الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 122، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل المتحدث بشرح مقاصد كتاب "الداء والدواء" لابن القيم محذراً من داء العشق كمرض قلبي فتاك يستهدف الشباب في عصر الفتن الرقمية. ويؤكد على واجب حماية الشباب بالتعفف وغض البصر والزواج أو الصوم مستنداً إلى نصوص الوحي في تزكية النفوس.
يركز المقطع على ضرورة الرفق والحكمة في توجيه الشباب المبتلى بالعشق اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً قصة الإمام الشافعي في وصف التقوى والصبر وكتمان الوجد علاجاً ناجعاً. ويختم بتوجيه المحبة لله وحده وسؤال العافية من الفتن.
يقرر ابن القيم أن المحبة هي أصل كل حركات العالم العلوي والسفلي مقسماً إياها إلى إرادية وطبيعية وقسرية، ومبيناً أن الملائكة هم المحركون للكائنات بأمر الله. ويستعرض وظائفهم المتعددة من حفظ بني آدم وقبض الأرواح وتدبير شؤون الكون كإنزال المطر وتحريك الأفلاك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها رسالة قيمة، وكتاباً مفيداً من كتب أهل العلم الراسخين، ألا وهو ما كتبه الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. فوالده رحمه الله تعالى كان قائماً على تلك المدرسة المشهورة ببلاد الشام. وكتابه هذا كما سبق معنا مراراً وتكراراً هو "الداء والدواء"، ويسمى كذلكم أيضاً "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي". فداء له دواء. وهذا الداء كما مر معنا يا أخانا يوسف، ما هو؟ ما هو الداء؟ العشق. أحسنت. وداء العشق كما مر معنا ويأتي كذلكم إن شاء الله عز وجل، داء خطير ومرض عضال، إذا ابتلي به الشخص ولم يتداركه الله عز وجل بالدواء والشفاء، وإلا فقد يهلك. وكم مر معنا من مصارع العشاق، وأن العشق قد يقتل صاحبه ويمرضه، بل ويضله، بل ولربما جعله يخرج من هذا الدين من أوسع الأبواب، من أوسع الأبواب. والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يذكر خطورة هذا الداء قبل مئات السنين، وليس عندهم من الأمور التي تهيج العشاق وهكذا تثير الشهوات كما هو الحال في زماننا هذا. ما كان عندهم هذه الشاشات والفضائيات التي تبث سمومها من القبلات، وهكذا الهيام والغرام الذي يكون بين الرجال وبين النساء. وهكذا ليس عندهم هذه الشبكات والإنترنت وغيرها مما قد يضر ضرراً كثيراً في حق من لم يحسن استعماله والانتفاع به، والانتفاع به. ليس عندهم في ذلكم الزمان من مظاهر التبرج وقلة الحياء، وهكذا السفور وغيره مما عما وطم وعظما في مثل هذه الأزمنة المتأخرة. فحاجتنا نحن اليوم إلى هذه النصائح وهذه التوجهات وهذه الدروس، أحوج مما كان عليه الناس في تلكم الأزمنة التي كانت العافية فيها أعظم، وهكذا أكبر. فنسأل الله العافية والسلامة، ونسأل المولى تبارك وتعالى أن يعين شباب الأمة، أن يعين شباب الأمة على مواجهة هذه التحديات وهذه الفتن العظيمة التي تموج كموج البحار. والسعيد والموفق هو من وفقه الله عز وجل لهذا. أحبتي في الله، الشباب اليوم أحوج ما يكون إلى أن يذكروا بقول الله عز وجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. التعفف من الأمور المطلوبة، فيغض بصره، ويحفظ فرجه، وهكذا يبتعد عن أسباب ومصادر الفتنة. هو أحوج إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. تزكية النفس هذه من الواجبات العظيمة، ومن الأمور كذلك أيضاً المهمة التي يحرص عليها المسلم، التي يحرص عليها المسلم، وهي تطلب من الله عز وجل. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قد أفلح، أي فاز، من سعى إلى تزكية نفسه بماذا؟ بالإيمان والتوحيد، وهكذا أيضاً ما يحبه ربنا عز وجل. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. انظر فرق بين من يسعى سعياً حثيثاً إلى تزكية نفسه وسلامة صدره وطهارة قلبه، وبين من يوقع نفسه في بؤر الفساد ومستنقعات الشر، يذهب إلى أماكن الرذيلة ويجالس السيئين من المجرمين، وهكذا يذهب بنفسه إلى مواضع الريب والتهم والشبهات. ﴿قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك». والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، أو موبقها. فاستعن كل منا بالله تبارك وتعالى أن يرزقه الهداية، وأن يرزقه العافية، وأن يرزقه السلامة. هذا الكتاب الذي بين أيدينا كما سبق معنا مراراً وتكراراً، أتى جواباً لسؤال أجه للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. سؤال عمن ابتلي بداء العشق، ويجد من نفسه ميلاناً وجرياً في هذا الأمر، ماذا يفعل وكيف يعالج نفسه؟ فأجاب بهذا الكتاب، أجاب بهذا الكتاب. وهذا إن دل على شيء، دل على سعة علم ورسوخ، وعلى كذلكم أيضاً خبرة عظيمة في ماذا؟ في معالجة هذه الأمراض، كمرض العشق. وابن القيم له القدح المعلّى في هذا الباب. فماذا وفقه الله عز وجل إلى ما يتعلق بمعالجة القلوب وأمراض القلوب؟ ومن قرأ في هذا الكتاب، وهكذا في كتابه "شفاء العليل"، وهكذا في غيرها من كتبه الأخرى ك"مدارج السالكين" و"بدائع الفوائد" و"الفوائد" و"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" وغيرها، يجد رسوخاً لدى هذا الإمام رحمه الله تعالى. وهكذا هم أهل العلم، وهكذا هم أهل العلم يحرصون على معالجة أمراض الأمة ومشاكل المسلمين، ولا سيما الشباب، ولا سيما الشباب. الشباب يا إخوان هي مرحلة خطيرة جداً. الشباب هو مرحلة الإقدام، مرحلة قد يشوبها التهور والاندفاع. يحتاج ماذا؟ إلى توجيه، يحتاج إلى نصح، يحتاج إلى رعاية. الشباب اليوم وقبل اليوم قد سُدّدت إلى نحورهم سهام مسمومة من قبل أعداء الإسلام. تظن، تظن، تظن أن أعداء الإسلام يركزون على الأطفال الرضع أم على الشيوخ الركع كتركيزهم على الشباب الأقوياء؟ يعلمون أن الشباب إذا صلحوا كانوا سبباً لعز الأمة وقوة الأمة وصلاح الأمة، وأن العكس بالعكس. متى ما فسد الشباب وضاع الشباب، وإنهمك الشباب في الرذيلة وفي الشر، وهكذا في المعاصي، كان ذلك سبباً لخراب البلاد والعباد، كان سبباً لضعف الأمة وذهاب قوتها. أصبح الشباب حينها هم الذين يدعون إلى الإلحاد ويشككون في الثوابت والأصول العظيمة لهذا الدين. أصبح الشباب هم الذين يقتلون الأنفس المحرمة ويعتدون على الأعراض والأموال العامة والخاصة. أصبحوا مصدراً للشر. إذن أعداؤنا قد وجهوا سهاماً مسمومة إلى نحور وصدور شباب الأمة. ولهذا أنظر إلى الساحة، كم ترى من جريح وكم ترى من قتيل من هؤلاء الشباب بسبب هذه السهام، بسبب هذه السهام. ولهذا الشباب اليوم يا إخوان هم أحوج من غيرها من الأزمنة الأخرى إلى الرعاية، إلى النصح، إلى التوجيه، إلى الإرشاد، إلى الرحمة، إلى الرحمة. فاليوم هذا الزمن هو زمن الرفق، زمن الحكمة، زمن الرحمة. فوصف ربنا عز وجل نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وأدب ربنا عز وجل نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لاحظ: فظاظ في الألفاظ وغلظ في القلب. ﴿فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾. لو كان ابنك اليوم، الشباب قد إذا شددت عليه ينفر، قد يترك البيت ويؤويه الأشرار. وليس معنى هذا أن الحبال تترك على الغارب ويترك الشباب فيفعلوا ما بدا وطاب لهم، وإنما كما سبق: نصح وتوجيه وإرشاد وتعليم، وهكذا حكمة، الشدة في موضعها والرفق في موضعه، مع تغليب جانب الرفق. «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وماذا الهداية يا إخوان؟ هداية التوفيق، هداية القلوب، هذه لا يملكها أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن بشر من البشر. وإنما الذي يملكها هو الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ولهذا لم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم من هداية عمه، ولو كان يملكها لما بخل بها عليه. ونوح لم يستطع أن يهدي ولده ولا زوجته، كذلك لوط، وهكذا غيرهم، إبراهيم مع أبيه، مع أبيه. فحين يا إخوان أن نرى من ضل الطريق، وإن حيد عن الصراط المستقيم، ينبغي أن ننظر لهم بمنظار الرحمة، ندعو لهم أن الله عز وجل يهديهم ويردهم إلى الحق رداً جميلاً، نبدل لهم النصح والتوجيه والرعاية، والرعاية. فالفتن يا إخوان عظيمة. طلاب العلم الذين هم متفرغون لطلب العلم قد لا يسلموا من هذه الفتن، قد تأتي الفتنة إلى السكن أو إلى المسجد عبر الجوالات وغيرها، عبر الجوالات وغيرها. يحتاج إلى أن يدافع نفسه، أن يجاهدها، وأن يلزمها الطاعة، وأن يجنبها المعصية، وأن يجنبها المعصية. هذا وغيره مما ماذا نحتاجه جميعاً. ومر معنا في أكثر من مجلس ما ذكر عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى. الشافعي رحمه الله تعالى كغيره من العلماء الذين يعالجون هذه الأمراض، يعالجون هذه الأمراض التي كثيراً ما تهجم على الشباب. ولهذا ذكر الشافعي، أو ذكر البيهقي في كتابه "مناقب الشافعي" عن الربيع ابن سليمان رحمه الله تعالى شيئاً كثيراً من ذلك. مر معنا ما ذكره الربيع ابن سليمان في قصة ذلكم الشاب الذي أتى إلى الشافعي. قال الربيع: «كنا عند الشافعي إذ جاءه رجل، إذ جاءه رجل برقعة، يعني قطعة من جلد أو نحوه، مخطوب فيها شيء. قال: فنظر فيها الشافعي، فنظر فيها الشافعي وتبسم، وتبسم». تبسم الشافعي يدل على حكمه عند العلماء، كيف يتعامل مع هؤلاء أهل البلاء. تبسم الشافعي ثم كتب له فيها كتابه، ودفعها إلى ذلكم الشاب. قال الربيع ابن سليمان: «قال: يسأل الشافعي عن مسألة، سليمان ولا ننظر في جوابها». انظر حرص الطالب على الاستفادة من المعلم. لهذا يا إخوان دائماً نكرر أن طالب العلم إذا جلس في درس، ينبغي أن يحرص على وسائل الاستفادة من الكتاب والدفتر والقلم ونحوه. قال الربيع ابن سليمان: «قال: يسأل الشافعي عن مسألة، ولا ننظر فيها وفي جوابها. قال: فلحقنا الرجل، فلحقنا الرجل، وأخذنا الرقعة، أخذنا الرقعة». طيب، ستأخذ بأدب، مش بالقوة. آه، لو سمحت، هذه الرقعة التي كتب فيها الشيخ الجواب، ممكن ننظر؟ فماذا قال؟ «فقرأناها، قال: وإذا فيها، وإذا فيها سؤال وجه إلى الشافعي، قال القائل: سل المفتي المكي، هل في تزاور... وضمة مشتاق جناح». لاحظ: مشتاق، أي ابتلي بمرض ماذا؟ العشق. هل ممكن يزور معشوقه ويضمه؟ قل كذلك يقبله، إلى غيرها مما يسببه العشق. «قال: وإذا إجابة أسفل من ذلك، إجابة الشافعي، قال: أقول: معاذ الله أن يذهب التقى، معاذ الله أن يذهب التقى، تلاصق أكباد بهن جراح. معاذ الله، أين التقوى؟ أين التقوى؟ ألا تمنع صاحبها من ذلك؟ أولاً من العشق والتعلق بالنساء، والتعلق بالمردان، والتعلق بالصور، وغيرها مما فيه معصية لله عز وجل. فمعاذ الله أن يذهب التقى، تلاصق أكباد بهن جراح». فالتقوى علاج لهذا المرض، ألا وهو مرض العشق. وهكذا أيضاً ذكر الربيع بن سليمان كما في "مناقب الشافعي" للبيهقي: «قال: ومثله ما بلغني أن رجلاً جاءه برقعة فيها ماذا؟ فيها: سل الفتى المكي من آل هاشم، إذا اشتد وجد، والوجد كما مر معنا من مراتب المحبة، إذا اشتد وجد بمرئ، كيف يصنع؟ كيف يصنع هذا؟ يفعل من ابتلي بشيء من ذلك. قال: فكتب الشافعي تحته، ماذا كتب؟ قال: يداوي هواه ثم يكتم وجده. يداوي هواه ثم... أي إذا بقي شيء من التعلق لا يظهره، لا يذهب يقول: والله أنا أحب فلان وأعشق فلان. قال: ثم يكتم وجده، ويصبر في كل الأمور ويخضع، ويصبر في كل الأمور ويخضع». قال الربيع بن سليمان: «قال: فأخذها صاحبها، صاحبها، وذهب بها، ثم جاءه، أي بعد مدة، وقد كتب تحت هذا البيت الذي هو الجواب، كتب تحته: فكيف يداوي؟ فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى، وفي كل يوم غصة يتجرع». يقول هذا الشاب: «كيف يداوي؟ أي الإنسان نفسه من هذا المرض، والهوى قاتل الفتى، قاتل الفتى، وفي كل يوم غصة يتجرع». فكتب الشافعي رحمه الله تعالى جواباً على ذلك، قال: «فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فليس له شيء سوى الموت أنفع». هذا إذا لم يستطع أن يعالج نفسه، ولم يستطع أن يداوي نفسه، فالموت أنفع له. وليس معنى هذا أنه يذهب ويقتل نفسه، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اثنتان يكرههما ابن آدم وهما خيرا له، قال: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره الفقر والفقر أخف عليه عند الحساب، عند الحساب». فما أعظم يا إخوان ماذا، ما يبذله أهل العلم في علاج من ابتلي بمثل هذه الأمراض! وكم رأينا يا إخوان، والله تسمع من بعض الشباب أموراً عجيبة. يأتي بعض الشباب ويجلس معك، ويخرج ما في جوفه من بلايا وخبايا، وفي مقدمتها العشق، في مقدمتها العشق. أحدهم يتعلق قلبه بفتاة، وآخر بأمرد. والأشياء يا إخوان كثيرة، يطول الحديث والكلام عنها، مما عما وطما. وكذلك أيضاً ماذا ابتلي به من ابتلي من شباب الأمة. ولهذا يا إخوان، الإمام ابن القيم ها هنا لما تكلم عن المحبة وأطال وأجاد وأفاد في الكلام عنها، أراد أن يبين أن هذه المحبة الواجب أن تصرف لله تبارك وتعالى، فلا يحب شيء لذاته إلا المولى تبارك وتعالى، وغيره من الأشياء الأخرى إنما تحب لأجل الله عز وجل. فما يحبه الله نحبه، وهكذا ما أمر الله به نحبه، وما نهى عنه سبحانه وتعالى وأبغضه، فإننا نبغضه. ومن هذا القبيل التعلق الممنوع، وهذه الشهوات المحرمة من الزنا واللواط والنظر إلى المحرمات، والتلذذ بهذه الشهوات المحرمة. كل ذلك وغيره، الواجب على المسلم أن يكون في منأى، وأن يكون بعيداً عن ماذا؟ عن الوقوع فيه. والسلامة يا إخوان لا يعادلها شيء، دائماً وأبداً. يسأل العبد منا ربه عز وجل أن يرزقه العافية، أن يرزقه العافية. ولهذا في حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يقول هذه الكلمات في كل صباح ومساء، وعند النوم، يدعو بماذا؟ بالعافية: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة» إلى آخر ما يدعو به المسلم، إلى آخر ما يدعو به المسلم في ذلكم الدعاء المشهور الذي فيه سؤال العافية في الدين والدنيا والنفس والمال والولد وغير ذلك، وغير ذلك. ولا زال ابن القيم رحمه الله تعالى يتحدث حول المحبة، ويبين رحمه الله تعالى أن السعادة التي يبحث عنها الجميع، ماذا أصلها ورأسها؟ هو محبة الله عز وجل، ومحبة ما أحبه سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً بيّن أمراً، بيّن أمراً آخر، ألا وهو أن جميع الحركات في هذا العالم، سواء العالم العلوي أم العالم السفلي، أصلها المحبة، أصلها المحبة، كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل. طيب، نكمل إن شاء الله بعد الأذان. قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى: «قال: فصل. قال: وكل حركة في العالم العلوي والسفلي، فأصلها المحبة، فهي علتها الفاعلية والغائية». هنا، هنا في هذا الفصل أراد أن يبين رحمه الله تعالى ما سبق من أن جميع الحركات والأفعال التي هي في العالم العلوي، السماوات، والعالم السفلي، أي الأرض، هذه أصلها المحبة. فالمحبة هي علتها، أي هي سببها، وماذا هي سببها؟ قال: «فهي علتها الفاعلية». ومعنى علتها الفاعلية: أي هي المحركة للفعل وسبب لهذا الفعل. «قال: والغائية». والغاية هي الأمر الذي يندفع إليه الإنسان ويطلب حصوله. «وقوله: والغائية، أي ماذا؟ أي أنه فعل هذا الأمر من أجلها، من أجلها كانت هذه الحركة، من أجل هذا الأمر، فهي غايته». قال رحمه الله تعالى: «قال: وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع. الحركات التي تصدر من المخلوق على ثلاثة أنواع: قال: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية». بالنسبة للحركة الاختيارية الإرادية، فهذه التي يفعلها المخلوق باختياره وإرادته، كأن يشرب أو يأكل أو يتكلم، آذى، كله باختياره وإرادته. وحركة طبيعية: أي ليست باختياره وإرادته، وإنما هو أمر فطره الله عليه وطبع عليه. وهناك أمر آخر أيضاً ليس باختياره وإرادته، وإنما يقع منه قسراً. ومعنى قسراً: أي قهراً وإكراهاً، وإكراهاً. يمرض المريض ليس باختياره، ويموت الشخص ليس باختياره، وهكذا يصاب بغيرها من الأمور القهرية. قال رحمه الله تعالى: «قال: والحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي. قال: فهو يتحرك للعود إلى مستقره، إلى مستقره. قال: وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرك له. والقاسر قلنا: أي المكره القاهر له على ذلك. قال: فله حركة قسرية بمحركه وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه. قال: وكلا حركتيه تابعة للقاسر المحرك. قال: فهو أصل الحركتين». وكما هو معلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بمشيئة الله عز وجل له وإرادته له أن يفعل ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين. قال: وهي تابعة للإرادة والمحبة. قال: فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والإرادة». إذن لا يفعل شيء ولا يريد أن يقوم بشيء إلا كان ذلك ناتجاً عن محبته لهذا الشيء. قال رحمه الله تعالى: «قال: والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث، أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة، قال: فهي الإرادية، فهي الإرادية. أذي يفعلها باختياره وإرادته. قال: وإن لم يكن له شعور بها، شعور بها كجريان الدم يا إخوان، باختياره؟ ودقات قلبه باختياره؟ الجواب: لا. قال: وإن لم يكن له شعور بها، قال: فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا. قال: فالأولى، فالأولى هي الطبيعية التي تكون على وفق طبعه، هذه طبيعية. قال: والثانية، أي التي لا تكون موافقة للطبع، قال: هي القسرية». قال رحمه الله تعالى: «قال: إذا ثبت هذا، قال: فما في السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك، أي الفلك، والشمس والقمر والنجوم، والرياح والسحاب والمطر، والنبات، وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، قال: فإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمراً والمقسمات أمراً، كما دل على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع، في غير موضع. فهذه آ... الأمر من الله عز وجل، يأمر هذه المخلوقات بأمر، وتقوم الملائكة بتنفيذ ذلك، تقوم الملائكة بتنفيذ ذلك». قال رحمه الله تعالى: «قال: والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، والإيمان بالملائكة ركن من أركان... يا شامل، الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان بالملائكة ركن من أركان... أحسنت، الإيمان ركن من أركان الإيمان، والإيمان بالملائكة يتضمن أموراً عدة كما لا تخفى عليكم، ومنها ما يتعلق بأنهم مخلوقون، خلقهم الله عز وجل لعبادته وطاعته وتنفيذ أوامره، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقد ذكر لنا في الكتاب والسنة بعض أعمال الملائكة وما كلفوا به من الأعمال، كما سيذكر رحمه الله تعالى بعضاً منها». «قال: والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة. قال: فإن الله وكل بالرحم ملائكة، ملائكة بالرحم وما فيها من الأجنة، وكل بذلك ملائكة تنفخ الروح وتكتب ما يكون على العبد من الأجل والرزق والعمل والشقاوة أو السعادة إلى غير ذلك». ﴿وَبِالْقَطْرِ مَلَائِكَةٌ﴾. ما هو القطر؟ وكل الله بالقطر ما هو القطر؟ طيب، أحسنت يا خان علي، المطر. القطر، أين أبو أساني؟ نعم، أحسنت، ميكائيل، ميكائيل. طيب. «قال: وكل بالرحم ملائكة، وبالقطر ملائكة، أي بالمطر ملائكة. جاء في بعضها أنهم ينزلون مع هذه الأمطار. وبالنبات ملائكة، وميكائيل موكل بماذا؟ بالأرزاق». ﴿وَبِالرِّيَاحِ مَلَائِكَةً﴾، ﴿وَبِالرِّيَاحِ مَلَائِكَةً﴾. «قال: ﴿وَبِالْأَفْلَاكِ مَلَائِكَةً﴾، ﴿وَبِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ مَلَائِكَةً﴾. وَهَذِهِ الْحَرَكَاتِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُقَاتِ هِيَ تَقَعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا. والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار، كل في فلك يسبحون. هذه حركات، قال العلماء: غير اختيارية. وهذا المتحرك إنما وقعت منه هذه الحركات بواصفة، بواصفة جعلها الله عز وجل محركاً لهذه الأشياء، وهم الملائكة، وهم الملائكة، كما أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى هذا فيما سبق». قال رحمه الله تعالى: «قال: ووكل أي ربنا عز وجل بكل عبد أربعة من الملائكة، كاتبين على يمينه وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه، ومن خلفه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾، أي من الملائكة، من صفته الرقابة، ﴿عَتِيدٌ﴾، أي حاضر لا يغيب. وهذه صفات لهؤلاء الملائكة، لهؤلاء الملائكة. قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، كما قال ابن عباس: قال: أي بأمر الله. فإذا جاء القدر خلوا بينه وبين قدر الله». لاحظ: يسقط الإنسان أحياناً ويقوم سليم بخير، وليس به شيء، ينفض الغبار عن نفسه، ليس بقوته. سقط غيره في أقل من هذا فانكسر ومات. بعضهم الله يجعل الملائكة تحفظه، تتقلب سيارات وتتحطم السيارة من جميع الجوانب، ويخرج صاحبها، لربما ليس به شيء إلا الغبار، أو به جروح وخدوش، يعني ماذا؟ قليلة. ما سبب ذلك؟ هو الحفظ الذي جعله الله لهذا العبد، وسبب ذلك هم الملائكة، هم الملائكة يحفظونه من أمر الله، يحفظونه من أمر الله. انظر إلى الأطفال، كم يسقطون في الملاعب وعلى الدكك وفي الأماكن الزلقة، ويقوم أحدهم بخير وليس به شيء. يحفظونه من أمر الله. فوظيفة هؤلاء الملائكة موكلين بحفظ بني آدم. «قال: ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزه إلى مستقرها من الجنة أو النار، وهم من... يا أبا طاهر، من الموكلون بقبض الأرواح وتجهيزها؟ نعم، قلت: من؟ من هم؟ هنا يقول: وكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة أو النار. أحسنت، ملك الموت وأعوانه، وأعوانه. وماذا؟ لاحظوا يا إخوان أن الوفاة نسبها ربنا عز وجل إلى نفسه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ونسبها أيضاً إلى الملائكة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾. إذا، من هو الذي يتوفى الآن؟ الله أم الملائكة؟ يا أبا محمد... أحسنت، الأمر أمر الله، والذي يقوم بتنفيذ هذا الأمر هم الملائكة. الله يأمر، الله يتوفى الأنفس، والملائكة تنفذ: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾». «قال: قال: وملائكة، أي موكلون، قال: بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه، هناك أي في القبر، أو نعيمه. وهؤلاء الملائكة كما جاء في بعض الأحاديث، حسنها جماعة من أهل العلم، أن من وكل بذلك من الملائكة يقال لأحدهما... السؤال عن السؤال، السؤال عن سؤال القبر، ملائكة تسأل الميت في قبره، وأمكلون بالعذاب أو النعيم. أحسنت يا أبا أيمن، أحسنت. يقال لأحدهما منكر، ويقال للآخر نكير. والحديث الوارد يصلح للتحسين، حسنه جماعة من أهل العلم». «قال: والقبر يا إخوان، القبر الذي هو ماذا؟ برزخ فاصل بين الحياة الدنيوية وبين الحياة الأخروية. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. هذا البرزخ يبقى فيه العبد لربما عشرات السنين، عشرات السنين، قد يبقى مئات السنين، بل يوجد اليوم في قبورهم من لهم آلاف السنين. انظر إلى طول هذه الحياة. وهذا القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة، وإما أن يكون حفرة من حفر النار. نسأل الله العافية والسلامة. ولهذا يا إخوان، أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في كل صلاة أن نتعوذ من أربع، ومنها من فتنة القبر، وفتنة القبر: سؤال الملكين، وهكذا أيضاً من عذاب القبر». قال رحمه الله تعالى: «قال: ووكل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة، تسوقه حيث أمرت به، حيث أمرت به. قال: وبالقطر ملائكة، تنزله بأمر الله، بقدر، بقدر. ولولا أن الله عز وجل جعل ما ينزل من السحاب بقدر، وإلا لغرق العباد، وهكذا البلاد، وهكذا البلاد. قال: بأمر الله، بقدر معلوم، كما شاء الله. قال: ووكل ملائكة بغرز الجنة وعمل آلتها وفرشها وبنائها، والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك. قال: فأعظم جند الله الملائكة. ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال: فأعظم جند الله الملائكة. قال: ﴿وَلَفْظُ الْمَلَكِ﴾، يعني بفتح اللام، ﴿يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذٌ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَهُمْ يُدَبِّرُونَ الْأَمْرَ وَيُقَسِّمُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِذْنِهِ﴾. وَالْمَلَائِكَةُ، يعني مأخوذٌ من ماذا؟ من الألوكة، وهي بمعنى الرسالة، بمعنى الرسالة». قال رحمه الله تعالى: «قال: الله تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، ﴿إِذْنٌ فِي الْأُولَى إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. وفي الآية الثانية: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. ﴿وَأَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِطَوَائِفَ، بِطَوَائِفِ الْمَلَائِكَةِ الْمُنَفِّذِينَ لِأَمْرِهِ فِي الْخَلِيقَةِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. وهذه كلها في الملائكة، وما كلفهم ربنا عز وجل به من الأعمال في ماذا؟ في الخليقة». «قال: وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الإقسام به في كتاب "أيمان القرآن"، وهذا كتاب مطبوع للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، تكلم فيه حول الأيمان، يعني القسم الذي أقسم الله به في ماذا؟ في القرآن». «قال: وإذا عرف ذلك، قال: فجميع تلك المحبات، جمع محبة، تلك المحبات والحركات والإرادات والأفعال، هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات. قال: وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها. قال: فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت السحب الحاملات، أي التي تحمل المياه. قال: ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولن صدع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسمات، ولا سبحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها من أنواع المخلوقات». «قال: قال: فسبحان من تسبحه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً. فربنا تبارك وتعالى له الحكمة البالغة في خلقه وأمره وتدبيره، سبحانه وتعالى». فهذا آخر ما ذكره في هذا الفصل الذي عقده لكي يبين أن المحبة هي أصل هذه الحركات التي تكون في هذا العالم، سواء كان العالم العلوي أو كان العالم السفلي. ولازال ابن القيم رحمه الله تعالى يواصل الحديث حول المحبة، وأن ماذا؟ لا صلاح لهذه الموجودات إلا بكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وخالقها سبحانه وتعالى وحده. وهكذا يذكر رحمه الله تعالى آثاراً لهذه المحبة وتوابعها ولوازمها إلى غير ذلك، يأتي معنا الحديث عنه إن شاء الله عز وجل في دروس قادمة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم.