الدرس في شرح الورقات للجويني 18، ألقاها
القياس هو أداة شرعية لرد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما، وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية. يُستخدم عند الضرورة وهو دليل شرعي دل عليه الشرع.
يناقش المقطع أنواع القياس الثلاثة: قياس العلة، قياس الدلالة، وقياس الشبه، مع توضيح الفروق بينها وتقديم أمثلة. كما يشرح الخلافات بين المذاهب الفقهية حول تأثير العلة.
يشترط في القياس أن يكون الفرع مناسبا للأصل، والأصل ثابتا، والعلة مضطردة، والحكم مماثلا للعلة. العلة هي الجالبة للحكم بتأثير من الله سبحانه وتعالى.
العلة هي الجالبة للحكم وليست مجرد علامة عليه، ويختلف المؤلف مع بعض الفرق حول تأثيرها. يرى أن العلة مؤثرة في الحكم الشرعي.
قال الملك رحمه الله: القياس هو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. فقياس العلة هو ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم. وقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها. قالوا: من شرط الفرع أن يكون مناسبا للأصل، ومن شرط الأصل أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين. ومن شروط العلة أن تضطرد في معلولاتها، فلا تنتقض لفظا ولا معنى. ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة. هذا المبحث يتعلق بالقياس، والقياس أحد الأدلة التي دل الشرع على ثبوتها والعمل بها، ويأتي في المرتبة الرابعة بعد الإجماع. فالأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، لكن القياس في أدنى المراتب، ويستخدم عند الضرورة، فهو كالميتة للمضطر، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله. وجمهور العلماء على إثبات القياس والعمل به في إثبات الأحكام، وصال في ذلك الظاهرية، فأنكروا القياس وردوه. واستدل الجمهور بأدلة منها قول الله جل وعلا: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾، وقالوا: والميزان ما توزن به الأمور، ويقايس بينها، ويلحق مثل بعضها بما يماثلها، وهذا هو القياس. وهكذا أيضا استدلوا ببعض الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كحديث الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن امرأتي ولدت غلاما أسود»، وكان الرجل وزوجته أبيضان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا لعله نزعه عرق». وهذا قياس طيب، وأيضا الأمثال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن، هي كذلك فيها معنى القياس، كذكر الله جل وعلا لإحيائه للأرض بعد موتها بإحياء الأموات بعد موتهم، والاستدلال بذلك على إثبات البعث والنشور. وهكذا أيضا استدلال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالقياس والعمل به، كما ثبت ذلك عنهم رضي الله تعالى عنهم. ومع ذلك فكما قال الإمام الشافعي: القياس كالميتة للمضطر، لا يعمل به إلا عند الضرورة، مع كونه ثابتا وصحيحا. أما إذا كان القياس غير صحيح، يعني لا تتوفر فيه أركانه، فهذا لا يعمل به، ولا يثبت به الأحكام. وسيأتي معنا ذكر بعض الأقسام من أقسام القياس: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه، فيما يتعلق بقياس العلة. قال: لما كان القياس هو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، هذا تعريف القياس. والقياس إذا أطلق، فالأصل يراد به قياس العلة، رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم. فمثلا عندنا الخمر، الخمر محرم في الشارع، فهو أصل، نريد أن نقيس عليه شيء آخر لم يأت فيه النص، كالنبيذ، فنبيذ فرع، نقيس النبيذ على الأصل وهو الخمر في ماذا؟ في الحكم وهو التحريم، بجامع العلة، وهي علة الإسكار. وهذا يسمى قياس، يلحق فرع بأصل بعلة تجمعهما في الحكم، هذا يسمى قياس. مثل أيضا المخدرات والحشيش، فإنها تلحق بالخمر بجامع الإسكار، هذا يسمى قياس. قال: وينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. فقياس العلة هو الجمع بين الأصل والفرع بواسطة العلة، بأن تكون العلة وصفا مناسبا لإلحاق الفرع بهذا الأصل، وإثبات هذا الحكم الثابت في الأصل في الفرع. ومثلا المخدرات، نقيسها على الخمر في إثبات حكم التحريم، بعلة الإسكار، فالإسكار وصف مناسب لإثبات هذا الحكم، وإلحاقه بهذا الفرع، كوجوده في الأصل. هذا يسمى قياس العلة. و قياس العلة هو من أقوى أنواع القياس، وهو أيضا ما يكون فيه القياس الجلي، وما كانت العلة فيه منصوص عليها، أو مضطردة بنفي الفارق بين الأصل والفرع. و قياس الدلالة هو إلحاق فرع بأصل في إثبات الحكم، ليس بالعلة، ولكن بشيء من لوازم العلة، كأثر من آثارها. مثل الرائحة، رائحة الخمر، ننحكم مثلا النبيذ بالخمر في إثبات حكم التحريم، لكن ما هو العلة؟ هو وجود الرائحة، رائحة الخمر توجد في النبيذ، فنقيس النبيذ على الخمر، هذه الرائحة تدل على العلة، إنما تدل على العلة، هذا يسمى قياس الدلالة. ومثل أيضا الرغوة، كون النبيذ فيه رغوة، كما أن الخمر فيه رغوة، هذه الرغوة ليست هي العلة، وإنما هي من لوازم العلة. وقياس الشبه هو إلحاق فرع بأصل أو بأصلين، فيتردد بينهما، فيلحق بأكثرهما شبها. مثل قياس العبد، هل يلحق العبد بالبهيمة أو يلحق بالإنسان؟ وهو متردد بين هذين الأصلين، في كونه يباع ويوهب ويورث، فهو يشبه البهيمة، ويمتلك أيضا. ومن كونه أنه ينكح ويطلق، إلى آخره، يشبه الإنسان، فيلحق، بأيهما أكثر شبها. قال: لأن وضحت لنا الصورة، أنواع الأقيسة: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. قياس العلة هو أن يقاس فرع بأصل بإثبات الحكم بجامع العلة، وهي الوصف المناسب لإلحاق الفرع بالأصل. و قياس الدلالة هو إلحاق فرع بأصل بدليل العلة، وهو شيء ملازم للعلة من آثارها، كالرائحة أو الرغوة أو شيء من ذلك. وأما قياس الشبه، فهو إلحاق فرع بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها. ومثلوا أيضا، مثلا إذا قيل: الخيل هل يجوز أكلها أو لا يجوز؟ مثلا لو لم يكن النص فيها موجودا في حليتها، لو أراد إنسانا أن يقيس، فيقال: مثلا الخيل متردد بين الجمل وبين الحمار، فيقال: هو أكثر شبها بالجمل، لأن الجمل يركب به في الغزو. فقال: فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. قوله: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، هذا فيه خلاف لطريقة الأشاعرة، فالأشاعرة يرون أن العلل مجرد أمارات وعلامات فقط، غير مؤثرة في الحكم. بخلاف الجمهور، يعني يرون أن العلة لها تأثير في الحكم. والجمهور يرون أن العلة لها تأثير في الحكم، وهناك خلاف بين الجمهور في إيجابها، هل بذاتها أو بإيجاب الله سبحانه وتعالى لها؟ فهل السنة والجماعة يقولون: أن العلة مؤثرة في الحكم، ليس بذاتها، وإنما بجعل الله سبحانه وتعالى لها. وأما المعتزلة فيقولون: هي مؤثرة بذاتها. فالمهم أنه يقول: العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، يعني أن وجود العلة في الفرع، كوجودها في الأصل، هذا يوجب إثبات الحكم لهذا الفرع، كوجوده في الأصل. فالشرع مثلا حرم التأفيف، أن يقول الولد لولديه: «أف»، في أجل الأذية، فالوالدين يتأذيان من ذلك. فإذا وجد ما هو مثل ذلك أو أشد، كأن يقول الإبن لوالديه: «لا أفعل»، أو يعتدي عليهم بالضرب، فهذا أولى بالتحريم، لأن العلة موجودة، وهي الأذية، وهذه أذية أعظم. فقال: وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر. قياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، النظيرين يعني المتشابهين أو المتماثلين. كما ذكرنا في المثال في قياس الدلالة، كما قسنا الفرع على الأصل، مثلا نبيذ على الخمر، في إثبات الحكم، في دليل العلة، وهو أثر العلة، وهو مثلا الرائحة، في وجود رائحة الخمر، بكونها توجد في النبيذ، فيلحق النبيذ بالخمر في الحكم. قال: وأن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم. تكون دالة، فالرائحة مثلا، كون الرائحة في النبيذ موجودة، كوجودها في الخمر، هذا ليس يعني علة موجبة للحكم، وإنما دال يدل على الحكم. فمثلا وجود هذه الرائحة يدل على وجود الإسكار، فهذا يدلنا على العلة، وهي الإسكار، لكن هي ليست موجبة للحكم، لاحتمال التخلف، الحكم يعني قد توجد الرائحة، ولا يوجد العلة، وهي الإسكار. فقال: وقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، يلحق بأكثرهما شبها. ذكرنا أن الفرع المتردد في الشبه، الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبها، بمعنى أن هنا القياس ليس بوصف مناسب، وإنما هو وصف غير مناسب، ولا مستلزم للمناسبة. ومثلنا بقياس العبد، أن يلحق بالبهيمة أو يلحق بالإنسان، هذا شيء بعيد عن العلة، ولا هو وصف مناسب، ولا مستلزم للمناسبة، وهو من أضعف أنواع القياس، قياس الشبه. قالوا: من شرط الفرع أن يكون مناسبا للأصل. يعني أن توجد العلة في الفرع، كوجودها في الأصل، حتى يمكن قياس الفرع على الأصل. كما ذكرنا في مسألة الخمر، بعلة الإسكار، موجودة في الفرع، كما أنها موجودة في الأصل. فهنا يلحق الفرع بالأصل في حكم التحريم. هذا معنى كون الفرع مناسبا للأصل، يعني يمكن أن يلحق الفرع بالأصل بهذه العلة. أما إن لم يكن مناسبا، فهنا لا يمكن قياس الفرع على الأصل. ومثلا لو قال شخص: لا يجوز شرب ماء البحر، قياسا على تحريم الخمر، قياسا على تحريم الخمر، هنا يعني لا يمكن قياس هذا الفرع على هذا الأصل، لماذا؟ لعدم المناسبة، لعدم المناسبة هنا، لا يناسب الفرع الأصل، حتى يقاس عليه. قال: ومن شرط الأصل أن يكون ثابتا بدليل متفق عليه بين الخصمين. يعني بين من يتجادل مع آخر في إثبات هذا الحكم للفرع، كوجوده في الأصل، لا بد أن يكون الأصل ثابتا بدليل متفق عليه. إما أن يكون هذا الدليل يعني قد يكون الأصل ثابتا بنص، مثلا تحريم الخمر ثابت بالنص: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾. فإذن تحريم الخمر ثابت بالنص، بدليل النص. أو قد يكون ثابتا بالإجماع، كتحريم استعمال الماء النجس، الذي غيرته النجاسة، أو تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة وقعت فيه، هذا بالإجماع أنه لا يجوز استعماله. فهذا الأصل الآن ثابت بالإجماع، فإذا أردت أن تقيس فرعا على هذا الأصل، لابد أن يكون هذا الأصل ثابتا بدليل متفق عليه. فنأتي مثلا نقيس النبيذ على الخمر، فالخمر الآن ثابت بدليل متفق عليه، ويمكن قياس أي فرع آخر على هذا الأصل. قال: ومن شروط العلة أن تضطرد في معلولاتها، فلا تنتقض لفظا ولا معنى. الاضطراد بمعنى: متى وجدت العلة، وجد الحكم، ومتى تخلفت العلة، تخلف الحكم. هذا معنى الاضطراد. فالعلة لا بد أن تكون مضطردة، وإلا لم يثبت بها الحكم. مثلا الإسكار إذا وجد الإسكار في شراب، وجد الحكم، وهو التحريم. وإذا انتفى الإسكار، انتفى التحريم. هذه علة مضطردة. قال: فلا تنتقض، يعني لا توجد صورة من صور الفرع، أن توجد هذه العلة، ولا يوجد الحكم. فإذا وجد ذلك، قالوا: هذه علة منتقضة، لا يجوز قياس فرع عليها. ومثل مثلا لو أصابت الإنسان غصة، يعني طعام في حلقه، حتى كاد أن يهلك، وليس عنده إلا خمر، مثلا ليس عنده إلا خمر، هل يجوز أن يشربه لدفع هذه الغصة؟ قال بهذا بعض العلماء، بعض أهل الضرورة، قالوا: يجوز. وهنا قالوا: الآن وجدت العلة، وهي الإسكار، ولم يوجد الحكم، وهو التحريم. قالوا: فهذا انتقاض للعلة. لكن الصحيح مثل هذا لا يسمى انتقاضا، وإنما يسمى استثناء، أو تخصيص. قال: ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. يعني لا تتخلف الحكم عند وجود العلة، فإذا تخلف، انتقض القياس. يعني مثلا توجد الإسكار، ولا يوجد التحريم، إذا وجد ذلك، انتقض هذا القياس. فلابد أن يوجد الحكم، كوجود العلة. وإذا انتفى الحكم، انتفى العلة. وكذلك أيضا أن يكون الحكم مناسبا للفرع، يعني مماثلا للفرع. فما نقيس مثلا واجب على مباح، أو محرم على واجب، بل لابد أن يكون الحكم واحدا في الفرع وفي الأصل. محرم على محرم، وواجب على واجب، وهكذا. هذا أيضا من شروط الحكم، أن يكون وجوده في الفرع، كوجوده في الأصل، يعني يكون مماثلا له في الفرع، كوجوده في الأصل، من حيث التحريم أو الوجوب أو الإباحة. قال: والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة. العلة هي الجالبة للحكم، مر معنى الكلام على هذا، وأن قول أهل السنة وقول الجمهور على أن العلة هي مؤثرة بالحكم، لكن قول أهل السنة والجماعة: ليس بذاتها، وإنما بتأثير الله، وبجلب الله سبحانه وتعالى. بخلاف قول المعتزلة: بأنها مؤثرة بذاتها. وكذلك أيضا الأشاعرة عندهم: أن العلة مجرد علامة للحكم، ولا تأثير فيها. المؤلف هنا يقول: العلة هي الجالبة للحكم، معنى مؤثرة في الحكم، وبهذا قالت الجمهور، ووافق قول الجمهور.