفة لثوبه، وصفة لون شعره. قال: لا يرى عليه أثر السفر، أي هذا الرجل الذي برز إلينا وظهر علينا لا ترى عليه آثار السفر، وهو بالمقابل ولا يعرفه منا أحد، غير معروف. وهذا أثار ريبة عندهم. ما وجه الريبة؟ إذا كان هذا الرجل الذي جلس في مجلسنا هو بين أمرين: إما أنه من أهل البلد، من أهل المدينة، من أهل الحاضرة، ولكن الإشكال أنه لا يعرف، إذن بقي أمر ثاني: أنه غريب، أنه مسافر، لكن الإشكال يبقى أنه ليس عليه أثر سفر. إذن ما هذا الرجل؟ له مسافر تظهر عليه آثار السفر، وله كذلك من أهل الحاضرة فلا يعرف منا أحد، فهذا الذي أثار شكوك الصحابة في ماهية هذا الرجل. فقال: لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد. لكن يقول قائل: عمر بن الخطاب هو الراوي لهذا الحديث يحكي عن نفسه، يقول: أنا لا أعرفه، فكيف حكم أن من في المجلس كلهم قد جهلوا حال الرجل؟ فكيف عمم الحكم؟ قال علماء: إن هناك بعض الروايات قال الراوي: فنظر بعضهم إلى بعض، هل يعرفهم منكم أحد؟ أي هذه الرواية الثانية تفصل على أن القوم كلهم نظر إلى الآخر. فاستقر عمر وجوه القوم، فعلم أن القوم كلهم ما عرفوا من هذا الرجل، فهو ليس من أهل الحاضرة، وبالمقابل هو ليس من أهل السفر. الله يقول عن الراوي هنا: على فخديه، هل على فخدي نفسه؟ كانت الهيئة التي يقوم فيها الطالب والمستمع والمنصت؟ وقيل: إنه على فخدي النبي عليه الصلاة والسلام. ولماذا يفعل ذلك على القول الثاني؟ لماذا فعل ذلك؟ وأول من رجح هذا قال: ثبت ذلك عند النسائي من حديث ابن عباس، أنه صرح أن وضع كفيه على فخدي النبي عليه الصلاة والسلام. بقي السؤال: لم يفعل ذلك؟ منه من قال: إن ذلك من إنصاته، وعلى أهمية ما سيطرحه على النبي عليه الصلاة والسلام. ومنه من قال: إن ذلك من باب التعمية، من باب التعمية، أراد هذا الرجل أن لا يجعل الناس يشكون فيه، أراد أن يوهمهم أنه رجل أعرابي. وتعرفون أن الأعراب في أفعالهم أنهم يفعلون أشياء ما تعود عليها الحاضرة، أهل مدينة ما تعودوا عليها. فكان الأعراب من شأنهم أنهم يفعلون أشياء تجعل الناس ينظرون فيهم ولا يشكون فيهم. وقال هذا أعرابي، دعوه على لحاله. فقال بعض العلماء: إن هذا الرجل فعل هذه الفعلة، وسيأتي معنا أن هذا الرجل جبريل عليه السلام، وهذه فيه فائدة على أن الملائكة لهم قدرة على التشكل، لهم قدرة على التشكل، وأنهم يتشكلوا على شكل آدمي، وهذا بقدرة الله جل وعلا. فقيل: إنه وضع يديه على فخدي النبي من باب التمويه والتعمية، والله تعالى أعلم. قال: وضع كفيه على فخديه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. ناداه باسمه المجرد، وقال: يا محمد، وهل هذا يجوز؟ لا، ما يجوز، ما يجوز لأحد من المسلمين أن ينادي نبينا باسمه المجرد، تقول: يا محمد، لا، لا تقول: يا محمد. إنما الإجلال والإعظام يجب في اسمه -صلوات ربي وسلامه عليه- أن تقول: يا رسول الله، يا نبي الله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم لما جاء ذاك اليهودي ينادي بأعلى صوته: يا محمد، يا محمد. قال ثوبان: ومن من كان في صحبة نبينا في تلك اللحظة؟ قال: فغضبت، إلا أنني دفعت اليهودي دفعة حتى كاد أن يسرع. الصحابة -ربهم ما يسمعون أبدًا ويرضون بأحد أن يتلفظ باسم نبينا المجرد- محمد، محمد. قال: فغضبت، إلا أنني دفعت اليهودي دفعة حتى كاد أن يسرع. فقال لي: يا ثوبان، ما لك تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فهذا أدب، وهذا أدب القرآن، ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، لا تجعل دعاء الرسول -أي نداء الرسول- لا يكون كنداء بعض لبعض، تقول: يا خالد، يا سالم، يا عبد الله، هذا بين الناس، أما لنبينا لا، لا يكون هذا للنبينا. طيب إذا كان هذا لا يجوز، فكيف جبريل عليه السلام يقول: يا محمد؟ هنا العلماء بكروا محامل، المحمل الأول: قلنا هذا من باب البلاغة في التعمية، أراد جبريل من هذا الفعل أن يبين للناس أنه أعرابي، وأنا أعرابي هذا فعلهم، يفعلون أشياء لا يقومون لها بالا. قال العلماء: إن هذا من باب التعمية، فعلى ذلك جبريل عمدًا حتى يعمي على الناس أمره وشخصه. قيل: هذا هناك قول آخر، وينظر فيه، يقولون بعضهم: إن هذا الحكم «لا تجعل دعاء الرسول» أن هذا الطلب وهذا الحكم الشرعي إنما يناط للمكلفين، وهم من؟ الإنس والجن، الإنس والجن من أهل التكليف. والملائكة لا يكلفون، الملائكة لا يكلفون، بل هم مفطورون على عبادة، قد فطروا على عبادة، فهم لا يكلفون. فقالوا: إذن جبريل ملك، إذا هو لا يدخل في التكليف أصلا، فهذا الحكم لا يدخل عليه، ولهذا بعضهم يرى أن أي الأحكام، أي أمر حكم شرعي، فإن هذا يعم الإنس والجن، ولا يدخل ملائكة فيهم أصلا، وجبريل ملك، لهذا ما يدخل في هذا الحكم، هكذا قالوا، والله تعالى أعلم. وإن كان الأكثر أظهر أن تم النداء باسم محمد عليه الصلاة والسلام مجردًا من باب التعمية والتمويه، والله تعالى أعلم. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. «أخبرني» هنا طلب منه، هذا صيغة فعل أمر، لكن هنا فعل دعاء وطلب، الأمر أن يكون الطلب من الأدنى، الطلب من الأعلى إلى الأدنى. أما هنا فهو من الأدنى إلى الأعلى، لأن السائل يجهل والمسؤول يعلم، فالأعلم أعلى رتبة، هنا الطلب جاء من الدنيا إلى العلو، وهذا يسمى دعاء، فيقول بعضهم: «أخبرني» هنا فعل دعاء. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. وقد مرت معنا، إخواني في الله، الأركان الخمسة كما ذكر المؤلف فيما مضى. قال: صدقت، أي لما أجاب نبينا عن هذا السؤال، قال جبريل: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، أي كيف هذا؟ يعني الأصل أن السائل إذا أنت سألت سؤالًا وطرحت عليك الإجابة أنك تمتثل، أنك تمتثل، لكن تسأل سؤال ثم يجيب من يجيب وتقول: صدقت، هذا ماذا يشعر؟ يشعر على أنك مطلع للإجابة سبقًا، وأنك مطلع للإجابة سلفًا، هذا تقديره. فتعجب الصحابة: كيف يسأل ويصدق الخبر؟ أي كأنه يعرف بالخبر ويعرف الإجابة أصلًا، فلماذا يسأل؟ فلماذا يسأل أصلًا؟ فهنا كان محل تعجب. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان، وهذا السؤال الثاني. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذا الإيمان، وهذه أركانه الست، وقد مضت معنا في ذكر ما يتعلق بها. قال: أخبرني عن الإحسان، وهذا السؤال الثالث، مرتبة الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومر معنا في درس أمس، إخواني في الله، ما يتعلق بأن الإقول ركن واحد، إلا أنه على مرتبتين، على مرتبتين، وقد مر مباحثه فيما مضى. قال: أخبرني عن الساعة، هذا السؤال الرابع، يسأل جبريل يسأل نبينا عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: أخبرني عن الساعة، وجاء في رواية في الصحيح: متى الساعة؟ والمقصود بالساعة: أي يوم القيامة، وهو اليوم الآخر. قال: أخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قوله: «ما المسؤول عنها» من المسؤول هنا في هذا الحوار: عنده سائل، وعنده مسؤول، من السائل؟ السائل هو جبريل عليه السلام، من المسؤول؟ هو نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- هو الذي طرحت عليه الأسئلة. فماذا يقول نبينا لما سأله جبريل عن الساعة، وعن وقتها، وعن حينها؟ قال: «ما المسؤول عنها»، وهو النبي الذي يتكلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، أي علمي وعلمك سواء، أي لا علم لنا، لا علمنا، لا السائل يعلم، ولا المسؤول كذلك يعلم. وفي هذا بيان على أن الساعة ماذا؟ من علم الغيب. لأن ثبت في الكتاب والسنة على أن الساعة وعلم الساعة من علم الغيب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فعلمها ووقتها لا يعلمها إلا الله جل وعلا، هو الذي متى ما شاء أظهرها، وشاءها. وهنا في قوله في الحديث: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، هنا «باء» زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. وبـ«أعلم» هي أصلا تكون «بأعلمي»، لكن هنا ماذا؟ جرت بالفتحة، وجرت بالفتحة لأنها ماذا؟ ممنوعة من الصرف، «بأعلم من السائل»، الوصفية مع وزن الفعل. قال: أخبرني عن أماراتها، إذن إذا كانت الساعة لا يعرف وقتها، ونبينا لا يعرف متى تحين، إذن بقي أمر، وهو: ما هي علامات الساعة؟ وبهذا دلالة على أن الساعة لا تنتهض ولا تقوم إلا بأمارات، والمقصود بالأمارة: الدلالة، الدلالة والآية والعلامة، إذن فالساعة لا تقوم إلا بأمارات تقدم عليها. قال: فأخبرني عن أماراتها، أي عن علاماتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العرات العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». علامات الساعة، إخواني في الله، يقسمون العلماء إلى قسمين: علامات كبرى، وعلامات صغرى، والفرق بينهما: أن العلامات الكبرى أنها محصورة في عشر علامات، عشر علامات. وهي كبرى، ماذا كبرى؟ لأن وقعها يؤثر في الناس، يؤثر في المعمورة، ليس بالعلامة الهينة التي تمضي دون دراية، لا، إذا ظهرت فإن أمرها ينتشر ويعم، وهي عشر علامات، وجاء في وصفها كذلك أنها متى ما ظهرت أولى هذه العلامات فإن ما بعدها أسرع، فإن ما بعدها أسرع. وثبت كذلك في السنن، وفي الصحيح، أن نبينا عليه الصلاة والسلام شبه العلامات الكبرى أنها كـ«العقد» الموجود في السلك، متى ما قطع السلك، فحينها -يا عبد الله- لا تسأل عن تدافع العلامات الكبرى حتى تجد القيامة قد قامت، وهذا ما يتعلق بالكبرى. أما علامات الصغرى فهي كثيرة، وهي على أقسام ثلاث، يقول العلماء: منها علامات ظهرت وانقضت، ومنها علامات لا زالت في هذه الأزمان تظهر بين الفترة والأخرى، وهناك علامات صغرى الآن لم تظهر، وذلك مذكور في المطولات، يرجع إلى مضانه. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أن تلد الأمة ربتها»، الأمة هي بمعنى العبدة، ربتها بمعنى السيد، سيدتها، أن الأمة تلد السيدة. وذكر العلماء أوجه لهذه المسألة: كيف يكون هذا؟ أن الأمة وهي الأم تلد سيدتها؟ قال علماء: منه من قال: إن هذا في آخر علامات الساعة، في آخر الزمان، أن الإماء تضع الملوك، تجد أن ملكًا سيدًا على قومه، تجد أن أمه أمة، وهذا قد يقع، وقد وقع. ومنه من قال: إن هذا دلالة على كثرة السرار، على أن يأتي سيد بمال بقدرة، وهذا يأتي عن كثرة الحروب، يأتي هذا السيد بأمة يتزوج عليها أو يستسري بها، تكون ملك يمين، فتأتي هذه الأمة فتأتي بولد، فالولد يتبع السيد، يتبع السيد، فيكون له سيادة من سيادة أبيه، فيكون له الملك، يكون له المال، يكون له السلطة، وأين أمه؟ تبقى أمة، أمه تبقى أمة. فيقول: هذه الأمة وضعت ماذا؟ سيدتها، إما يكون ابنًا أو يكون بنتًا كذلك، فإن ما يخرج من هذه الأمة عن طريق سيدها يكون حكم السيد، فيكون حكم السيد، فهذا دلالة على كثرة الحروب، وكثرة السراري عند قيام الساعة. ووجه آخر يقولون: إن هذا دلالة على العقوق، يذكر هذا بعضهم، أن هذا دلالة على العقوق. أن العقوق يكثر في آخر الزمان، وهذا ليس بمستبعد، والواقع يشهد على ذلك، تجد أن تسمع عن بنت في بيتها تدخل على بيتها فتخاطب عجوزًا في البيت: أين الغذاء؟ أين العشاء؟ أين الثياب؟ أتعبتين؟ آذيتين؟ فتتفاجئ أن هذه العجوز هي أمها، هي أمها، تبلغ العقوق أن هذه التي في البيت تخاطب هذه العجوز كأن هذه العجوز غريبة. فأين به أمها؟ لكن العقوق بلغ بها مبلغًا عظيمًا إلى أن تكون هي كالسيدة تتحكم في أمها. ذكر هذا العلماء، فهي أوجه كثيرة في معنى ذلك، لكن هي تدل على أن الأمور تتغير، أحوال الناس تتغير. قالوا: «أن ترى الحفاة العرات العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». أن ترى صنفًا من الناس، هذا ما أوصافهم؟ أن ترى الحفاة، الحفاة جمع حاف، وهو الذي لا نعال له، العراة جمع عار، الذي لا ثياب له، العالة جمع عائل، وهو الفقير، تجد صفًا من الناس، وهم رعاء جمع راع، راع الشاء، تجد صفًا من الناس فقراء معدومين، يصل بهم الحال أن الله يمد لهم في الأموال، فيتطاولون في البنيان. يقول علماء: التطاول في البنيان، أي التطاول في الارتفاع في البناء، في الأدوار، في الأدوار، ويكون هذا على يد هؤلاء، على يد هؤلاء، وهذا كذلك، وهذا الذي حاصل، نجد تلكم العمارات، وتلكم القصور الفارهة، وناطحات السحاب، تجدها من ملك أناسًا كانوا من أفقر الناس، وكانوا على رعاة شاه، لكن أعطاهم الله ما أعطاهم، حتى بلغوا ما بلغوا بهم الغنى والافتخار. قال: يتطاولون في البنيان. قال: فمضى، وفي رواية: ثم أدبر، أي أن جبريل عليه السلام لما طرح هذه الأسئلة الأربع: الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وعن أماراتها، ذهب. قال: فلبثنا مليًا، فقال: يا عمر، أتدرون من السائل؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم». إذن أبان نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- أن هذا الرجل الذي ما قدم بهذه الهيئة، والذي طرح هذه الأسئلة، ما هو إلا جبريل عليه السلام، إذن فهو تشكل بشكل آدم لحكمة أرادها الله جل وعلا. وفيه كذلك فائدة، وهي في قوله: «يعلمكم»، معنى جبريل ماذا فعل؟ جبريل هل أجاب؟ ما أجاب، إنما طرح أسئلة، ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ هذه أسئلة، فسمى نبينا ما طرحه جبريل من أسئلة سمه «علم»، وفيه ذلك دلالة على أن من طرق العلم الأسئلة، الأسئلة تعتبر طريقة من طرق العلم والتعليم. وكذا والفائدة الأخيرة التي نقطف بها المجلد، فيه بيان ماذا؟ على أن هذه الأسئلة ألا طرحت هي عبارة عن مراتب الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان. قال نبينا: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، أي هذا الذي ما مضى هي مراتب الدين، وهي أمر الدين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.