الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 119، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن محبة العبد لربه تقاس بموافقة محاب الله ومساخطه، وأن الولاية الحقيقية هي موافقة الولي الحميد لا كثرة العبادات الشكلية. كما يقسم المحبوب لغيره إلى ما يُلتذ بإدراكه وما يُحتمل لأجل المحبوب الأعظم، محذراً من تقديم اللذة العاجلة على النعيم الآجل.
يشرح كيف يصبر المؤمن على الآلام والمكروهات طمعاً في ثواب الله، مقسماً الأعمال إلى أربعة أنواع: محبوب يؤدي لمحبوب، مكروه يؤدي لمكروه، مكروه يؤدي لمحبوب، ومحبوب يؤدي لمكروه. ويبين أن النفس تميل للعاجل بينما العقل والإيمان يختاران الأنفع والأبقى، مستشهداً بقول ابن القيم عن الصبر لأجل راحة طويلة.
يؤكد المتحدث على فناء مشاق الدنيا وعاقبة الراحة الأبدية في الجنة، مستشهداً بقول الإمام أحمد عن راحة المؤمن عند أول قدم في الجنة. ثم يبين أن أصل الأعمال الدينية محبة الله ورسوله، وأن الموالاة الصحيحة تستلزم البراءة من الشرك وأهله اقتداءً بإبراهيم، ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة فيما يتعلق بفصول ماتعة ومباحث حول الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولازال ابن القيم يتحدث حول هذه المباحث وهذه الفصول المتعلقة بالمحبة. وآخر ما تكلمنا عنه فصل بيّن فيه رحمه الله تعالى أن المحبوب على قسمين: محبوب لنفسه وذاته، وهذا هو الله تبارك وتعالى، وهناك محبوب لغيره. ويدخل فيه الملائكة والأنبياء، وهكذا الأعمال الصالحة، وهكذا الأماكن الطيبة كالمساجد ومكة والمدينة، وهكذا غيرها كالأزمنة كرمضان، وهكذا الأيام المباركة التي فيها فضائل عظيمة. فهذه وغيرها محبتها تابعة لمحبة الله عز وجل. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل ميزاناً عدلاً لموالاة الرب سبحانه وتعالى ومعاداته، فقال رحمه الله تعالى: «فهذا ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته، وموالاته ومعاداته. قال: فإذا رأينا شخصاً يحب ما يكرهه الرب تعالى، ويكره ما يحبه -أي ما يحبه الرب- علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك. وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب، ويكره ما يكرهه -أي الرب- قال: وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثر عنده». ومعنى «آثر عنده»: أي مقدم عنده على غيره. «وكلما كان أبغض إلى الرب كان أبغض إليه وأبعد منه. قال: علمنا أن فيه من موالاة الله ومحبته بحسب ذلك». إذن هذا هو الميزان: ما هو ميزان محبة العبد لله عز وجل؟ إذا أحب ما يحبه الله تبارك وتعالى، وأبغض ما يبغضه الله تبارك وتعالى، فهذا يدل على محبة هذا العبد لربه سبحانه وتعالى. والعكس بالعكس: فمتى ما حب العبد الأشياء التي يكرهها ربنا عز وجل ويبغضها ربنا سبحانه وتعالى، وبالمقابل كره ما يحبه سبحانه وتعالى، فهذا يدل على ضعف هذه المحبة، على ضعف هذه المحبة. قال رحمه الله تعالى: «فتمسك بهذا الأصل غاية التمسك في نفسك وفي غيرك». قال: «فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد». الولي الحميد، يعني به من؟ يا فاروق، من هو الولي الحميد؟ من هو الولي الحميد؟ أعيد العبارة: قال: «فتمسك بهذا الأصل غاية التمسك في نفسك وفي غيرك. قال: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد». موافقة من؟ الذي هو الولي الحميد؟ أحسن، هو الله عز وجل. «موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه». انتبهوا، هذا من الأمور المهمة جداً: إذا أحببت ما يحبه الله عز وجل، وكرهت وأبغضت ما يبغضه الله عز وجل، فهذا هو مضمون الولاية، فأنت ولي من أولياء الله عز وجل. قال: «ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تمزق ولا رياضة». ومر معنا حديث الولي، مر معنا حديث الولي، فما هو حديث الولي يا إخوان؟ علي، ما هو حديث الولي؟ حديث مشهور، هو حديث أبي هريرة في صحيح البخاري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى» -حديث قدسي- «يقول الله تعالى: من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب». «فقد آذنته بالحرب»، ماذا معنى «آذنته بالحرب»؟ يعني أعلمته أني محارب له، محارب له. «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب مما افترضت عليه» -أي بأداء الفرائض- «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هذا يسمى يا أبا أسامة، هذا الحديث يسمى بماذا؟ يسمى بحديث... نعم يا أبا موسى، أنت أبا موسى، نعم، هو حديث قدسي، يسمى بحديث الولي، مشهور بحديث... أين عمران؟ أين عمران موجود هنا؟ صاحب هذا... نعم، آه، عنده حديث الولي. أحسنتم، حديث الولي. قال رحمه الله تعالى: «والمحبوب لغيره قسمان أيضاً». المحبوب لغيره قسمان: «أحدهما ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله». ما يلتذ، يعني يشعر بلذة وراحة بماذا؟ إذا أدركه وتحصل عليه، وتحصل عليه. «والثاني ما يتألم به»، يعني هو محبوب إلى قلبه لكنه يتألم به، ولكن يحتمله لإفضائه إلى محبوبه. كشرب الدواء الكريه: لماذا يشرب المريض الدواء مع أنه طعمه مر، طعمه مر؟ طلباً لشيء محبوب وهو الشفاء، وهو الشفاء. قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم. ما معنى مكروه لهم؟ يعني النفوس والطباع تكره القتل والقتال، تكره القتل والقتال. قال: «مع أنه خير لهم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم». أين الخيرية؟ قال: «لإفضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه، لأنه يقرب إلى الله عز وجل، ويدخل صاحبه الجنة، ويدخل صاحبه الجنة». قال: «والنفوس تحب الراحة واللذة والرفاهية». النفوس لطبيعتها تحب الراحة واللذة. ومعنى «اللذة»: يعني الاستمتاع بالشيء وتنعم به. «والرفاهية»: يعني الحصول على متطلباتها. قال: «وذلك شر لها لإفضائه إلى فوات هذا المحبوب». وهنا يقول: ﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾، وهو شر لكم. قال: «فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها، وألم المكروه العاجل فينفر عنه». قال: «فإن ذلك قد يكون شراً له، بل قد يجلب عليه غاية الألم، ويفوت عليه أعظم اللذة». بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروه لما يعقبهم من اللذة بعدها، وإن كانت منقطعة منغصة. إذن هكذا هم العقلاء من أهل الإيمان: لا ينظر إلى اللذة العاجلة وينسى الراحة واللذة الآجلة التي تكون في يوم القيامة. وهكذا لا ينفر من المكروه والألم الذي يكون في العاجل، وإنما يصبر ويتحمل من أجل ماذا؟ من أجل أن ينال الخير العظيم والثواب الجزيل عند الله تبارك وتعالى. قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ما جزاؤهم؟ قال: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. يصبر المؤمن العاقل على الآلام، ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب: من نصب، أي من تعب، ولا وصب، أي ولا مرض. قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا غم، ولا أذى ولا حزن، قال: حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». يصبر، أرأيتم الصائم إذا صام كم يصبر على الجوع؟ الجوع مؤلم، والجوع مزعج ومتعب. لماذا يصبر الصائم على العطش والتعب والأرق الذي يصيبه؟ يريد شيئاً محبوباً، ألا وهو ماذا؟ ما عند الله تبارك وتعالى. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. هكذا يقول الله عز وجل. إذن هكذا العاقل من أهل الإيمان: لا ينظر إلى الراحة العاجلة، وإنما ينظر إلى الراحة الآجلة التي تكون في الآخرة. وهكذا فيما يتعلق بالألم والمكروه: لا ينظر إلى المكروه العاجل فينفر منه، لا، وإنما ينظر إلى ما يؤدي إليه من النعيم والخير والراحة التامة الكاملة عند الله عز وجل. قال: «فالأمور أربعة». قال: «فالأمور أربعة: مكروه يوصل إلى مكروه، الثاني: ومكروه يوصل إلى محبوب، والثالث: ومحبوب يوصل إلى محبوب، والرابع: ومحبوب يوصل إلى مكروه، يوصل إلى مكروه». قال رحمه الله تعالى: «فالمحبوب الذي يوصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين». من وجهين، ما هما الوجهان؟ الأول: أنه محبوب إلى النفس. الثاني: أنه يوصل إلى شيء محبوب، إلى ثواب، إلى أجر، إلى جنة، إلى الله تبارك وتعالى. هذا محبوب يوصل إلى محبوب، إلى محبوب. «والمكروه الذي يوصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين». ما هما الوجهان؟ أنه أولاً: مبغوض إلى النفس. أرأيتم المخدرات؟ المخدرات هذه مكروهة، هذه قبيحة، هذه محرمة، وأيضاً توصل إلى مكروه: إلى الإثم، إلى العقاب، إلى غضب الرب، إلى النار. إذن: محبوب يوصل إلى محبوب، ومكروه يوصل إلى مكروه. قال: «بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معتركا الابتلاء والامتحان». قال: «فالنفس تؤثر أقربهما جواراً منها، وهو العاجل». عندنا مكروه يوصل إلى محبوب، ومحبوب يوصل إلى مكروه. هذان الأمران هما اللذان وقع فيهما الابتلاء والامتحان. والنفس تميل إلى ماذا؟ تميل إلى أقربهما جواراً منها، وهو العاجل، أي الذي يكون في الدنيا. «والعقل والإيمان يؤثران أنفعهما وأبقاهما». والقلب بين الداعيين، وهو يميل إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة. على سبيل المثال: عندنا مكروه يوصل إلى محبوب، يوصل إلى محبوب. مر معنا القتال، الجهاد في سبيل الله عز وجل، هذا مكروه إلى النفس لطبيعتها، لكنه يوصل إلى... إلى شيء محبوب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآيات، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ إلى آخر السورة. أي سورة هذه يا أبا خالد؟ ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي سورة هذه؟ سورة الصف. طيب، أحسن، سورة، سورة الصف. انتبهوا: هذا شيء مكروه يوصل إلى محبوب. الصيام الذي هو امتناع عن طعام وشراب وجماع وغيرها، هذا الأصل أنه مكروه، لكن يؤدي إلى شيء محبوب، يؤدي إلى شيء محبوب. انتبهوا: النفوس، النفوس تميل إلى ماذا؟ إلى أقربهما، وهو العاجل. تريد الراحة في الدنيا، ما تريد قتال، وما تريد جوع وعطش وتعب، وإنما تريد راحة، وإنما تريد راحة. لكن الإيمان، لكن العقل، آه، ماذا يقدم؟ الأنفع والأبقى. ما هو الأنفع؟ الأنفع ما عند الله عز وجل من النعيم والجزاء العظيم. عندنا الأمر الرابع: محبوب يوصل إلى مكروه. شيء محبوب إلى النفس، لكنه يوصل إلى ماذا؟ إلى مكروه. كمحبة بعض الشهوات: الزنا، قد آنس الميل إليه، لكنه يوصل إلى مكروه: إلى غضب الله عز وجل. أحياناً محبة الزوجة ومحبة الأولاد، هذا شيء فطري، لكنه قد يؤدي في بعض الأحيان إلى مكروه. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فتنة. وهكذا ذكر في الأزواج والأولاد أنهم عدو لكم: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وها هنا محل الابتلاء شرعاً وقدراً». ما هو الفرق بين شرعاً وقدراً؟ قال: «وها هنا محل الابتلاء»، يعني الاختبار والامتحان، «شرعاً وقدراً». كيف نفرق بين الأمور الشرعية والأمور القدرية؟ كيف نفرق؟ لا، صالح الشرع: ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة. طيب، وقدراً: الواقع والتجارب، التجربة والواقع. طيب. قال: «فداعي العقل والإيمان ينادي كل وقت: هيا على الفلاح. عند الصباح يحمد القوم السري، وعند الصباح يحمد القوم السري، وفي المهمات يحمد القوم التقى». وهذا معناه: يعني قولهم: «وفي الصباح يحمد القوم السري»، إذا كان هناك خطر، فقام أناس وساروا في الليل، مشوا في الليل، فنجوا من هذا الخطر، في الصباح يقول: الحمد لله الذي نجانا من ذلك الخطر. ومن آثر النوم، يريد أن ينام، يريد أن يرتاح، فيأتي سيل فيجرفه، أو يأتي عدو فيقتله. انتبهوا هنا: سيأخذ جزاء هذا الكسل وعدم الاجتهاد في عمل الاحتياط. «وفي المهمات يحمد القوم التقى»: الذين لازموا التقى، هؤلاء يجدون ثمرة، ثمرة عملهم، أنهم عملوا ما فيه خير، وتركوا ما فيه شر. قال: «فإن اشتد ظلام ليل...». قال: «فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة، يقول: يا نفس، اصبري أياماً قلائل، لعقب راحة طويلة». وهذا من بدائع شيخ الإسلام ابن القيم. انتبهوا هذا التعبير الجميل. قال: «فإن اشتد ظلام ليل المحبة، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة». إذا كان الميل إلى هذه المحبوبات المحرمة شديداً وقوياً، فهنا ينادي المؤمن نفسه، يقول لها: يا نفس، اصبري أياماً قلائل. وهذه الأيام القلائل هي أيام الدنيا. اصبري أياماً في الدنيا، لماذا؟ لعقب راحة طويلة. هناك ترتاح، هناك تتنعم، هناك تجد ما عند الله لك. قال: «فما هي إلا ساعة ثم تنقضي، ويذهب هذا كله ويزول». وهذا... هذا البيت قيل أنه لأبي زهير، وهو في ديوانه، وهو في ديوانه بلفظ ماذا؟ «وما هي إلا غيبة ثم نلتقي». «وما هي إلا غيبة»، أي أيام نغيبها، ثم نلتقي، أي نلتقي هناك عند الله عز وجل. «ويذهب هذا كله ويزول»: يذهب التعب، يذهب الهم، يذهب الغم، تذهب هذه المصائب والفتن. اصبر، اصبر قليلاً لكي ترتاح كثيراً. لما سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني، رحمه الله تعالى، إمام أهل السنة في عصره، سئل سؤالاً: يا إمام، متى يرتاح المؤمن؟ سؤال عظيم، يا إخوان، متى يرتاح المؤمن؟ هذا التعب وهذا الألم وهذا الضيق والهم والغم، فأجاب بجواب مختصر مفيد: «عند أول قدم نضعها في الجنة». عند أول قدم نضعها في الجنة. هناك لا تعب، هناك لا ألم، لا هم ولا غم، لا جوع ولا عطش، لا برد ولا حر. هناك السعادة الأبدية والحياة السرمدية، الحياة السرمدية. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. قال: «فما هي إلا ساعة ثم تنقضي». هذه الساعة في الدنيا، ثم أول ما تخرج من هذه الدنيا، انتبهوا: تخرج من ضيق إلى سعة، ومن تعب إلى راحة، ومن شقاء إلى سعادة. قال: «ثم تنقضي، ويذهب هذا كله ويزول». وهذا يا إخوان، الأسلوب هذا يستخدم في سياق حث النفس على ماذا؟ على الصبر، وعلى مقاومة الشهوات، على الصبر، وعلى مقاومة الشهوات، على الزهد في فتن الدنيا الفانية، في فتن الدنيا الفانية. فيؤكد أن آلام المعصية، أو أن مشقة الطاعة، المشقة التي تجدها عند الصلاة، عند الصوم، عند الذكر وتلاوة القرآن، وغيرها من الطاعات، وهكذا الألم الذي تجده بصبرك على المعاصي، هذا مؤقت وسيزول، وسيزول، فلا يتبقى سوى عواقبه. وهذا فيه دعوة لكي يتذكر المؤمن سرعة انقضاء هذه الدنيا. انتبهوا يا إخوان: كم يعمر الإنسان في هذه الدنيا؟ ستين، سبعين، ثمانين، تسعين. لو عمر، ما عمر قوم نوح، ألف سنة أو أكثر من ذلك، لرأى في يوم القيامة أن هذه الألف التي مرت عليه في الدنيا ما هي إلا كساعة، ما هي إلا كعشية أو ضحاها، كعشية أو ضحاها. فهذا هو حقيقة هذا الأمر، هو حقيقة هذا الأمر. وقد ذكر ماذا؟ الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، هذا البيت أيضاً في كتابه «مدارج السالكين»، وهكذا أيضاً ذكره في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»، وهو بمعنى ما سبق من قولهم: «وفي الصباح يحمد القوم السري»، وهي حكمة تدعو للنظر في عواقب الأمور. قال رحمه الله تعالى: «قال: فصل». قال: «وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، قال: فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، تصديق الله ورسوله». إذا، أصل الأعمال الدينية هو محبة العبد لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن أصل الأقوال الدينية هو تصديق الله ورسوله. «وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله، وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق، قال: فهي معارضة لأصل الإيمان، أو مضعفة له». قال: «فإن قويت، أي هذه الإرادة أو هذه الشبهة، شبهة، قال: فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق، كانت كفراً وشركاً أكبر. وإن لم تعارضه، أي لم تعارض، لم تعارض أصل الحب وأصل التصديق، فماذا قال؟ قدحت في كماله، أي ليس بكفر ولا شرك، لكنها تقدح في كمال، كمال هذا الحب وهذا التصديق». «وأثرت فيه ضعفاً وفتوراً في العزيمة والطلب». «وهي تحجب الواصلة، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب». هذه الإرادة التي تضعف كمال المحبة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا التي تضعف كمال التصديق، هذه تحجب الواصل، تحجبه، يعني تمنعه من الوصول، وتقطع الطالب، تجعله يتوقف عن السير إلى ما يطلب ويبغي، وتنكس الراغب، شخص يريد الشيء فتجعله يأخذ طريقاً آخر غير الطريق الذي يوصله. قال رحمه الله تعالى: «فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾». من هو إمام الحنفاء المحبين؟ ها هنا يا أخانا يوسف، الصديق. قال: «كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين»، من هو إمام الحنفاء المحبين الذي قال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؟ من هو؟ كان... ﴿كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. إبراهيم. أحسن، إبراهيم. وفي أي سورة هذه يا أبا الفاروق؟ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾؟ سورة الشعراء. قال: «فلم تصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة، أي الله عز وجل، إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه لا ولاء إلا ببراء. لا يصح ولا لله إلا إذا تبرأت من الشرك وأهله، والكفر وأهله». «ولا ولاء لله إلا بالبراءة من كل معبود سوى الله عز وجل، أو سوى الله عز وجل». كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. ما معنى «فطرني»؟ ما معنى «فطرني»؟ إلا الذي فطرني، خلقني. أحسن. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، أي في ذريته من بعده، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: «إذاً جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة». وكما قال الله عز وجل: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي كذلك وصى بها بنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. هذا الفصل له تتمة، يسر الله إتمامها. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا المحبة الكاملة له جل وعلا، ولرسوله، ولدينه، وأن يطهر قلوبنا من محبة غيرها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.