الدرس في التعليق على الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع تعريفات خمسة أنواع من الحديث المتعلقة بالإسناد والمتن، مبيناً خلاف العلماء في تعريف المسند وراجحاً قول الحاكم بأنه المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما يفرق بين المتصل والمرفوع والموقوف والمقطوع مع الإشارة إلى اصطلاحات المحدثين في تسمية المرفوع خبراً والموقوف والمقطوع أثراً.
يبيّن المقطع الفرق بين المقطوع والمنقطع مع خلاف المصطلحات، ثم يستعرض أحكام أقوال الصحابة مثل «كنا نفعل» و«أمرنا» وأنها في حكم المرفوع عند الجمهور. ويختم ببدء تعريف المرسل وصورته عند ابن الصلاح مع نقد التمثيل بعبيد الله بن عدي.
يشرح المقطع تعريف الحديث المرسل عند المحدثين بأنه رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، مبيناً خلاف العلماء في الاحتجاج به وضعف الجمهور له. ويرى الشافعي قبول مراسيل كبار التابعين إذا اعتضدت بغيرها، والراجح عند المحققين ضعفه وعدم الاحتجاج به إلا في حالات الضرورة.
ينقل الشافعي أن مراسيل غير كبار التابعين مردودة باتفاق أهل الحديث، ولا يعلم أحداً قبلها. ويختتم الدرس على أن يكمل في المرة القادمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: النوع الرابع: المسند. قال الحاكم: وهو ما اتصل إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الخطيب: هو ما اتصل إلى منتهى، يعني: سواء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره. وحكى ابن عبد البر أنه المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متصلا أو منقطعا. قال: فهذه أقوال ثلاثة، يعني: بتفسير المسند. التفسير الأول: تفسير الحاكم، أنه ما اتصل إسناده إلى رسول الله، يعني: يشترط في المسند أن يكون متصلا السند، وأن يكون مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والخطيب اشترط الاتصال فقط في السند، ما اتصل إلى منتهى، ولم يشترط أن يكون مرفوعا، سواء كان إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي. والإمام ابن عبد البر جعل المسند هو المروي عن رسول الله، يعني: ما كان مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان متصلا أو منقطعا. وأصح هذه الأقوال قول الحاكم رحمه الله: أن المسند هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشترط في المسند اتصال السند، ويشترط أن يكون مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وأما تفسير الخطيب أو تعريف الخطيب فهو تعريف المتصل كما سيأتي. قال: النوع الخامس: المتصل، ويقال له الموصول أيضا. وهو ينفي الإرسال والانقطاع، يعني: كون الحديث متصلا لا يكون مرسلا أو منقطعا؛ لأن فيه سقطا، والاتصال ينافي السقط في السند. قال: ويشمل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والموقوف على الصحابي أو من دونه، يعني: كالتابعي، وهذا هو الصواب. وعليه ينطبق تعريف الخطيب: وهو ما اتصل إلى منتهى، ما اتصل إلى منتهى يعني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابي أو إلى التابعي، فيسمى متصلا. إذن الفرق بين المتصل والمسند: ما هو المسند؟ المسند لابد أن يكون متصل السند، ويكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما المتصل فيشترط اتصال السند فقط، ولا يشترط أن يكون مرفوعا. إذن نستطيع أن نقول: المسند يكون من مباحث السند ومن مباحث المتن، يعني: أن يكون الإسناد متصلا، ويكون مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم. وأما المتصل فينظر فيه إلى السند فقط، أن يكون متصل الإسناد، بغض النظر عن المتن: هل هو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابي أو إلى التابعي. قال: النوع السادس: المرفوع. قال: وما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا عنه، أو تقريرا، أو صفة خلقية أو خلقية. المرفوع: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره، هذا يسمى المرفوع. والحافظ في النخبة عرف المرفوع بقوله: «مرفوع صحابي ظاهره الاتصال». مرفوع صحابي ظاهره الاتصال. نعم، إذا قال الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يسمى حديثا مرفوعا. وهكذا إذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، قال الصحابي: فعلنا كذا والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، أو يرانا، أو نحو ذلك، هذا أيضا يسمى مرفوعا. قال: وسواء كان متصلا أو منقطعا أو مرسلا، يعني: لا يشترط في المرفوع الاتصال، اتصال السند. قد يكون الحديث متصلا، وحينئذ يجتمع ماذا؟ المسند والمرفوع. إذا كان متصلا أو منقطعا، قد يكون منقطعا لك سقط، يسمى مرفوعا، يسمى حديثا مرفوعا. أو مرسلا: إذا قال التابعي: قال رسول الله، هذا حديث مرفوع، وإن كان من حيث السند هو مرسل. قال: ونفى الخطيب أن يكون مرسلا، فقال: «وما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقول الخطيب هذا غير صحيح، وبعضهم اعتذر له بأنه أراد الغالب، أراد الغالب. إذن الحديث المرفوع لا يشترط فيه ماذا؟ اتصال السند، لا يشترط فيه اتصال السند، قد يكون السند متصلا، وقد يكون منقطعا أو معضلا أو مرسلا. قال: النوع السابع: الموقوف. قال: ومطلقه يختص بالصحابي، يعني: إذا قيل: هذا حديث موقوف، فيكون على الصحابي. قال: «ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيدا»، يعني: من دون الصحابي كالتابعي، فما يقال: هذا حديث موقوف لقول تابعي، كابن سيرين مثلا، أو محمد بن المنكدر، أو سعيد بن المسيب، إلا مقيدا. لك أن تقول: هذا موقوف لسعيد بن المسيب، أو موقوف لابن سيرين، تقيده، أو موقوف لمحمد بن المنكدر مقيدا، لا بأس. أما إطلاق الموقوف، فهذا لا يطلق إلا على حديث الصحابي. قال: «وقد يكون إسناده متصلا وغير متصل»، يعني: لا يشترط في الموقوف الصحة، قد يكون الموقوف صحيحا متصل السند، وقد يكون ضعيفا أو منقطعا أو معضلا. وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضا أثرا، يعني: يسمون حديث الصحابي أثرا، الموقوف. وعزاه ابن الصلاح إلى الخراسانيين، أنهم يسمون الموقوف أثرا. وأكثر المتأخرين الآن يطلقون الأثر على المقطوع، والمرفوع يطلقون الأثر على المقطوع والموقوف، ويسمون المرفوع خبرا، يسمون المرفوع خبرا أو حديثا. قال: وبلغنا عن أبي القاسم الفوراني، وهو عبد الرحمن بن محمد المروزي الشافعي، أنه قال: «الخبر ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر ما كان عن الصحابي». الخبر ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأثر ما كان عن الصحابي أو من دونه، كقول التابعي أو تابع التابعي. يعني: مثلا هناك أثر عن إمام مالك، قال: أثر عن إمام مالك أنه قال كذا. الإمام مالك من طبق التابعين. قال: قلت: ومن هذا يسمي كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا ولهذا، يعني: الجامع للمرفوع والموقوف، بالسنن والآثار. السنن: يعني ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام، والآثار: ما روي عن الصحابة ومن دونهم، ككتابي السنن والآثار للطحاوي والبيهقي. كتاب السنن والآثار للطحاوي، وكذا السنن والآثار للإمام البيهقي رحمه الله، فذكروا في هذين الكتابين أحاديث مرفوعة وآثارا موقوفة ومقطوعة: موقوفة على الصحابي، ومقطوعة على التابعي. قال: النوع الثامن: المقطوع. قال: وهو الموقوف على التابعين قولا أو فعلا، وهو الموقوف على التابعين قولا أو فعلا، يعني: ما أضيف إلى التابعي من قوله أو فعله، فيسمى مقطوعا. قول ابن سيرين مثلا: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، قال: هذا أيش؟ حديث مقطوع، من قول ابن سيرين. قال: وهو غير المنقطع، يعني: المقطوع غير المنقطع. ما الفرق بينهما؟ المنقطع: من مباحث الإسناد، والمقطوع: من مباحث المتن. المقطوع من مباحث المتن، والمنقطع من مباحث الإسناد. قال: وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني إطلاق المقطوع على منقطع الإسناد غير الموصول. الشافعي والطبراني، وهكذا أيضا الدارقطني، وجد في كلامهم إطلاق المقطوع على المنقطع، يعني: سموا المنقطع مقطوعا. وبعضهم عكس، وأطلق المنقطع على المقطوع، كأبي بكر البردعي، كما في كتاب توضيح الأفكار، أطلق المنقطع على المقطوع. والصحيح أن المقطوع يتعلق بالمتن، والمنقطع يتعلق بالإسناد. قال: وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على قول الصحابي: «كنا نفعل أو نقول كذا»، إن لم يضف إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: قول الصحابي: كنا نفعل أو نقول كذا، ولم يقل: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا له حكم الرفع أم لا؟ فقال أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي، أبو بكر البرقاني هو من شيوخ الخطيب رحمه الله، قال: أنه من قبيل الموقوف. وحكم النيسابوري برفعه، النيسابوري: الإمام الحاكم، الإمام الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، صاحب المستدرك. وإذا أطلق النيسابوري، فالمقصود به الحاكم. قال: وحكم النيسابوري برفعه؛ لأنه يدل على التقرير. ورجحه ابن الصلاح. نعم، وهذا هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم: على أن قول الصحابي: كنا نفعل أو نقول كذا، أو كنا نؤمر أو ننهى، فهذا له حكم الرفع؛ لأن الآمر والناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومن هذا القبيل قول الصحابي: كنا لا نرى بأسا بكذا، أو كانوا يفعلون أو يقولون أو يقال كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه من قبيل المرفوع. نعم. قال: وقول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، مرفوع مسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، يعني: له حكم الرفع؛ لأن الآمر والناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام. لما يقول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، مباشرة يعني يقع في الذهن أن الآمر هو النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الناهي هو النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا قول أكثر أهل العلم. مثله أيضا: «أحل لنا وحرم علينا»، أيضا له حكم الرفع. قول ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان»، الصحيح أنه موقوف من قوله، والمرفوع ضعيف، لا يصح، في عبد الرحمن بن زيد ضعيف. وهذا الموقوف له حكم الرفع في قول أكثر أهل العلم؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، ينصرف الحل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أنه هو الذي أحل لهم، أو هو الذي حرم عليهم. قال: وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي. نعم، بعضهم نقل الإجماع على أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، أن له حكم الرفع، لكن هناك خلاف، هناك خلاف في المسألة، وإن كان الراجح أن له حكم الرفع. قال: خالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي. وكذا الكلام على قوله: «من السنة كذا». وقول أنس: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». وقول أنس: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة»، نعم، يعني: هذا له حكم الرفع، أمر بلال، من الذي أمره؟ النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وما قيل من أن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سبب نزول أو نحو ذلك. يعني: من قال بأن تفسير الصحابي له حكم الرفع، هذا ليس على إطلاقه، ليس على إطلاقه. لماذا؟ لأن الصحابة اجتهدوا، اجتهدوا وفسروا القرآن بما لم يجدوا فيه بكتاب الله أو سنة رسول الله، باللغة العربية، فلهم اجتهادات. لكن إذا كان التفسير يتعلق بسبب النزول، إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا وكذا، فهذا له حكم الرفع، له حكم الرفع. أما مجرد التفسير بغير سبب النزول، فهذا محل اجتهاد. نعم، وأيضا ذكر أهل العلم أن الصحابي قد يكون حديثه له حكم الرفع بشروط. الشروط: الأول: أن يكون ما ذكره هذا الصحابي لا مجال للاجتهاد فيه، لا مجال للاجتهاد فيه، كان يذكر شيئا من أمور الأمم السابقة، أو شيئا سيقع في المستقبل، أو شيئا من أمور الآخرة. والشرط الثاني: أن لا يعرف بالأخذ بالإسرائيليات، أن لا يكون هذا الصحابي ممن يروي الإسرائيليات، فيحتمل أن يكون هذا الذي أخبر به مما أخذه من كتب الإسرائيليات. نعم، فإذا كان كذلك، فهنا يكون له حكم الرفع، وقال: هذا قول هذا الصحابي له حكم الرفع. أما إذا عرف أنه يروي الإسرائيليات، فهذا لا يكون له حكم الرفع، بل يتوقف فيه، باحتمال أن يكون ممن أخذه عن بني إسرائيل أو كذا. إذا كان فيه مجال الاجتهاد، باحتمال أن يكون اجتهد في ذلك، فقال بهذا القول. قال: وأما إذا قال الراوي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو ينميه، أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع، صريح في الرفع، والله أعلم. نعم، إذا قال الراوي عن الصحابي: قال مثلا محمد بن المنكدر عن جابر: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينميه، أو يرفع الحديث، هذا له حكم الرفع. قوله: يرفع الحديث، أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينميه، أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو يبلغ به، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الألفاظ لها حكم الرفع عند أهل الحديث. قال: النوع التاسع: المرسل. قال ابن الصلاح: وصورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما، وأمثالهما. إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعضهم انتقد عليه التمثيل بعبيد الله بن عدي بن الخيار، لماذا؟ لأن منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله، لأن بعضهم ذكره في الصحابة، بعضهم ذكره في الصحابة. ذكر عبيد الله بن عدي بن الخيار في الصحابة، منهم الحافظ، ذكره في كتابه الإصابة أنه صحابي، أن ذكر الحافظ في الإصابة عن الثقات أن له رؤية، أي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون صحابيا. وبعضهم ذكره في طبقة كبار التابعين، كابن حبان في كتابه الثقات، وابن منده كذا ذكره في الصحابة. بهذا يعترض بعضهم على ذكره في هذا المثال. على كل، هو يريد أن الحديث المرسل هو رواية التابعي الكبير الذي أكثر وأغلب روايته عن الصحابة، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون له حكم الرفع، يكون له حكم الرفع، يكون أقصد حديثا مرسلا، يكون هذا الحديث مرسلا. قال: والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك، يعني: الصغار والكبار، لا يخص المرسل برواية الكبار فقط، بل حتى الصغار، حتى التابعي الصغير. قال: وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا، والصواب أنه يعد مرسلا. قال: ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين، والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم، والصحيح ما ذكره الحاكم: أن المرسل يختص بالتابعين، يعني: برواية التابعي، إذا قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا مرسل. إذا قال ابن سيرين: قال رسول الله، هذا مرسل، أو قال محمد بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل. وغيرهم كذلك يتوسعون في إطلاق لفظ المرسل، كما عند أهل الأصول، كما سيأتي. قال: قلت: قال أبو عمر بن الحاجب في مختصره في أصول الفقه، مختصر ابن الحاجب: «المرسل: قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». قول غير الصحابي، فيشمل التابعي ومن دون التابعي. إذن يتوسعون في إطلاق لفظ المرسل: قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا يجعلون الحديث المعضل من المرسل، من حيث المعضل من المرسل، عن رواية تابع التابعي ومن دونه، معضلة؛ لأنه سقط اثنان أو أكثر فيما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وما هذا يسمونه مرسلا، هذا باب التوسع. أما عند أهل الحديث فهو رواية التابع عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا ما يتعلق بتصوره عند المحدثين، وأما كونه حجة في الدين، يعني: هل يحتج بالحديث المرسل؟ عرفنا أن المرسل: رواية التابع عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فذلك يتعلق بعلم الأصول، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المقدمات، كتاب الإمام ابن كثير، هو مفقود. قال: وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه، أي: الصحيح، صحيح مسلم، أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة. وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث، يعني: جمهور المحدثين على أن المرسل لا يحتج به، وأنه من قسم الضعيف. قال: وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم. لماذا؟ لأن المرسل فيه سقط، لما يقول التابعي: قال رسول الله، طيب، من رواه؟ الذي يروي عنه هذا التابعي؟ فيحتمل أن يكون تابعي آخر، وقد يكون أكثر من واحد، ولا نعرف حال هذا الساقط: هل هو ثقة أو ضعيف؟ فلأجل هذا حكم أهل الحديث بضعف الحديث المرسل. قال: قال: والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة، والله أعلم. يعني: الاحتجاج بالمرسل مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة. واشترط الإمام مالك في الحديث المرسل حتى يحتج به، كما ذكر ابن عبد البر: أنه إذا كان لا يرسل إلا عن ثقة، إذا كان لا يرسل إلا عن ثقة. وأما أبو حنيفة فاشترط في المرسل أن يكون المرسل من أهل القرون الثلاثة المفضلة، من أهل القرون الثلاثة المفضلة. لماذا؟ قال: لأن بعدهم انتشر فيهم الكذب. والصحيح قول جمهور المحدثين: أن المرسل من قسم الضعيف. وأما كونه يعني قول الإمام مالك: أنه لا يرسل، أن يكون المرسل لا يرسل إلا عن ثقة، هذا لا يكفي، أنه قد يكون ثقة عنده وهو ضعيف عند غيره، ضعيف عند غيره. قال: قلت: ومحكي عن إمام أحمد بن حنبل في رواية، يعني: في رواية عن إمام أحمد الاحتجاج بالمرسل، والرواية الصحيحة عنه عدم الاحتجاج به، كقول أكثر أهل الحديث، إلا إذا كان يعني في الباب المروي أحاديث كلها ضعيفة، وفيها مرسل، فيكون المرسل أحسن حالا من غيرها، من الأحسن ضعيفة، أو أحسن من الرأي، أن يقول الإنسان برأيه، فيحتج بالمرسل. قال: أما الشافعي فنص على أن مرسلات سعيد بن المسيب حسان، قالوا: لأنه تتبعها فوجدها مسندة، والله أعلم. والصحيح أنها مرسلات سعيد بن المسيب كذلك كغيره، كغيره، يتوقف فيها للاحتمال، يعني: أن يكون الساقط ضعيفا، إلى آخر ذلك. قال: والذي عول عليه كلامه في الرسالة، أي: كلام الإمام الشافعي في كتابه الرسالة، أن مراسيل كبار التابعين حجة، إن جاءت من وجه آخر، ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لا يسمي إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، يعني: المتصل أقوى. يعني: أن الشافعي رحمه الله احتج بالمرسل إذا روي من طريق أخرى، أولا: إذا كان من مراسيل كبار التابعين، فيحتجوا بها. قال: أن مراسيل كبار التابعين حجة، نعم، إن جاءت من وجه آخر، يعني: من طريق أخرى، ولو مرسلة، يعني: عندنا حديث مرسل، وجاء من طريق آخر، متصل أو مرسل، لكن اختلف مخرج الحديث، اختلف مخرج الحديث، فهذا يعتضد مع هذا، ويرتقي إلى الحسن. قال: أو اعتضد بقول صحابي، يعني: إذا وجد قول صحابي يؤيد هذا المرسل، فلا بأس أن يحتج به. أو أكثر العلماء، يعني: قالوا بمقتضى هذا المرسل، كحديث مرسل عمر بن حزم في كتاب الصدقات والديات، حديث مرسل، لكن قال به أكثر العلماء، احتجوا به. أو كان المرسل لو سمى لا يسمي إلا ثقة، وهذا في الحقيقة لا يكفي، لأنه كما ذكرنا قد يكون ثقة عنده ضعيف عند غيره، كما كان إمام الشافعي يقول: حدثني الثقة، ويريد به إبراهيم بن أبي يحيى، هو كذاب، هو كذاب، لكن كان يوثقه، رحمه الله، هذا لا يكفي. فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل. قال الشافعي: وأما مراسيل غير كبار التابعين، فلا أعلم أحدا قبلها، يعني: أنها مردودة باتفاق أهل الحديث. طيب، نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.