التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 5

الدرس في التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الافتتاحية والحمدلة والصلاة على النبي

يستهل المتحدث الدرس بحمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، مقدمةً معتادةً للدروس الشرعية.

مكانة مسند الإمام أحمد ومنزلة كتب السنن والمسانيد

يوضح أن مسند الإمام أحمد يشتمل على الصحيح والضعيف والموضوع فلا يوصف بالصحيح جملة، ويقارنه بكتب السنن مبيناً تفوق السنن لترتيبها الفقهي وأفضلية مسند أحمد على سنن ابن ماجه، مع ذكر نماذج من المسانيد الأخرى.

مراتب كتب السنن والتعليقات في الصحيحين وتلقي الأمة لهما

يرتب كتب السنن بعد الصحيحين مقدماً الترمذي ثم أبي داود فالنسائي ثم ابن ماجه، ويشرح الفرق بين التعليقات الجازمة والتعريضية في صحيح البخاري، ويناقش تلقي الأمة لصحيحي البخاري ومسلم بالقبول وما يفيد من القطع بصحتهما.

تعريف الحديث الحسن وانتقاد تعريفات الخطابي والترمذي

يؤكد القطع بصحة ما في الصحيحين وتلقي الأمة له، ثم ينتقل لتعريف الحديث الحسن ومكانته في الاحتجاج، منتقداً تعريف الخطابي لعدم الضبط، ومبيناً أن تعريف الترمذي يقصد الحسن لغيره مع ملاحظات على كليهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: مسند الإمام أحمد. قال: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني، له كتاب اسمه "الخصائص" عن مسند الإمام أحمد أنه صحيح، قال: فقول ضعيف. قال: فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مصر وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما نبه عليه طائفة. كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ. يعني إطلاق أنه صحيح، بمعنى أن كل ما فيه صحيح، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه فيه أحاديث ضعيفة، بل وكما ذكر كذلك موضوعة، وإن كانت قليلة نحو ثلاثة أحاديث، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله. وقوله: "البرث الأحمر عند حمص"، إشارة هنا في أحمد شاكر في التعليق، نقل عن العراقي في شرحه لكتاب ابن الصلاح، قال: أما وجود الضعيف فيه، يعني مسند أحمد، فهو محقق، بل فيه أحاديث موضوعة، وقد جمعتها في جزء، وقد ضعف الإمام أحمد نفسه أحاديث فيه، إلى أن قال: وحديث أنس: "عسقلان أحد العروسين" إلى آخره، يعني بيّن فيه أن فيه أحاديث ضعيفة. والحافظ ابن حجر رحمه الله دافع عن مسند الإمام أحمد في رسالة سماها "القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد". وكذلك أيضًا شيخ الإسلام في كتابه ورسالته "التوسل والوسيلة"، قال: إن كان المراد بالموضوع ما في سنده كذاب، فليس في المسند من ذلك شيء، وإن كان المراد ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم لغلط راويه وسوء حفظه، ففي المسند والسنن من ذلك كثير. على كل، فمسند الإمام أحمد ليس كل ما فيه صحيح، بل فيه الصحيح، وفيه الضعيف، بل وكذلك الموضوع. إذن إطلاق اسم الصحيح على مسند الإمام أحمد ليس بصحيح. قال: ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا، مع أنه لا يوازيه مسند في كثرته وحسن سياقته، نعم، أحاديث كثيرة جدًا، مثل حديث أم زرع، هذا لم يذكره الإمام أحمد في مسنده. بل قد قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين، قريبًا من مئتين، يعني لم يخرج حديث مئتين صحابي ممن أخرج لهم البخاري ومسلم. هكذا قال. لكن علق أحمد شاكر في الحاشية، فقال: في هذا غلو شديد، بل نرى أن الذي فات المسند من أحاديث شيء قليل، وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويًا عنده معنى من حديث صحابي آخر. فلو أن قائل قال: إن المسند قد جمع السنة وأوفى بهذا المعنى، لم يبعد عن الصواب والواقع. والإمام أحمد قال لابنه عبد الله، راوي المسند عنه: احتفظ بهذا المسند، فإنه سيكون للناس إمامًا. وقال: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا. قال: فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة. قال الذهبي: هذا القول منه على غالب الأمر، وإلا فبعض أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند. نعم، الأمر كما قال الإمام الذهبي رحمه الله. على كل، فمسند الإمام أحمد يعتبر من الكتب الجامعة لجملة كبيرة من الأحاديث، وفيها كذلك من الصحيح شيء كثير، ولهذا كان العلماء يعتنون به في مسند الإمام أحمد. حتى ذكر أحمد شاكر في مقدمته لمسند الإمام أحمد أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن القيم، كانوا يحفظون مسند الإمام أحمد، وتجدون كثيرًا ما يستدلون بأحاديث في مسند الإمام أحمد. الإمام الكثير تجدوا مثلًا يذكر الحديث بسنده في مسند الإمام أحمد، ثم يقول: أخرجاه في الصحيحين، وأخرجه البخاري، أو كذا. وهكذا أيضًا يكثر شيخ الإسلام رحمه الله من الاستدلال بالأحاديث في مسند الإمام أحمد. طيب. قال: الكتب الخمسة وغيرها. قال: وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي، أحمد بن محمد بن أحمد، والسلفي نسبة إلى سلفة، لقبل أحد أجداده، وهو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد، أحد الحفاظ الكبار. قال في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي: أنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب. تساهل منه، وقد أنكره ابن الصلاح وغيره، يعني أنكروا هذه العبارة منه. وهنا علق في الحاشية أحمد شاكر، قال: أجاب العراقي بأن السلفي إنما قال بصحة أصولها، كما ذكره في مقدمة الخطاب، إذ قال: وكتاب أبي داود أحد الكتب الخمسة التي اعتمد أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها. انتهى كلامه. قال العراقي: ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحًا. إذن كلام أبي طاهر السلفي هو في صحة أصول هذه الكتب، في صحة أصول هذه الكتب، ولا يلزم من ذلك، ما قال العراقي، أن يكون كل ما فيه صحيح. لا يلزم أن يكون كل ما فيه صحيح. قال: قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة، أعلى رتبة من كتب المسانيد، يعني السنن أعلى رتبة من كتب المسانيد. هذا في الغالب، وإلا فمسند الإمام أحمد مثلًا يفوق سنن ابن ماجه. سنن ابن ماجه تعتبر من أدنى كتب السنن منزلة، لكثرة ما فيها من الضعيف، فمسند الإمام أحمد يفوق سنن ابن ماجه. قال: كمسندي عبد بن حميد، ومسند عبد بن حميد لم يوجد منه إلا المنتخب. طبعًا المسانيد تعتني بترتيب الأحاديث على مسانيد الصحابة، يعني يذكر الصحابي وما لهم من الأحاديث، مثلًا مسند أبي بكر ثم يذكر أحاديث أبي بكر، مسند عمر ثم يذكر أحاديث عمر، مسند عثمان، مسند علي، وهكذا جاء سائر الصحابة. أما السنن فإنها تكون مرتبة على الأبواب الفقهية، تكون مرتبة على الأبواب الفقهية: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الصيام، إلى آخره. قال: والدارمي، أي مسند الإمام الدارمي، ومسند الإمام الدارمي في حقيقته هو سنن، هو سنن؛ لأنه مرتب على الأبواب الفقهية، لكن لعله سماه بذلك. قال: وأحمد بن حنبل، وهو كذلك مسند الإمام أحمد، مرتب على أحاديث الصحابة. قال: وأبي يعلى والبزار، هو يعتني بذلك، الكلام على الرجال والعلل. قال: وأبي داود الطيالسي، هو سليمان بن داود، ومسند أبي داود الطيالسي في الحقيقة هو ما ألف المسند، وإنما بعضهم جمع رواية يونس بن حبيب عنه، فنسب إليه رواية يونس بن حبيب عن أبي داود الطيالسي، فجعل في مصنف سُمّي بمسند أبي داود الطيالسي. قال: والحسن بن سفيان، وهو الفسوي، له كتاب المعرفة والتاريخ. وإسحاق بن راهويه أيضًا له مسند. وعبيد الله بن موسى، وهو أنباذان، قيل: هو أول من ألف مسندًا في الكوفة. وأما في البصرة، فقال: أول من ألف مسند في البصرة فهو مسدد. قال: وغيرهم، لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه. طيب، إذن في الجملة كتب السنن تعتبر من أصح الكتب بعد الصحيحين. هذا في الجملة، وإلا فكما سمعتم: مسند الإمام أحمد يعتبر مقدم على سنن ابن ماجه، ويعني بحيث الترتيب: الصحة بعد البخاري، بعده مسلم، ثم سنن الترمذي؛ لأنه يعتني بذكر العلل وإعلال الأحاديث في أكثر الأوضاع وأكثر الأحيان، ثم سنن أبي داود، ثم النسائي، ثم ابن ماجه. سنن ابن ماجه تعتبر في أدنى الدرجات، لكثرة ما فيها من الضعيف. قال: التعليقات التي في الصحيحين. قالوا: تكلم الشيخ ابن الصلاح على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضًا، لكنها قليلة. قيل إنها أربعة عشر موضعًا، وقيل أقل من ذلك، ذكر بعضهم أنها اثنا عشر موضعًا. بخلاف صحيح البخاري فهي أكثر، واعتنى بها الحافظ ابن حجر رحمه الله، حتى ألف كتابه "تغليق التعليق"، قام بوصل هذه الأحاديث المعلقة. قال: وحاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح، إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك. وما كان منها بصيغة التعريض، فلا يستفاد منها صحة، ولا تنافيها أيضًا؛ لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم. يعني المعلقات في صحيح البخاري على قسمين: القسم الأول أن يكون بصيغة الجزم، كان يقول: قال، وذكر، وروى، وجاء، وعن، هذه صيغ جزم، فهذه يحكم لها بالصحة. إذا رأيت حديثًا معلقًا في صحيح البخاري بصيغة الجزم، فاعرف أنه صحيح، وأن الإمام البخاري علقه لقصد ولغاية، إما لأجل الاقتصار، وإما لأنه ليس على شرطه، هو صحيح لكن ليس على شرطه الذي اشترطه في هذا الكتاب، فعلقه أو نحو ذلك. وما كان منها بصيغة التعريض: روى، ذكر، قيل، ونحو ذلك من هذه الصيغ، فهذا الغالب، الغالب أنه يكون ضعيفًا، ليس بصحيح، وقد يكون صحيحًا. ولهذا كما قال هنا: لا يستفاد منها الصحة ولا تنافيها، قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا، وكان الغالب أنه يكون عنده ضعيف. وكذلك قد يوجد ما يكون صحيحًا، بل وجد ما كان كذلك وهو في صحيح مسلم، يعني ذكره بصيغة التعريض وهو في صحيح الإمام مسلم. قال: قال: وما كان من التعليقات صحيحًا، فليس من نمط الصحيح المسند فيه. يعني ما كان من حديث معلق وهو صحيح في صحيح البخاري، ليس حكمه كحكم الأحاديث الصحيحة؛ لأنه قد وسم كتابه، يعني سماه وجعل علامته بهذا الاسم، قال: "بالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه". وما لم يكن مسندًا متصلًا، فلا يكون ماذا؟ لا يكون مما هو داخل في معنى هذا الكتاب، أو فيما وسمه بهذا الوسم وهذا الوصف. ولأن الذين أيضًا يعني انتقدوا بعض أحاديث الصحيحين، لم ينتقدوا المعلقات. وهكذا أيضًا الذين جمعوا أحاديث البخاري ومسلم وعدوها، لم تعد المعلقات؛ لأنها لا تعتبر من أحاديث الكتاب. قال: فأما إذا قال البخاري: قال لنا، أو قال لي فلان كذا، أو زادني، ونحو ذلك، فهي متصل عند الأكثر، فهو متصل عند الأكثر، يعني له حكم الاتصال. قال: وحكم ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضًا، أيضًا يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، يعني يذكره في الشواهد، لا أنه أصل يعتمد عليه. قال: ويكون قد سمعه في المذاكرة. وقد رده ابن الصلاح. إن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال: إذا قال البخاري: وقال لي فلان، فهو مما سمعه عرضًا ومناولة. إذا قال البخاري: قال لي فلان، فهو مما سمعه عرضًا ومناولة، مما عرضه على الشيخ، فيروي عنه بقوله: قال لي فلان، أو إذا ناوله الكتاب، فيروي عنه بقوله: قال لي فلان. وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي، حيث قال فيه البخاري: وقال هشام بن عمار، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار. حديث هشام بن عمار، أي حديث مالك الأشعري مرفوعًا: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». فالإمام البخاري ذكر هذا الحديث بقوله: قال هشام بن عمار، وهشام بن عمار هو شيخ البخاري، هو شيخ البخاري. فحكم ابن حزم على الحديث بالانقطاع، وضعف هذا الحديث، وأخطأ في ذلك رحمه الله، والحديث موصول عند أهل السنن. قال: قلت، أي من كثير، وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وغير واحد، مسندًا متصلًا إلى هشام بن عمار، وشيخه أيضًا، كما بيناه في كتاب الأحكام، ولله الحمد. والإمام ابن حزم رحمه الله له بعض الأوهام والأخطاء في الحكم على الرجال، وتجهيله لبعضهم ممن هو معروف مشهور، مثل الإمام الترمذي، الإمام الترمذي جهله ابن حزم، قال: مجهول، قال: مجهول. واعتذر له أهل العلم بأن ابن حزم لم يكن عنده سنن الترمذي ولا سنن ابن ماجه، ولهذا قال في الترمذي: مجهول، وهكذا. اعتذر له الإمام الذهبي رحمه الله. قال: ثم حكى، أي ابن الصلاح، أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، يعني البخاري ومسلم، سوى أحرف يسيرة، يعني أحاديث معدودة انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره وغيره. قال: ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظن صحته ووجب عليها العمل به، لا بد أن يكون صحيحًا في نفس الأمر. وهذا جيد. قال: وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محي الدين النووي، وقال: لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك. قلت: أي من كثير، أنا مع ابن الصلاح فيما أول عليه وأرشد إليه، والله أعلم. يعني من إفادة أحاديث الصحيحين اليقين والعلم. وهكذا كل ما تلقته الأمة بالقبول، سوى كان في الصحيحين أو خارج الصحيحين، فإنه يجب العمل به، ويجزم بصحته وثبوته إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا قول جمهور أهل العلم، وعلى جهة الخصوص ما يتعلق بأحاديث الصحيحين. ولي الشيخ تعليق جيد في الأسفل بهذه المسألة، يحسن قراءته. قال حاشية: ثم وقفت بعد هذا على كلامي لشيخنا العلامة ابن تيمية، هو شيخ الإمام الكتاني رحمه الله، مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة، نقل يعني أقوال عن الأئمة أنهم جزموا بالقطع بالصحة بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، ومنها أحاديث الصحيحين؛ فإن الأمة قد تلقتها بالقبول. قال: منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، قال: والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وأبو حامد، وأبو يعلى، وأبو الفراء، وأبو الخطاب، وأبو الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية. قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم، كأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي بكر بن فورك. قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطًا، ووافقه فيه هؤلاء الأئمة. ومن باب الفائدة: الإمام الكتاني رحمه الله له ثلاثة مشايخ أئمة: شيخ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وهو أيضًا من تلاميذة ابن تيمية، والإمام المزي، والإمام المزي صاحب كتاب "تهذيب الكمال"، وتزوج الإمام الكتاني بابنة المزي. قال: النوع الثاني: الحسن. قال: وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور، يعني يحتج بالحديث الحسن كما يحتج بالحديث الصحيح عند جمهور أهل العلم. بل بعضهم يذكره مع الصحيح، كابن حبان وابن خزيمة، أدخلوا الحسن مع الصحيح. قال: وهذا النوع، لما كان وسطًا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، لا في نفس الأمر، لا في نفس الأمر؛ لأنه يعتبر من قسم الصحيح، هو أرفع من الضعيف، لكن يعني كونه وسطًا بمعنى أنه أنزل من الصحيح وأرفع من الضعيف، صار وسطًا بين الصحيح والضعيف. قال: عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، يعني في تعريف الحديث الحسن، حتى اختلف أهل العلم في تعريفه إلى نحو أربعين قولًا. قال: وذلك لأنه أمر نسبي، يعني بين نسبته إلى الضعيف، الصحيح شيء ينقشع عند الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه. قال: وقد تجشم، يعني تكلف، كثير منهم حده. فقال الخطابي، وهو حمد بن محمد بن إبراهيم، المشهور بأبي سليمان الخطابي، صاحب كتاب "أعلام السنن": قال: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. عرف الإمام الخطابي الحديث الحسن بهذا التعريف: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. قول: ما عرف مخرجه، مخرج الحديث هو الراوي الذي تلتقي إليه الأسانيد، الذي تلتقي إليه الأسانيد، يسمى يقال: مخرج الحديث فلان، يعني يروى الحديث من طرق عن فلان عن فلان، يأتي إلى هذا الراوي، ثم السند الآخر عن فلان عن فلان إلى هذا الراوي. يعني مثلًا: محمد بن سيرين، جاء من طريق أولى وثانية وثالثة ورابعة، كل الطرق تجتمع عند محمد بن سيرين، فيقال: مخرج هذا الحديث هو محمد بن سيرين. قال: واشتهر رجاله، يعني يكون رجاله مشهورين معروفين. وعليه مدار أكثر الحديث، يعني أكثر الأحاديث أنها حسنة. طيب، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. هكذا قال في تعريف الحسن. قلت: أي من كثير، فإن كان المعرف هو قوله: أو المعرف هو قوله: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، فالحديث الصحيح كذلك أيضًا، حيث الصحيح يعرف مخرجه ويشتهر رجاله. بل والضعيف يعني كذلك يعرف مخرجه، رغم أن رجاله مشهورون، بل حتى الحديث الضعيف أحيانًا يعرف مخرجه. قال: وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، يعني من تمام التعريف، فليس هذا الذي ذكره مسلَّمًا له أن أكثر الأحاديث من قبيل الحسان، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. ومعلوم أن التعريف لا بد للحد أن يكون جامعًا مانعًا، خاليًا من الإسهاب، بحيث أنه يبين معنى هذا الشيء معنى واضحًا، لا يدخل فيه ما ليس من غيره، ولا أيضًا ينسى شيئًا مما ينبغي أن يذكر. وهذا التعريف الذي ذكره لا ينطبق على الحديث الحسن، ولا كذلك أيضًا يقتص به، بل يدخل فيه الصحيح، بل والضعيف، بل الموضوع. إذن هذا التعريف غير صحيح. قال: تعريف الترمذي للحديث الحسن. قال ابن الصلاح: روينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثًا شاذًا، ويروى من غير وجه، نحو ذلك. يعني أن الترمذي عرف الحسن بهذا التعريف: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، وهو الذي عرف عنه الكذب في حديث الناس، ولا يكون حديثًا شاذًا، في شذوذ مخالفة لأوثق أول منه، أول منه، ويروى من غير وجه، يعني من غير طريق، نحو ذلك، أي على هذا الوصف. قالوا: هذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله، ففي أي كتاب له قاله؟ وأين إسناده عنه؟ هكذا يقول ابن الصلاح رحمه الله. وعلق أحمد شاكر في الحاشية أن هذا رده العراقي في شرحه، وقال: هذا الإنكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع، يعني في آخر جامع الترمذي للإمام الترمذي، في آخر الجامع كتاب العلل، ذكر هذا الكلام. نعم. قال: وإن كان فهم من اصطلاحه في كتابه الجامع، فليس ذلك بالصحيح؛ فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. نعم، الإمام الترمذي رحمه الله أراد بالتعريف الحسن: الحسن لغيره، أراد تعريف الحسن لغيره؛ لأنه قال: ويروى من غير وجه، نحو ذلك. والإمام الخطابي أراد أن يعرف الحسن لذاته. وإن كان يعني كل التعريفين أيضًا فيهما ما فيهما من عدم الضبط، وكذلك أيضًا التدقيق في التعريف الذي يميزه عن غيره، يميزه عن غيره. طيب، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.