الدرس في شرح الورقات للجويني 7، ألقاها
المؤلف يعرّف الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو أعلى من المأمور، ويشرح شروطه وصيغه. يُوضح أن الأمر يكون بالقول ولا يكون بالإشارة إلا بدليل.
الأمر في الأصل يدل على الوجوب عند الإطلاق، ويمكن أن يدل على الندب أو الإباحة إذا دلت قرينة على ذلك. يُوضح ذلك بالأمثلة الشرعية.
الأمر الشرعي يدل على الفورية ووسائل الفعل، ويشمل الوسائل اللازمة للفعل. يُبين أن الفعل إذا تم يخرج المكلف عن العهدة.
يجب نصح من يرتكب أفعال خاطئة وتحذيره من الاستمرار فيها. الهدف هو تصحيح الخطأ ومنع تكراره.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الأمر قال والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. وصيغته "افعل"، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة. ولا يقضي التكرار على الصحيح، إلا ما دل الدليل على قصد التكرار. ولا يقتضي الفور. الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه. استدعاء الفعل بالقول يعني طلب الفعل، ويكون هذا الطلب بالقول، أي عبارة عن الصوت المجتمع على بعض الحروف. هذا يدل على أن الأمر له صيغة، خلافا للأشاعرة الذين يقولون بأن الكلام معنى في النفس. قوله "بالقول" يعني أن الإشارة لا تعتبر أمرا على هذا التعريف، لأن الإشارة ليست بقول. لكن دلت الأدلة على أن الأمر يحصل بالإشارة كما يحصل بالقول. ومثل ذلك ما ثبت عن أبي هريرة حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، وصلى الناس خلفه قياما، فأشار إليهم أن يجلسوا. قوله "ممن هو دونه" يعني أن يكون الآمر أعلى من المأمور. فاستدعاء الفعل بالقول من الأدنى إلى الأعلى لا يعد أمرا. فلو قال الابن لأبيه "افعل كذا"، لا يعد أمرا، لأن الأب أعلى والابن أدنى. والأمر لا يكون إلا إذا كان موجها من الأعلى إلى الأدنى. وكذلك طلب الإنسان من الله جل وعلا شيئا في دعائه، لا يسمى أمرا، وإنما يسمى دعاء. إذا كان الأمر موجها من الشخص إلى من هو مثله، فهذا يحسن أن يسمى التماسا، لا أمرا. قال بعض الأصوليين: يشترط في الأمر العلو. وقال آخرون: يشترط فيه الاستعلاء. ومعنى الاستعلاء أن يكون الآمر يرى نفسه في درجة أعلى من المأمور. قوله "على سبيل الوجوب" يعني أن الأمر يكون على سبيل الحتم والإلزام. وهذا هو الأصل في الأمر عند الجمهور. قوله "وصيغته افعل" يعني أن صيغة الأمر هي "افعل". وكل ما كان على وزن هذه الكلمة فهو يدل على الأمر والوجوب. قال "وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه" يعني أن صيغة "افعل" عند الإطلاق، أي إذا أطلقت ولم تكن هناك قرينة أو دليل يوضح المراد منها، فتحمل على الوجوب. مثل ذلك قول الله جل وعلا: "وأقيموا الصلاة" و"آتوا الزكاة". فهذان أمران مطلقان، فيحملان على الوجوب. من الأدلة على ذلك أن العرب إذا خاطب الوالد ولده وأمره بأمر، فلو تأخر أو أبى، كان مستحقا للوم والتوبيخ. وكذلك إذا أمر السيد عبده بأمر فلم يفعل، كان مستحقا للوم. قال الله جل وعلا: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم". وهذا يدل على أن الأصل في الأمر إذا أطلق أنه للوجوب. هناك قول لبعض أهل الأصول وبعض الفقهاء يقولون بأن الأمر في باب الآداب يدل على الندب، وليس على الوجوب. وهذا القول ليس بصحيح. قال "إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة" يعني أنه إذا وردت صيغة الأمر مطلقة، فالأصل أنها للوجوب، إلا إذا دلت قرينة على أن المراد منها غير الوجوب. مثل قول الله سبحانه وتعالى: "وأشهدوا إذا تبايعتم". هذا أمر بالإشهاد عند البيع، لكن دلت السنة على أن هذا الأمر ليس للوجوب. ومثل قول الله جل وعلا: "فإذا حللتم فاصطادوا". هذا أمر، لكن المراد منه الإباحة. قال "ولا يقضي التكرار على الصحيح إلا ما دل الدليل على قصد التكرار" يعني أن الأمر لا يفيد التكرار، إلا إذا دل دليل على أن المراد منه التكرار. قوله "ولا يقتضي الفور" يعني أن الأمر لا يقتضي الفورية. لكن ينبغي أن نعلم أن من الأوامر ما تقتضي الفورية لدلالة الدليل على ذلك. مثل من أفسد حجه بجماع، فقد قضى الصحابة بوجوب القضاء عليه على الفور. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها". والقول الصحيح هو قول الجمهور أن الأمر يقتضي الفورية حال التمكن من الفعل. قال "والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به" يعني أن الأمر بإيجاد الفعل أمر بوسائله أيضا، التي لا يمكن إيجاد الفعل إلا بها. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مثل أداء صلاة الجماعة، إذا كان لا يمكن ذلك إلا بالخروج من البيت والذهاب إلى المسجد، فخروجه ومشه إلى المسجد واجب. قال "كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة" لأن الطهارة من أعظم شروط الصلاة. قال "وإذا فعل يخرج المأمور عن العهدة" يعني أن المكلف إذا فعل ما أمر به، خرج هذا الأمر من عهدته، فلا يطالب به. لكن هل يترتب عليه الأجر والثواب؟ الجواب قد يترتب وقد لا يترتب. قد يكون صحيحا لكن لا يؤجر عليه لوجود مانع من حصول الثواب والأجر. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: "من أتى كاهنا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوما". ليس معنى ذلك أنها غير صحيحة، وإنما لا يثاب عليها. فلا يلزم من صحة العبادة حصول القبول وترتب الثواب والأجر. قد يتخلف الثواب والأجر لوجود مانع من حصول ذلك. والصلاة إذا فات وقتها، فهي غير مقبولة وغير صحيحة. أما إذا كان الإنسان معذورا، فإنه يصليها متى ما قام من نومه أو تذكرها. والذي يتأخر عن الصلاة بغير عذر، فهو متلاعب، ويحتاج إلى نصيحة. فينبغي نصحه وتحذيره من الاستمرار في هذا الفعل.