الدرس في التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الإمام البخاري هو أول من أفرد الصحيح في جامعه مع الرد على دعوى سبق مالك، ويتميز شرطه باشتراط اللقاء والسماع الفعلي بين الراوي والشيخ. بينما يكتفي شرط الإمام مسلم بالمعاصرة مع إمكان اللقاء فقط دون اشتراط ثبوت السماع.
يرى الجمهور أن صحيح البخاري أصح لتشديد شرطه في المعاصرة وثبوت اللقي وقلة الطاعنين في رجاله، بينما يتميز صحيح مسلم بحسن الترتيب والتصنيف وجودة الصناعة. وذهب بعض علماء المغرب وابن حزم لتفضيل مسلم، لكن الراجح رجحان البخاري في الصحة ومسلم في حسن الصناعة.
رجال البخاري المنتقدون أقل عدداً من رجال مسلم، ولم يكثر البخاري من إخراج حديث من تكلم فيه وانتقى من شيوخه بعناية فائقة. في المقابل أكثر مسلم من إخراج أحاديث من تكلم فيهم، ولم يلتزم الإمامان بإخراج كل الصحيح الوارد إليهما.
تبلغ أحاديث صحيح مسلم نحو أربعة آلاف حديث، وتزيد بالمكرر على عدد أحاديث البخاري لكثرة طرقها المتعددة. ويولي الإمام مسلم عناية خاصة بذكر الأسانيد المتعددة للحديث الواحد بخلاف منهج البخاري في الاختصار.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: قال: أول من جمع صحاح الحديث. قال: فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح، يعني الأحاديث الصحيحة، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فهما أصح كتب الحديث. فأول من جمع الصحيح واعتنى بذلك هو الإمام البخاري رحمه الله. واعترض بعضهم على ذلك بأن مالكاً قد صنف الصحيح قبله، أي قبل الإمام البخاري. وأجيب عن ذلك بأن الإمام مالك لم يفرد الصحيح، بل أدخل فيه معه غيره من المراسيل والبلاغات والمنقطعات، بل يوجد في موطأ الإمام مالك من البلاغات التي لا تعرف، كما ذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله. فإذا الإمام مالك لم يفرد الصحيح كما فعل الإمام البخاري رحمه الله، وحينئذ لا اعتراض على ما ذكر المصنف. وأما قول الإمام الشافعي حين قال: «ما أعلم كتاباً في الأرض في العلم أكثر صواباً من موطأ مالك»، فهذا كما قال أهل العلم: قاله قبل أن يؤلف صحيح البخاري. وإن كان بعض المغاربة كما سيأتي أنهم يفضلون البخاري على مسلم، فهذه مسألة أخرى تأتي إن شاء الله. إذن نعلم الآن أن أول من اعتنى بجمع الصحيح هو الإمام البخاري رحمه الله. قال: فهما أصح كتب الحديث. بعده الإمام مسلم، وهو تلميذ الإمام البخاري. قال: والبخاري أرجح، يعني أصح من صحيح مسلم. قال: لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه. الإمام البخاري اشترط أن يكون الراوي قد عاصر شيخه الذي روى عنه، وثبت سماعه منه، يكون قد لقيه وسمع منه، بخلاف مسلم. قال: ولم يشترط مسلم الثاني، يعني اللقي، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. الإمام مسلم اكتفى بمجرد المعاصرة أن يكون الراوي قد عاصر شيخه، لكن أيضاً مع زيادة وهي مع إمكان اللقي، أن يكون عاصر شيخه مع إمكان اللقي، وصرح بذلك رحمه الله في مقدمة صحيحه: ليس مطلق المعاصرة، لأنه قد يكون عاصره ولا يمكن اللقاء به، كأن يكون أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فمثل هذا قد يصعب اللقي. لكن كونه عاصره وهما في بلد واحدة أو بلدين متجاورين، مثل هذا في الغالب يمكن اللقاء. فهكذا اشترط مسلم ثبوت المعاصرة مع إمكان اللقي، ولا شك أن شرط البخاري أقوى: البخاري اشترط المعاصرة مع ثبوت اللقي، أن يكون لقي شيخه وسمع منه. قال: ومنها هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح صحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، جمهور أهل الحديث على أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم. قال: خلافاً لأبي علي النيسابوري، وهو الحسين بن علي بن يزيد، شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب، خلافاً لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم وطائفة من علماء المغرب، منهم القاسم التوجيبي، وهكذا ابن حزم. فهؤلاء فضلوا مسلم على البخاري. هؤلاء المغاربة فضلوا مسلم على البخاري، حتى قال الحافظ النيسابوري: «ما أعلم تحت أديم السماء كتاباً أصح من صحيح مسلم، ما أعلم تحت أديم السماء كتاباً أصح من صحيح مسلم». نعم، ووجه أهل العلم مثل هذه العبارة على أنه إذا أراد أن كتاب مسلم يعني يترجح على البخاري من حيث الترتيب، جودة الترتيب والتصنيف، بحيث أن الإمام مسلم كان يذكر الأحاديث سرداً في مضانها لا يقطعها كما فعل الإمام البخاري، فمن هذه الحيثية هو أرجح من حيث الترتيب وجودة التصنيف. وأما من حيث الصحة فصحيح البخاري أصح، وصحيح البخاري أصح؛ لأن الإمام البخاري اعتنى بـ يعني استنباط الأحكام الفقهية، والذي هذا يبوب في صحيحه باب كذا ويذكر ما يستنبطه من الحديث من مسائل فقهية، ولهذا يقطع الحديث ربما في مواضع عديدة، ويذكر جزءاً منه في هذا الموضع، جزءاً منه في الموضع الآخر، على حسب ما يستنبطه من فقه الحديث. فلهذا لم يكن مرتباً كصحيح الإمام مسلم. فصحيح الإمام مسلم من حيث الترتيب هو أجود، لكن من حيث الصحة فصحيح البخاري أصح، كما هو قول الجمهور، وكما قال القائل: تنازع قوم في البخاري ومسلم لدي *** وقالوا أين ذينك ترجح فقلت لقد فاق الإمام فقد *** فاق الإمام بخاري صحة كما فاق في حسن الصناعة مسلم نعم، فالبخاري أصح، ومسلم أجود، يعني من حيث الترتيب. نعم، ومما فضل به صحيح البخاري على صحيح مسلم كما ذكر هنا: أولاً، اشتراط شرط البخاري أقوى من شرط مسلم، فالبخاري اشترط المعاصرة واللقي وثبوت السماع، والإمام مسلم اشترط المعاصرة مع إمكان اللقي. كذلك أيضاً مما فضل به البخاري على مسلم: أن الرجال، رجال الحديث الذين تكلم فيهم في صحيح البخاري، أقل ممن تكلم فيهم في صحيح مسلم. أن الرجال الذين تكلم عليهم في صحيح البخاري أقل من الرجال الذين تكلم عليهم في صحيح مسلم. كذلك أيضاً أمر ثالث: أن الإمام البخاري لم يكثر من إخراج حديث من تكلم فيه، الإمام البخاري لم يكثر من إخراج حديث من تكلم فيه، بخلاف الإمام مسلم. أمر الرابع: أن الذين تكلم فيهم من رجال البخاري غالبهم من شيوخه، غالبهم من شيوخه، فيكون قد انتقى من حديثهم، انتقى من حديثهم وأخذ منه ما يراه صحيحاً، بخلاف الإمام مسلم. وكذلك أيضاً أمر خامس: وهو أن الأحاديث التي انتقدت في صحيح البخاري أقل من الأحاديث التي انتقدت في صحيح مسلم. قال: ثم إن البخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث. البخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته، يعني لم يلتزما في صحيحيهما بإخراج جميع الأحاديث الصحيحة، ملتزما بذلك، ولا اشترطا ذلك. ولهذا قال الإمام البخاري: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح لخشية الملل والطول، وتركت من الصحيح خشية الملل والطول». قال: فإنهما قد صحح أحاديث ليست في كتابيهما. نعم، الإمام البخاري صحح أحاديث في كتابه الأدب المفرد، الذي هو الجزء الذي أفرده، وفيه أحاديث صحيحة ليست في البخاري، وكذلك أيضاً صحح أحاديث في جزء القراءة خلف الإمام، وهكذا أيضاً خلق أفعال العباد. إذا لم يلتزم بإخراج كل الأحاديث الصحيحة في صحيحه. قال: فكما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده في جامع، الترمذي تجد الإمام الترمذي أحياناً يذكر الحديث وما قام بسؤاله عنه البخاري، فقال مثلاً: حديث صحيح، أو كذا، فيصححه الحديث، وهو ليس في صحيحه، مع هذا صححه. قال: بل في السنن وغيرها، يعني يكون هذا في السنن، ومع هذا صححه البخاري. قال: عدد ما في الصحيحين من الحديث. قال ابن الصلاح: فجميع ما في البخاري بالمكرر، يعني مع تكرار الحديث، سبعة آلاف حديث ومئتان وخمسة وسبعون حديثاً، وبغير المكرر أربعة آلاف. وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار نحو أربعة آلاف. قال الشيخ أحمد شاكر في الحاشية: قال الذي حرره الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار ألفان وستمائة واثنان، ومن المتون المعلقة المرفوعة مئة وتسعة وخمسون حديثاً، فمجموع ذلك ألفان وسبعمائة وواحد وستون. وأن عدة أحاديثه بالمكرر، وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات، تسعة آلاف وثمانون حديثاً. وهذا غير ما فيه من الموقوف على الصحابة وأقوال التابعين. وقال هنا في قوله: أن ما في مسلم نحو أربعة آلاف. قال العراقي: وهو بالمكرر يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه. الإمام مسلم يعتني بالطرق، كما ترون في قراءة صحيح مسلم يذكر حديثه منه أسانيد أخرى