التعليق على كتاب الداء والدواء 120

التعليق على كتاب الداء والدواء 120

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 120، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

المحبة والولاء والبراء وروح كلمة التوحيد

يشرح ابن القيم تقسيم المحبوب إلى محبوب لذاته وهو الله ومحبوب لغيره، ويجعل موافقة محبة الله معيار الولاية والبراء كما فعل إبراهيم. ويبرز فضيلة كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» بوصفها مفتاح الجنة وعروة الوثقى، وروحها إفراد الله بالمحبة والإجلال والخوف والرجاء والتوكل والإنابة.

معنى العبادة وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله

يستعرض المقطع معاني العبادة الكاملة من محبة وخوف ورجاء وتوكل ورغبة ورهبة، مبيناً الفرق بين الرغبة والرهبة. ويوضح معنى «حسبنا الله ونعم الوكيل» عبر قصة إبراهيم والنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يشرح شروط شهادة التوحيد مستدلاً بحديث معاذ بن جبل.

حقيقة الشهادة ودرجاتها وعلاقة حياة القلب بجنة الدنيا والآخرة

يصف المقطع درجات شهادة التوحيد في قلب العبد من ميتة إلى طائرة بالخير، مشبهاً إياها بالروح في الجسد. ويبين أن تحقيقها يمنح حياة طيبة في الدنيا هي جنة المعرفة والمحبة والأنس بالله، وينال صاحبها جنة الخلد في الآخرة.

خاتمة الفصل ودعاء المحبة لله

يختتم المتحدث الفصل بالتأكيد على أهمية محبة الله والإقبال عليه بقلب خالص. ويدعو الله أن يوفق للخير ويرزق حبه وحب ما يقرب إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم ورسالته النافعة «الداء والدواء» وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». ولا زال يتحدث حول المحبة، وآخر ما مر معنا في فصول المحبة أنه ذكر أن المحبوب قسمان: محبوب لنفسه وهو المحبوب الأعظم وهو الله تبارك وتعالى، ومحبوب لغيره. وهذا المحبوب لغيره لا يحب لذاته، وإنما محبته تابعة لمحبة الله عز وجل، كمحبة الملائكة والأنبياء، وهكذا الأولياء، وهكذا الأعمال الصالحة، محبة الأزمنة والأمكنة والصفات وغيرها، فهذه محبتها تابعة لمحبة الله عز وجل. وذكر أمراً هاماً وهو يعتبر ميزاناً عدلاً لمسألة الولاية، ولاية الله عز وجل، وذلك بأن الشخص إذا كان يحب ما يحبه الله عز وجل، ويكره ويبغض ما يكرهه الله عز وجل ويبغضه، فهذا علامة الولاية الموجودة في هذا الشخص. وهكذا العكس بالعكس، فإذا كان يحب ما يكرهه الله عز وجل، ويكره ما يحبه الله تبارك وتعالى، فهذا علامة البعد عن هذه الولاية، وأن صاحبها أصل المحبة غير موجود عنده، أو أن أصلها موجود لكن كمالها مفقود. وآخر ما مر معنا أنه ذكر أن أصل الأعمال الدينية هو حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصل الأقوال الدينية هو تصديق الله وتصديق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونبه على أمر هام ألا وهو أن الموالاة لا تصح إلا بالمعاداة، فلا يكون الشخص ولياً لله عز وجل إلا إذا عادى ما يعبد من دون الله عز وجل: ﴿فَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. فالموالاة يقابلها المعاداة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾. لاحظ هذه البراءة جعلتهم ينالون الولاية: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ أي أنتم أيها المشركون، ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي من هذه الآلهة التي تعبدونها، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. لاحظ الولاء والبراء الذي كان عليه إبراهيم الخليل، وهكذا الذين آمنوا معه، ولهذا جعلهم ربنا عز وجل أسوة يقتدى بهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾. والذين معه، وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد والإخلاص والموالاة لأهل التوحيد والمعاداة لأهل الشرك، جعلها إبراهيم كلمة باقية في عقبه، أي من بعده في أبنائه وأحفاده من بعده: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي يرجعون إليها. قال رحمه الله تعالى: «قال وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار». قال: «وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، المنجية، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل، والحبل الذي لا يصل إلى الله من يتعلق، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام». ما هي دار السلام يا أبا الفاروق؟ الجنة هي دار السلام. قال: «وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد، أي مطرود، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، ودار النعيم هي الجنة، ودار الشقاء والهوان هي النار، أعاذنا الله وإياكم منها». قال: «وهي العمود الحامل للفرض والسنة، الفرض أي الفريضة، والسنة يعني بها النافلة، ومن كان آخر كلامه لا لا إله إلا الله دخل الجنة، دخل الجنة». وهذا كما جاء في حديث معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنه، جاء عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، وهكذا هو عند الطبراني في معجمه الكبير، وهكذا عند الحاكم والبيهقي والخطيب كما في تاريخ بغداد. قلنا من حديث معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «إرواء الغليل»، وهكذا في غيره. وجاءت أحاديث كثيرة تدل على هذه الفضيلة، منها ما جاء في حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة، دخل الجنة». وهكذا في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». فما أعظمها من كلمة! فما هي هذه الكلمة؟ فما هي هذه الكلمة يا أبا ناظم؟ ما هي هذه الكلمة؟ أحسنت، هي كلمة التوحيد التي هي العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا، وهي كلمة التقوى، هي كلمة التقوى، هي الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، بإذن ربها. قال: قال رحمه الله تعالى: «قال وروح هذه الكلمة وسرها»، أي كلمة التوحيد لا إله إلا الله، «قال وروح هذه الكلمة وسرها إفراد الرب جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده، وتعالى جده»، يعني عظمته وغناه عن خلقه، «قال ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم، بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة». هذا هو روح هذه الكلمة وهذا هو سر هذه الكلمة. قال: «قال فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعاً لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجى إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه». ولاحظوا الرغبة والرهبة، فلا يرغب إلا إلى الله عز وجل، ولا يرهب إلا منه تبارك وتعالى. فما هو الفرق بين الرغبة والرهبة؟ نعم يا باحث، أحسنت. الرهبة هو الخوف من ماذا؟ نعم، الخوف من الشيء، والرغبة هو الطمع في الشيء، رجاء هذا الشيء. ولهذا الرغبة هو طلب الشيء الذي فيه خير، والرهبة هو الهرب من الشيء الذي يخشى منه ويخاف منه. ولهذا المؤمن يعبد ربه عز وجل رغبة ورهبة ومحبة له تبارك وتعالى، محبة لله عز وجل، ورغبة فيما عنده من الثواب، ورهبة فيما عنده أو مما عنده من العقاب. فالخوف والرجاء بالنسب للمؤمن كجناحي الطائر، كجناحي الطائر، وعند اشتداد الأمراض أو عند اقتراب الآجال هنا يغلب جانب الرجاء على جانب الخوف، فلا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تبارك وتعالى. قال: «ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، لا يتحسب إلا به، فهو حسبنا ونعم الوكيل». ﴿وَالَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. ما معنى حسبنا الله عندك؟ ما معنى حسبنا الله؟ لما تقول حسب الله، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ما معنى حسبه؟ أحسنت، نعم تفضل، أحسنت. معنى حسبه أي كافيه، فلما تقول حسبي الله أي أن الله هو الذي يكفيني، هو كافيني. قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار». لاحظ، أبوه وقومه أخذوا إبراهيم لكي يلقوه في النار، لاحظ، فبات الموحدين، ما قال خلاص آخر مرة وتوبة، ما سأكلمكم في شيء ولن أتكلم في أصنامكم، تركوني، لا، هم يلقونه في النار وهو يقول حسبي الله ونعم الوكيل، فجعلها الله عز وجل على إبراهيم برداً وسلاماً، وجعله الله عز وجل من الناجين. قال: «وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل». قال: «ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث في الشدائد إلا به». ومر معنا ما يتعلق به الاستغاثة، الاستغاثة وهي أن الله تبارك وتعالى يرفع البلاء والشر الذي قد وقع ونزل، بخلاف الاستعاذة فإنها تكون دفع الشر الذي يخاف أن يقع قبل وقوعه، قبل وقوعه. قال: «ولا يلتجأ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، إلا له: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، لعن الله من ذبح لغير الله». أكد قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ويجتمع ذلك كله في حرف واحد، في حرف واحد»، والمقصود بالحرف فهنا هو ماذا؟ الجملة، الجملة المفيدة. قال: «وهو ألا يُعبد إلا إياه، ألا يُعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة حباً وذلاً، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله». هذا، هذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله. وما معناها يا شامل؟ شهادة أن لا إله إلا الله، ما معناها؟ ما معناها؟ لا معبودة بحق إلا الله. أحسنت، لا معبودة حق أو بحق إلا الله تبارك وتعالى، وغير الله إن عُبد فتلك عبادة باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وأن الله هو العلي الكبير، وأن الله هو العلي الكبير. قال: «ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة». وما هو معنى الشهادة يا إخوان؟ لما يقول الشخص أشهد، ما معنى الشهادة؟ ما معنى الشهادة؟ نعم عندك، نعم، أحسنت. وبمعنى آخر هو الإقرار أو الإخبار بالشيء عن إقرار به، هذه الشهادة: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. الشهادة أنك تخبر بالشيء مع إقرار به، مع إقرار به. ولهذا قال الله عز وجل عن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. هم يخبروا بالشيء لكن عن غير إقرار به، عن غير إقرار به، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ما لتعتقده قلوبهم، ما لتعتقده قلوبهم. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ويدل على هذا ما جاء في الصحيحين، أو من حديث ابن عباس، وجاء من حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معاذ رديفه على حمار، جاء في البخاري أن الحمار اسمه عفير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ ابن جبل، فقال معاذ: لبيك يا رسول الله وسعديك، فأعادها ثلاثاً، ثم قال عليها الصلاة والسلام: قال ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار». هذا جاء من حديث أنس ابن مالك في الصحيحين بهذا اللفظ: «قال ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار». قال معاذ: يا رسول الله، أفلا أخبروا الناس فيستبشروا؟ قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: «إذن يتكلوا عليها ويتركوا الأعمال». قال: «وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً»، يعني حدث بهذا قبل أن يموت خوفاً من حصول الإثم بكتمان مثل هذا العلم. قال رحمه الله تعالى: «قال ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، وقام بها، كما قال تعالى»، أي في وصف أهل الجنة، وفي وصف المؤمنين المفلحين: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾، ومن أعظم هذه الشهادات شهادة التوحيد. قال: «فيكون قائماً بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه، القلب معروف، وقال به»، أي في جسده وظاهره. قال: «فإن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون شهادته نائمة إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون متجعة، من تكون متجعة، ومن من تكون إلى القيام أقرب، ليست قائمة وإنما إلى القيام أقرب، ومنهم من هي قائمة وماشية وساعية مجدة في مراد الرب تعالى، ومنهم من هي طائرة به إلى كل خير، وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن». قال: «فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن، إذا هذه الشهادة في القلب مثلها مثل الروح التي هي في البدن، التي هي في البدن». قال رحمه الله تعالى: «قال وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحاً، لها روحاً». وهذا الحديث خرجه أحمد وابن ماجه من حديث عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «صحيح الجامع» وغيره. قال: «فحياة الروح بحياة هذه الكلمة فيها، كما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، قال: وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى، وعيشه أطيب عيش، أي في الدنيا، وهكذا في الآخرة، وهكذا في الآخرة». قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. قال: «فالجنة مأواه يوم اللقاء، يوم اللقاء»، أي لقاء هذا يا أبا إبراهيم؟ يوم القيامة، يوم يلقى العبد ربه عز وجل فيجازيه على عمله، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. قال: «فالجنة مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضاء به وعنه مأوى روحه في هذه الدار»، أي دار يا محمد؟ في هذه الدار، في دار الدنيا. ولهذا مر معنا عبارة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذ يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». أي جنة هذه في الدنيا؟ هذه الجنة التي هي المعرفة والمحبة والأنس بالله عز وجل والشوق إلى لقاء الله تعالى. المحب يا إخوان يشتاق للقائي من يحب، للقائي من يحب، وهكذا الفرح به والرضا به وعنه، هذه جنة الدنيا. حين أن يجد العبد لذة العبادة وطعماً للطاعة: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». انظر هنا يجد حلاوة الإيمان: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». قال رحمه الله تعالى: «قال فمن كانت هذه الجنة مأواه هاهنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد، ويوم المعاد أي يوم القيامة، قال ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك أشد حرماناً». قال: «والأبرار في النعيم، والأبرار في النعيم». لاحظوا مر معنا أنهم في النعيم في الدنيا، وفي النعيم في البرزخ، وفي النعيم في الآخرة، كما أن الكفار في جحيم في الدنيا، وهكذا في البرزخ، وهكذا في الآخرة. قال: «والأبرار في النعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت عليهم الدنيا، والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا». قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال: «وطيب الحياة جنة الدنيا». وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. قال: «فأي نعيم أطيب من شرح الصدر، وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟». وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: «فالمؤمن المخلص لله الدين من أطيب الناس عيشاً وأنعمهم بالاً وأشرحهم صدراً وأسرهم قلباً، فهو في جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». وهذا حديث أنس عند أحمد والترمذي، وحسنه الألباني. قال: «ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». وهذا جاء من حديث عبد الله بن زيد المزني في الصحيحين. قال: «ومن هذا قوله عليه السلام، وغد سألوه عن وصاله في الصوم فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، يطعمني ويسقيني». قال: «فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وأن ما يحصل له من ذلك أمر يختص به لا يشاركه فيه غيره». قال: «فإذا أمسك عن الطعام والشراب فله عنه عوض يقوم مقامه وينوب منابه ويغني عنه، كما قيل: لها أحاديث من ذكرك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزادي، لها بوجهك نور تستضيء به، ومن حديثك في أعقابها حادي، حادي يعني شيء يدعوها إلى ذلك، قال: إذا شكت من كلال السير أوعدها، إذا شكت من كلال السير أوعدها، وكلال السير أي تعب المشي، أوعدها روح اللقاء فتحيا عند ميعادي». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا فصول أخرى تتعلق بهذا الأمر العظيم، ألا وهو محبة الله تبارك وتعالى، وأنه لا شيء أنفع للعبد من إقباله على الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا حبه وحب ما يحبه وحب ما يقربنا إلى حبه سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.