التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 1

الدرس في التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية مقدمة ابن الصلاح وتاريخ تدوين علم المصطلح

يبرز المقطع مكانة مقدمة ابن الصلاح الجامعة لشتات علم مصطلح الحديث وما لقيته من عناية العلماء شرحاً واختصاراً. كما يستعرض مراحل تدوين هذا العلم من القاضي الرامهرمزي مروراً بالخطيب وابن الصلاح وصولاً إلى العراقي والنووي والسيوطي.

كتاب الباعث الحثيث لابن كثير وترجمته العلمية

يوضح المقطع أن ابن كثير اختصر مقدمة ابن الصلاح في رسالة الباعث الحثيث لتكون مرحلة وسطى في علم الحديث. ثم يستعرض ترجمة ابن كثير مفصلاً من نسبه ومولده سنة 701 هـ ونشأته بدمشق وشيوخه البارزين كالمزي وابن تيمية والذهبي ومؤلفاته الكثيرة.

مؤلفات ابن كثير ومقدمته في مختصر علوم الحديث

يستعرض المقطع أبرز مؤلفات الحافظ ابن كثير الستة عشر كالتفسير والبداية والنهاية والتكميل وطبقات الشافعية مع ذكر وفاته سنة 774 هـ. ثم يورد مطلع مقدمته في مختصر علوم الحديث مبيناً مقصده من الاختصار وأنواع الحديث الخمسة والستين.

مناقشة ابن كثير لتقسيم الأنواع وإمكانية دمجها

يناقش المتحدث رأي ابن كثير في تفصيل أنواع الحديث معتبراً أن هذا التفصيل فيه نظر ويمكن إدماج بعض الأنواع لتقليل العدد. ويرى أن الأليق هو ضم بعض التفاصيل لتكون أقل مما ذكره ابن كثير في تقسيمه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فنبتدأ القراءة بإذن الله بهذا الكتاب المسمى بـ «الباعث الحثيث: شرح مختصر علوم الحديث» أو «اختصار علوم الحديث» للشيخ أحمد شاكر رحمه الله، وكتاب «اختصار علوم الحديث» للحافظ ابن كثير رحمه الله، وكتاب «علوم الحديث» للإمام ابن الصلاح رحمه الله. وهذا الكتاب يعد من أنفع الكتب في دراسة علم مصطلح الحديث، وقد انتفع به طلاب هذا العلم انتفاعا عظيما، وذلك لأهمية هذه المقدمة، مقدمة ابن الصلاح المسمى كتابه «علوم الحديث»، واعتناء العلماء بها اعتناء عظيما. فلذلك كانت دراسة مثل هذا الكتاب مما ينتفع به طالب هذا العلم انتفاعا عظيما. قال الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله في تقديمه لهذا الكتاب: «إن علم أصول الحديث وقواعد أصوله لا بد منه للمشتغل برواية الحديث، إذ بقواعده يتميز صحيح الرواية من سقيمها، ويعرف المقبول من الأخبار والمردود، وهو للرواية كقواعد النحو لمعرفة صحة التراكيب العربية. فلو سمي منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار لكان اسما على مسمى. وقد كتب العلماء فيه من عصر التدوين إلى يومنا هذا نفائس، ما يكتب من ذلك ما تجده في أثناء مباحث الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله، يعني بعض مسائل الحديث، ذكروا في ثنايا «الأم» له، يعني كتاب «الأم» للإمام الشافعي، كذلك وما نقله تلاميذ الإمام أحمد في أسئلتهم له ومحاورته معهم، كذلك يعني شيء من مسائل الحديث. وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة «صحيحه»، ورسالة الإمام أبي داود السجستاني إلى أهل مكة في بيان طريقته في سننه الشهيرة، وهي مطبوعة. وما كتبه الحافظ أبو عيسى الترمذي في كتابه «العلل» المفرد في آخر «جامعه»، وما بثه في الكلام على أحاديث «جامعه» في طيات الكتاب من تصحيح وتضعيف وتقوية وتعليل. وللإمام البخاري «التواريخ الثلاثة»: «التاريخ الكبير»، و«التاريخ الأوسط»، و«التاريخ الصغير». قال: ولغيره من علماء الجرح والتعديل من معاصريه ومن بعدهم بيانات وافية لقواعد هذا الفن، تجيء منتشرة في طي كلامهم، حتى جاء من بعدهم فجرد هذه القواعد في كتب مستقلة ومصنفات عدة، أشار إلى أشهرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فاتحة شرحه لـ «نخبة الفكر»، فقال: "فمن أول من صنف ذلك القاضي أبو محمد الرامهرمزي، الحسن بن عبد الرحمن، الذي عاش إلى قريب سنة ستين وثلاثمائة للهجرة"، يعني من صنف فيه كفن مستقل، كفن مستقل في علم الحديث، وإلا فالكلام على مسائل الحديث كما ذكر قد ذكرت في ثنايا كلام العلماء، لكن ككتاب مستقل في علم الحديث فأول من جمع ذلك هو القاضي أبو محمد الرامهرمزي، في كتابه «المحدث الفاصل»، لكنه لم يستوعب يعني جميع أقسام علوم الحديث. قال: والحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه «معرفة علوم الحديث»، محمد بن عبد الله بن البيع، صاحب «المستدرك على الصحيحين» و«الإكليل» و«المدخل إليه في مصطلح الحديث» و«تاريخ نيسابور»، المتوفى سنة خمس وأربعمائة للهجرة، لكنه لم يهذب أو لم يرتب. وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله الصوفي، صاحب «حلية الأولياء» و«المستخرج على البخاري» وغيرهما، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة للهجرة، فعمل على كتابه مستخرجا على كتاب من؟ على كتاب الحاكم، عمل عليه مستخرجا واسمه «معرفة علوم الحديث» على كتاب الحاكم. قال: وأبقى أشياء للمتعقب، يعني لمن يأتي بعده ويتعقب عليه. قال: وجاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت، صاحب «تاريخ بغداد» وغيره، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة، فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه «الكفاية في علم الرواية»، وفي آدابها كتابا سماه «الجامع لآداب الشيخ والسامع»، وهو مطبوع، وطبع باسم «آداب الراوي والسامع». قال: قل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا، أي الخطيب البغدادي رحمه الله، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة، محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة للهجرة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه". ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجمع القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، المتوفى سنة أربعين وخمسمائة للهجرة، كتابا سماه «الإلماء»، أي «الإلماء إلى معرفة علوم الرواية وتقييد السماع». قال: أو أبو حفص الميانجي جزءا سماه «ما لا يسع المحدث جهله»، عندكم «تسع» أو «يسع»؟ «يسع» بالياء، نعم هو الصواب بالياء: «ما لا يسع المحدث جهله»، وهو أيضا جزء مطبوع. قال: إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمر عثمان بن الصلاح، عبد الرحمن الشهرزوري، نزيل دمشق، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة للهجرة، فجمع لما تولى تدريس الحديث في المدرسة الأشرفية كتابه المشهور «علوم الحديث»، الشهير بـ «مقدمة ابن الصلاح». فهذب فنونه وأملاه شيئا بعد شيء، فلذلك لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة، فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخاب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلذلك عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك ومقتصر ومعارض له ومنتصر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. فبين الحافظ أهمية هذا الكتاب، وذلك لأنه قد جمع يعني ما قد ألف قبله من مؤلفات في علوم الحديث، فاعتنى بها ابن الصلاح رحمه الله في كتابه المسمى بـ «مقدمة ابن الصلاح» أو كذلك أيضا مسمى بـ «علوم الحديث». فلذلك اعتنى العلماء بهذا الكتاب شرحا، وكذلك تعقيبات وزيادات وتوضيحات على هذا الكتاب، بل منهم كذلك من نظمه كما سيأتي. قال: فقد ظهر ذلك، فقد ظهر لك بشهادة الحافظ ابن حجر أن كتاب ابن الصلاح رحمه الله جمع شتات الكتب وعيونها من كتب الخطيب، الذي هو عائل علماء الفن بعده، يعني كل من جاء بعده فهم عيال على الخطيب، بمعنى أنهم يستفيدون منه وينتفعون من كتبه. قال: وغيرها ممن تقدمه وتأخر، ومبلغ عناية العلماء بها نظما وشرحا واختصارا، يعني لمقدمة ابن الصلاح، اعتنوا بها عناية عظيمة. قال: فممن نظمها الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة للهجرة، نظمها في كتابه «ألفية الحديث»، وهي مشهورة، «ألفية الحافظ العراقي» هي عبارة عن نظم لمقدمة ابن الصلاح. قال: وشرحا هو بنفسه، وكذلك شرحها بعده السخاوي. قالوا: للحافظ العراقي المذكور شرح على كتاب ابن الصلاح، وهو كتابه «التقييد والإيضاح فيما أطلق أو أغلق من مقدمة ابن الصلاح». قالوا: ممن اختصرها الإمام النووي الشافعي، صاحب «المجموع» وصاحب «الروضة» في فقه الشافعية، وشرح «صحيح مسلم» وغيرها من الكتب النافعة، اختصارها في كتاب سماه «التقريب»، شرحه السيوطي في كتاب سماه «تدريب الراوي». كتاب السيوطي «تدريب الراوي في تقريب النووي»؛ تقريب النووي هو عبارة عن اختصار لمقدمة ابن الصلاح، فشرحها السيوطي في كتابه «تدريب الراوي». قال: ثم جاء الإمام ابن كثير، الفقيه الحافظ المفسر، الذي ستقف على تاريخ حياته فيما بعد، فاختصرها في رسالة لطيفة سماها «الباعث الحثيث على معرفة علوم الحديث». هكذا يعني ذكر، واسم رسالة الحافظ ابن كثير: «اختصار علوم الحديث»، «اختصار علوم الحديث»، لكن الكتاب اشتهر بهذا الاسم: «الباعث الحثيث». بعبارة سهلة فصيحة، وجمل مفهومة مليحة، واستدرك على ابن الصلاح استدراكات مفيدة، يبدأها بقوله: «قلت»، يعني إذا جاء عندنا في الكتاب «قلت» فالقائل هو من؟ هو ابن كثير، القائل هو ابن كثير، مستدركا على ابن الصلاح. قال: فسهل على طالب الفن تناوله في رسالة وسط، وخير الأمور أوساطها. يعني هذه الرسالة الآن: «اختصار علوم الحديث» أو كتاب هذا الكتاب «الباعث الحثيث»، أحمد شاكر، طبع التعليقات الشيخ أحمد شاكر ستكون في الأسفل في الحاشية، وإذا مر معنا قول المصنف: «قلت» فهذا من ابن كثير، وما فوقه من المتن هو من مقدمة ابن الصلاح. فكان هذا الكتاب وسطا في هذا الفن، يعني بين البدايات المختصرة كالبيقونية ونحوها، والكتب المطولة ك «التقييد والإيضاح» و «تدريب الراوي». لم يختصرها اختصارا مضغوطا مختلا، ولا أطالها تطويلا منتشرا مشوشا، فكانت خطوة أولى ومرحلة ابتدائية يدرسها الطالب فيرتقي منها إلى دراسة أصلها وما بعده من كتب الأئمة حتى ينتهي إلى التحقيق فيدلي بدلوه، قدّر الله. ولقد كان للإمام ابن كثير حياة علمية حافلة بالجهد في التحصيل والتصنيف، في عصر مملوء بالأكابر من علماء النقل والعقل، كما ستقف على ذلك في تلخيص سيرته من كلام ثقات المؤرخين من أهل عصره ومن بعدهم، إن شاء الله تعالى. وقوله: «وخير الأمور أوساطها»، هذا المثل أصله حديث، يعني رواية، رواه البيهقي في السنن، لكنه حديث معضل، وقد ضعفه رحمه الله، وكذلك أيضا ضعفه العراقي في تخريجه لكتاب «الإحياء»، فأصبح مثلا، هو عبارة عن مثل، والحديث لا يصح الوارد فيه. طيب، ترجمة المؤلف، يعني ابن كثير، بقلم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. قال: نسبه وميلاده وشيوخه ونشأته. قال: هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن الشيخ أبي حفص شهاب الدين عمر، خطيب قريته، إبن كثير، إبن غو، إبن كثير، إبن زرع، القرشي، البصروي الأصل، الدمشقي النشأة والتربية والتعليم. يعني الإمام ابن كثير أصله من البصرة، أي من العراق، لكن نشأ في الشام في دمشق. قال: ولد بمجدل القرية من أعمال مدينة بصرى، شرق دمشق، سنة إحدى وسبعمائة، وكان أبوه خطيبا، ومات أبوه في الرابعة من عمره، فرباه أخوه الشيخ عبد الوهاب، وبه تفقه في مبدأ أمره، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وسبعمائة للهجرة، في الخامسة من عمره، وتفقه بالشيخ برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزازي، الشهير بابن الفركاح، عندكم هكذا: «الفزازي» أو «الفزاري»؟ «الفزازي» نعم، الفزازي الشهير بابن الفركاح، المتوفى سنة تسع وعشرين وسبعمائة للهجرة. وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبي طالب المعمر، أكثر من مائة سنة، الشهير بابن الشحنة والحجار، المتوفى سنة ثلاثين وسبعمائة للهجرة، ومن القاسم بن عساكر، قال: ومن الشيرازي، وإسحاق بن الآمدي، ومحمد بن زراد. ولازم الشيخ جمال الدين يوسف بن الزكي المزي، صاحب «تهذيب الكمال» و«أطراف الكتب الستة»، المتوفى سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة للهجرة، وبه انتفع وتخرج، وتزوج بابنته، يعني ابنة الإمام المزي صاحب «تهذيب الكمال» الذي اختصره الإمام الحافظ ابن حجر في كتابه «تهذيب التهذيب». قال: وقرأ على شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، المتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة، كثيرا، ولازمه وأحبه وانتفع بعلومه. وعلى الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي، محمد بن أحمد بن قايماز، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة للهجرة. وأجاز له من مصر: أبو موسى القرافي، والحسيني، وأبو الفتح الدبوسي، وعلي بن عمر الواني، ويوسف الختني، وغيره واحد. وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في «المعجم المختص»: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفن ومفسر، نقال، وله تصانيف مفيدة». وقال الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة»: «اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته وانتفع الناس بها بعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء»، يعني معتنى بماذا؟ جمع الأسانيد العالية واشتغل بها، وإنما اهتم بفقه الأحاديث، فكان محدثا فقيها. وأجاب السيوطي عن ذلك، وقال: «العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحا وتعديلا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك فهو من الفضلات لا من الأصول المهمة». انتهى كلامه. يعني يريد بهذا أنه لا منقصة على الحافظ ابن كثير رحمه الله إن لم يعتني بهذا الأمر، لأن المقصود من دراسة علم الحديث هو معرفة علم الحديث دراية ورواية، معرفة صحة الأسانيد وكذلك فقه الأحاديث، وهذا لاعتنى به الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأما معرفة العالي والنازل من الأسانيد فهذا شيء فضلة ليس أصلا في علم الحديث. وقال المؤرخ الشهير أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن سيف الدين، المعروف بابن تغري بردي الحنفي، في كتابه «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي»: «الشيخ الإمام العلامة عماد الدين أبو الفداء...» إلى أن قال: «لازم الاشتغال ودأب وحصل وكتب وبرع في الفقه والتفسير والحديث وجمع وصنف ودرس وحدث وألف، وكان له الاطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية وغير ذلك، وأفتى ودرس إلى أن توفي. واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير». وهو القائل: «تمر بنا الأيام تترى *** وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر فلا عائد *** ذاك الشباب الذي مضى فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى *** ولا زائل هذا المشيب المكدر». قال: وتلامذته كثر، منهم ابن حجي، وقال فيه: «أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه». وقال ابن العماد الحنبلي في كتاب «شذرات الذهب»: «الحافظ الكبير عماد الدين، حفظ «التنبيه» وعرضه سنة ثمان عشرة وسبعمائة للهجرة، وحفظ مختصر ابن الحاجب، وكان كثير الاستحضار قليلا النسيان، جيد الفهم، يشارك في العربية، وينظم نظما وسطا». قال فيه ابن حبيب: «سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير». مؤلفاته: من كتب مطولة ورسائل مختصرة. قالوا: من مؤلفاته: أولا: تفسير القرآن الكريم، المشهور بـ «تفسير ابن كثير»، وهو من أفيد كتب التفسير بالرواية، يفسر القرآن بالقرآن ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها، ويتكلم على أسانيدها جرحا وتعديلا، وهذا في الغالب، وأحيانا يذكر الأسانيد ولا يتكلم عليها، قال: فيبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو شذوذ غالبا، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين. قال السيوطي فيه: «لم يؤلف على نمطه مثله». قال: هذا في ذيل «طبقات الحفاظ»، ولهذا يكاد يكون تفسير ابن كثير من أشهر التفاسير، يعني للقرآن، وجعل الله سبحانه وتعالى له القبول. ثانيا: التاريخ المسمى بـ «البداية والنهاية»، ذكر فيه قصص الأنبياء والأمم الماضية على ما جاء في القرآن الكريم والأخبار الصحيحة، ويبين الغرائب والمناكير والإسرائيليات، وهذا أيضا في الغالب، ثم يحقق السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى زمنه، ثم ينتقل إلى الفتن وأشراط الساعة والملاحم وأحوال الآخرة. قال ابن تغري بردي: «وهو في غاية الجودة». انتهى، وعليه يعول البدر العيني في تاريخه، يعني يعتني في تاريخه من تاريخ الإمام ابن كثير، وتاريخ البدر العيني اسمه «عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان»، وهو في سبعة أو نعم، سبعة أو أربعة وعشرين مجلدا. ثالثا: كتاب «التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجهولين»، جمع فيه كتابي شيخيْه المزي والذهبي، وهما: «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» و«ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، مع زيادات مفيدة في الجرح والتعديل. وهذا الكتاب «التكميل» في نسخة فيها نقص، يعني لم يكتمل الكتاب، نعم، كمل طباعته. رابعا: كتاب «الهدى والسنن في أحاديث المسانيد والسنن»، وهو المعروف بـ «جامع المسانيد»، جمع فيه بين مسند الإمام أحمد، والبزار، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، مع الكتب الستة: الصحيحين والسنن الأربعة، ورتبه على الأبواب. وهذا أيضا توجد منه نسخة في مكتبة الأوقاف في بغداد، وظهر أخرى كذلك في الرياض، ذكر هذا الشيخ الألباني رحمه الله. قال: خامسا: «طبقات الشافعية»، مجلد وسط، ومعه «مناقب الشافعي»، وقد طبعت منه طبعة لكن يعني كانت سيئة الطباعة، والله أعلم هل طبعت منه طبعة أخرى. سادسا: وخرج أحاديث أدلة «التنبيه» في فقه الشافعية. سابعا: خرج أحاديث «مختصر ابن الحاجب» الأصلي، يعني في أصول الفقه، وسماه «تحفة الطالب». ثامنا: شرع في شرح البخاري ولم يكمله، طبع منه قطعة في شرح فضائل القرآن. تاسعا: وشرع في كتاب كبير في الأحكام لم يكمل، وصل فيه إلى الحج، وكثير ما يذكر ذلك في تفسيره، ويقول: «قد بسطنا هذه المسألة في كتابنا الأحكام»، لكن ما طبع. عاشرا: واختصر كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، وهو هذا الكتاب. قال الحافظ العسقلاني: «وله فيه فوائد»، ذكر هذا الكتاب في «الدرر الكامنة»، أي الحافظ ابن كثير، الحافظ ابن حجر. الحادي عشر: مسند الشيخين، يعني أبا بكر وعمر. الثاني عشر والثالث عشر: السيرة النبوية مطولة ومختصرة، وهما مطبوعان، كتابه «الفصول في سيرة الرسول». ذكرهما في تفسيره في سورة الأحزاب في قصة غزوة الخندق، والمختصرة طبعت بمصر سنة ثمانين وخمسمائة وثلاثمائة وألف للهجرة، باسم «الفصول في اختصار سيرة الرسول». الرابع عشر: كتاب «المقدمات»، ذكره في مختصر مقدمة ابن الصلاح، وأحال عليه. الخامس عشر: مختصر كتاب «المدخل» البيهقي، كما ذكره في مقدمة هذه الرسالة. السادس عشر: رسالة في الجهاد، وهي مطبوعة، اسمها «الاجتهاد في طلب الجهاد». وفاته: قال صاحب «المنهل الصافي»: توفي في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، عن أربع وسبعين سنة. قال الحافظ ابن حجر: «وكان قد أضر»، يعني فقد بصره في آخر حياته، رحمه الله ورضي عنه. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخنا الإمام العلامة مفتي الإسلام، قدوة العلماء، شيخ المحدثين، الحافظ المفسر، بقية السلف الصالح، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير، القرشي، الشافعي، إمام أئمة الحديث والتفسير بالشام المحروس، فسح الله، فسح الله للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين أعلى قصده ومرامه. الحمد لله، والسلام على عباد الله الذين اصطفى. أما بعد، فإن علم الحديث النبوي، على قائله أفضل الصلاة والسلام، قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ قديما وحديثا، كالحاكم والخطيب، ومن قبلهما من الأئمة، ومن بعدهما من حفاظ الأمة. ولما كان من أهم العلوم وأنفعها، أحببت أن أعلق فيه مختصرا نافعا، جامعا لمقاصد الفوائد، ومانعا من مشكلات المسائل الفرائد. وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة أبو عمر بن الصلاح، تغمده الله برحمته، من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، ربما عني بحفظه بعض المهرة من الشبان. سلكت وراءه واحتذيت حذاءه، واختصرت ما بسطه، ونظمت ما فرطه. وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري، شيخ المحدثين، وأنا بعون لا أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي، المسمى بـ «المدخل إلى كتاب السنن». قال: واختصرته أيضا بنحو من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان عليه الاتكال. قال: ذكر أنواع الحديث: صحيح، وحسن، وضعيف، ومسند، ومتصل، ومرفوع، وموقوف، ومقطوع، ومرسل، ومنقطع، ومعضل، ومدلس، وشاذ، ومنكر، ما له شاهد، زيادة الثقة، الإفراد، المعلل، المضطرب، المدرج، الموضوع، المقلوب، معرفة من تقبل روايته، معرفة كيفية سماع الحديث وإسماعه، أنواع التحمل من إجازة وغيرها، معرفة كتاب الحديث وضبطه، كتابة الحديث وضبطه، كيفية رواية الحديث وشرط أدائه، آداب المحدث، آداب الطالب، معرفة العالي والنازل، المشهور، الغريب، العزيز، غريب الحديث ولغته، المسلسل، ناسخ الحديث ومنسوخه، المصحف إسنادا ومتنا، مختلف الحديث، المزيد في الأسانيد المرسل، معرفة الصحابة... إيش بعد عندكم؟ بعد المزيد في الأسانيد: المرسل الخفي، خفي المرسل، أنا سقطوا في هذه النسقة عندي: خفي المرسل. معرفة الصحابة، معرفة التابعين، معرفة كبار الرواة عن الأصاغر، المدبج، ورواية الأقران، معرفة الأخوة والأخوات، رواية الآباء عن الأبناء، عكسه يعني الأبناء عن الآباء، من روى عنه اثنان متقدم ومتأخر، من لم يروي عنه إلا واحد، من له أسماء ونعوت متعددة، المفردات من الأسماء، معرفة الأسماء والكنى، من عرف باسمه دون كنيته، معرفة الألقاب، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، نوع مركب من الذين قبله، نوع آخر من ذلك، من نسب إلى غير أبيه، الأنساب التي يختلف ظاهرها وباطلها، معرفة المبهمات، تواريخ الوفيات، معرفة الثقات والضعفاء، من خلط في آخر عمره، الطبقات، معرفة الموالي من العلماء والرواة، معرفة بلدانهم وأوطانهم. يعني هذه كلها من أنواع الحديث التي سيتكلم عليها في هذا الكتاب. قالوا: هذا التنويع للشيخ أبي عمر وترتيبه رحمه الله، يعني ابن الصلاح، قال: وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تنحصر يعني أقسام الحديث، أحوال الرواة وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها. قال: قلت، ما القائل؟ أه؟ ابن كثير، نعم. قال: قلت: في هذا كله نظر، بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر، إذ يمكن إدماج بعضها في بعض، وكان أليق مما ذكره، يعني من هذه التفاصيل، أن يضم بعضه إلى بعض فتكون أقل من هذا العدد. قال