التعليق على كتاب الداء والدواء 123

التعليق على كتاب الداء والدواء 123

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 123، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

المحبة أصل الحركات وصلاح العالم بالتوحيد

يبيّن المقطع أن كل حركات المخلوقات تنبع من المحبة، وأن استقامة العالم لا تتحقق إلا بتوجيه المحبة والإرادة لله وحده. ويستدل بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ موضحاً أن تعدد الآلهة يفضي إلى الفساد والتنازع.

خطر تعدد الحكام ووجوب وحدانية الإله دلالةً وشرعًا

يشبّه المقطع تعدد الرؤساء بالزوجة ذات البعلين والناقة ذات الفحلين، مستشهداً بسقوط الأندلس وضعف المسلمين بسبب تفرق الأمراء. ثم يقرر توحيد الربوبية والألوهية بدليل انتظام الكون، مبطلاً تعدد الآلهة بآيات التنزيه ومفسراً آية "لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا" بطلب القرب بالطاعة.

تفصيل المحبة المحمودة والمذمومة وآثارهما

يفرق المقطع بين المحبة المحمودة وهي محبة الله وما يوصل إليه، والمحبة المذمومة وهي محبة الأصنام والشهوات، مستدلاً بآيات تبرؤ المعبودين من عابديهم. ويوضح أن المحبة المذمومة تنشأ عن جهل أو ظلم أو اتباع الهوى، بينما آثار المحبة المحمودة نافعة في الدنيا والآخرة وآثار المذمومة ضارة.

خاتمة الدرس وتقديم للفصل القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي مشيراً إلى استكمال الفصل في الدرس القادم مع فصول أخرى تتعلق بالمحبة والإرادة، مبيناً أن المحبة والإرادة أصل كل دين. ويختتم بالدعاء بطلب العلم النافع والعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الماتعة المفيدة من هذه الرسالة القيمة وهذا الكتاب النافع، ألا وهو "الداء والدواء"، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الفصول تتعلق بالمحبة، تتعلق بالمحبة، وقد جعلها رحمه الله تعالى في علاج هذا الداء، في علاج هذا الداء، ألا وهو داء العشق. إذا حبّ العبد لله عز وجل وأبغض لله عز وجل فسيسلمه الله عز وجل من هذا، من هذا الداء. إذا كانت محبة العبد لله تبارك وتعالى عظيمة، أعظم من غيرها من المحاب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. انظر كيف سيطرد ويزول ويتعافى العبد من هذا الداء، وهكذا من غيره من الأدواء الأخرى. ومرة معنا في الدرس الماضي، مر معنا فصل يتعلق بأن جميع الحركات في هذا العالم، سواء العالم العلوي أو العالم السفلي، فأصل هذه الحركات هو المحبة، هو المحبة. فالمحبة هي سبب هذه الحركات، هي سبب هذه الحركات، أي سبب فعلها والقيام بها. وهكذا أيضًا هي غاية هذه الحركات، أي لأجل ما في أو ما عند الشخص من هذه المحبة فإنه يقوم بهذه الحركات، يقوم بهذه الحركات. وذكر رحمه الله تعالى في ذلك الفصل ذكر ما يتعلق بالحركات، وأن منها اختيارية، ومنها طبيعية، ومنها قسرية، يعني قهرية، وهكذا ما الشخص مكره عليه. وذكر رحمه الله تعالى فوائد، وهكذا جوانب نافعة تتعلق بهذا الفصل. ثم أتبع ذلك بفصل آخر، وهذا الفصل الآخر يبين فيه رحمه الله تعالى أنه لا صلاح لهذه المخلوقات وهذه الموجودات إلا إذا كانت حركاتها ومحبتها لله تبارك وتعالى الذي خلقها وفطرها. هنا تصلح الأحوال، وهنا تستقيم الأمور. وأما إذا كانت هذه المحاب لغير الله عز وجل، هنا يقع الشر، وهنا يقع الفساد والاختلاف والتنازع وغير ذلك وغير ذلك. فالمؤلف رحمه الله تعالى يسوق هذه الفصول في المحبة وبيان عظيم شأنها، ويبين رحمه الله تعالى أن المحبة هي أصل في حركات العباد، جميع أعمالهم، خيرها وشرها، طاعاتهم ومعاصيهم، كلها ترجع إلى المحبة، ترجع إلى المحبة. والمحبة هذه كما سبق، إذا كانت لله تبارك وتعالى حصل الصلاح وحصلت الاستقامة وانتظمت الأمور، بخلاف ما إذا كانت هذه المحبة لغير الله عز وجل، فإنه يترتب على ذلك الفساد العريض، وهكذا الضياع التام، وهكذا الضياع التام. قال رحمه الله تعالى: "فصل: قال: إذا عرف ذلك، إذا عرف ذلك، الإشارة تعود إلى ماذا في ذلك؟ قال: إذا عرف ذلك. نعم، الإشارة إلى ماذا؟ نعم، أحسن. يعني ما ذكر في الفصل السابق، ما ذكر في الفصل السابق: أن جميع الحركات في العالم أنها أصلها المحبة، أصلها المحبة. لماذا يذهب هذا يصلي؟ هنا محبة لله عز وجل دفعته إلى أن يتقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل. طيب، طيب، طيب. ذاك ذهب يزني، لماذا ذهب يزني؟ قال: لأنه أحب هذا، هذا العمل. فلو كان يبغضه ما ذهب إليه، ما ذهب إليه. إذن أصل هذه الحركات كلها هو المحبة. هنا يقول رحمه الله تعالى: قال: إذا عرف ذلك، قال: فكل حي له إرادة ومحبة وعمل بحسبه. قال: وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة، أصل حركته المحبة والإرادة. قال: ولا صلاح للموجودات إلا بأن تكون حركاتها وإراداتها ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده. من هو الفاطر الباري؟ نعم يا عبد الله. قال: إلا بأن تكون حركاتها وإراداتها ومحبتها لفاطرها. من هو فاطرها؟ الله عز وجل، الله عز وجل. قال: وبارئها وحده، كما لا وجود لها إلا بإبداعه وحده، إلا بإبداعه وحده. فالله هو خالقنا وهو خالق أعمالنا، والله خلقكم وما تعملون. قال: قال ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. لو كان فيهما آلهة، أي في السماوات وفي الأرض، آلهة. وآلهة وآلهة وآلهة، يا إخوان، هو المعبود. لهذا قولنا: لا إله، أي لا معبود، لا معبود. قال: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. وهذه الآية كما قال أهل العلم فيها إبطال التنديد، أي أن يجعل مع الله عز وجل الند، وفيها تقرير التوحيد، أي أن الله تعالى يفرد بالعبودية والربوبية، وأكد بأسمائه وصفاته. قال رحمه الله تعالى: قال: ولم يقل سبحانه: لما وجدتا، ولكانتا معدومتين، ولا قال: لعدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن يكون على وجه الصلاح والاستقامة. لا بد أن يكون أحدهما صالح والآخر فاسد، أحدهما مستقيم والآخر معوج. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. قال: إلا بأن يكون الله وحده هو معبودهما ومعبود ما حوتاه، أي السماوات والأرض، وما سكنا فيهما، وما سكنا فيهما. إذن يا إخوان، هنا تبين لنا أنه لا صلاح للعالم إلا بالتوحيد، إلا بالتوحيد، أي إفراد الخالق سبحانه وتعالى بالعبادة. ولو عبد مع الله عز وجل غيره، هنا يقع الشر ويقع الفساد. لو كان فيهما آلهة إلا الله، أي غير الله، لفسدتا. قال رحمه الله تعالى: قال: فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد. قال: فإن كل إله كان يطلب مغالبة الآخر بكل وجه، والعلو عليه، ونفوذ أمره دونه، وتفرده دونه بالإلهية. قال: إذ الشرك نقص ينافي كمال الإلهية. قال: والإله لا يرضى لنفسه أن يكون إلهًا ناقصًا. فإن قهر أحدهما الآخر كان هو الإله وحده، والمقهور، أي المغلوب، ليس بإله. وإن لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه، ولم يكن تام الإلهية. قال: فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما، وإلا ذهب كل منهما بما خلق، وطلب كل منهما العلو على الآخر، وفي ذلك فساد أمر السماوات والأرض ومن فيهما، ومن فيهما. ومعنى ذلك يا إخوان: لو كان لهذا الكون، لو كان له إلهان، الأول يأمر والثاني يقول: لا. الشمس تستأذن أن تطلع، يقول الإله الأول: اطلعي. يأتي الإله الثاني يقول: لا، ممنوع الطلوع. ماذا تفعل الشمس؟ تطلع أو تبقى؟ هذا يأمر وذاك ينهى، فيفسد الأمر، وما يستقيم، وما يستقيم. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ولعلى بعضها على بعض، ما يستقيم. قال رحمه الله تعالى: قال: كما هو المعهود. وهنا يذكر مثالًا من واقع الناس. قال: كما هو المعهود من فساد البلد إذا كان فيه ملكان متكافئان. هنا تفسد البلاد إذا كان فيها حاكمان. لا بد من وجود حاكم واحد، وإذا وجد حاكم آخر يكون تحت حكم هذا الحاكم الأول، هذا ملك، ثاني وزير، أو نائب، أو ولي العهد، وهكذا. قال: وفساد الزوجة إذا كان لها بعلان. ما معنى بعلان يا أبا صالح؟ قال: وفساد الزوجة إذا كان لها بعلان. أولاً: بعلان، هذه مفرد أو مثنى أو جمع؟ مثنى، مثنى. طيب، ما مفرده يا أبا أسامة؟ أحسنت. ما مفرد بعلان؟ بعلان مثنى، ما مفرده؟ طيب، أحسنت كذلك يا أبا حذيفة: بعل. أحسنت يا خان، محمد بن زفي. فما هو البعل؟ الزوج. أحسنت. تذكر أو نعم يا خان، أبا معاوية، تذكر آية ذكر فيها البعل؟ أحسنت. آية، آية، جزيلًا، تذكر، شعر، أحسنت، أحسنت. كذلك، نعم يا أبا عمار: ﴿وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾. نعم، أحسنت. فلو وجد للزوجة بعلان، أي زوجان، يصلح؟ لا، ما يصلح. هذا يقول: الليلة عندي. هذا يقول: لا، الليلة عندي أنا. هذا يقول لها: تعالي داخل. يقول: لا، ابقي مكانك. ما يصلح. لكن يصلح أن يكون لي البعل... ماذا؟ آه، زوجتان يصلح، ثلاث يصلح، أربع يصلح. طيب. قال: وفساد الزوجة إذا كان لها بعلان. قال: والشول، أي فساده، إذا كان فيه فحلان. أما بالنسبة للشول فالمقصود به ماذا؟ المقصود به ما يكون في النوق. الناقة إذا أتى عليها سبعة أشهر، سبعة أشهر من يوم نتاجها، أي ولادتها، فلم يبق في ضرعها إلا شول من اللبن، أي مقدار الثلث من اللبن الذي كان يحلب منها عند نتاجها، عند نتاجها. ففسادها إذا كان فيه فحلان، أي ذكران، يحصل هنا الصراع على نكاحها، إلى غير ذلك. قال: وأصل فساد العالم إنما هو من اختلاف الملوك والخلفاء. ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام فيه في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد فيه ملوك المسلمين واختلافهم، وانفراد كل منهم ببلاد، وطلب بعضهم العلو على بعض. وهنا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي تذهب قوتكم، تذهب قوتكم. وانظروا كيف ضعفت الخلافة الإسلامية التي ملأت الشرق والغرب. ملك المسلمين وصل إلى شرق الصين، ووصل إلى شرق فرنسا، وهكذا دخل ملك المسلمين إلى أوروبا من جهة ألبانيا وغيرها من البلدان، إلى قلب أوروبا. كيف ضعفت شوكتهم إلا حين أن تعدد الأمراء، وكل يسعى إلى أن يسيطر على ما في يد غيره؟ بلاد الأندلس، بلاد الأندلس، إسبانيا والبرتغال حاليًا، هذه كانت حاضرة من حواضر المسلمين، بها جوامع، جامعات، بها علم وتعليم، ما زالت آثار المسلمين بعضها باقٍ إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا. كيف استطاع هؤلاء الصليبيون أن يطردوا المسلمين وينهوا حكمهم في تلك البلاد إلا حين أن تعدد الحكام، الحكام والأمراء، وأصبحت إمارات ضعيفة غير متعاونة، وإنما متصارعة ومتحاربة؟ هنا استطاعوا أن يتغلبوا عليها. كذلك يفعلون اليوم. هذه الحدود الموجودة بين بلدان المسلمين، هذه صنعها أعداؤهم. الأعداء هم الذين رسموا هذه الحدود لكي يضعفوا هذه البلاد الإسلامية، ولا تكن موحدة وقوية، لا تكن موحدة وقوية. اليوم ما يسمى بالتعددية الحزبية، السماح بإنشاء الأحزاب السياسية في البلد الواحد، يؤدي إلى ماذا؟ هم يقولون: ديمقراطية، ويقولون: إلى غيرها مما يعبروا به. لكن في حقيقة الأمر هو صراع ونزاع واختلاف وخصومات بين أبناء البلد الواحد، يقول: في كثير من الأحيان إلى حروب أهلية، إلى حروب أهلية. وحال الكثير من بلاد المسلمين هو ماذا؟ هو هذا الحال، بسبب هذا الاختلاف، بسبب هذا الاختلاف. قال رحمه الله تعالى: قال: فصلاح السماوات والأرض واستقامتهما وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظام، من أظهر الأدلة وأبينها وأوضحها، على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأن كل معبود من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل إلا وجهه الكريم الأعلى، إلا وجهه الكريم الأعلى. ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يعبد شيء من ذلك، كائنًا من كان، وليس لشيء منها تصرف في هذا الكون إلا بإذنه سبحانه، كما مر معنا في الفصل السابق فيما يتعلق بأمر الملائكة. الملائكة يا إخوان، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، إلا بأمر ربك. ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، لمن يشاء ويرضى. قال رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ﴾. إذن، إذن، أي لو كان الله عز وجل اتخذ معه إلهًا، قال: ﴿إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي سعى كل منهم أن يعلو على الآخر. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. والتسبيح ما معناه يا خان، أبا طاهر؟ التسبيح، لما نقول: سبحان الله. ولاحظ أن الله تبارك وتعالى إذا ذكر شيئًا مما يدعيه المشركون والمبطلون من نسبة الولد إلى الله أو الزوجة أو الند، فيأتي بلفظ التسبيح. فما معنى التسبيح؟ أحسنت. يعني بمعنى أننا ننزه الله. سبحان الله، أي ننزه الله عن كل نقص وعيب نسبه إليه أولئك المشركون المبطلون، فنمجده سبحانه وتعالى. قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، المخلوق يسأل، بينما الخالق لا يسأل. وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: فقيل المعنى، أي معنى الآية السابقة: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾. قال: فقيل المعنى: لابتغوا السبيل، أي الطريقة، إليه بالمغالبة والقهر، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. ويدل عليه قوله في الآية الأخرى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. قال: شيخنا القائل. قال: شيخنا هو ابن القيم، فمن يعني بشيخه يا أبا محمد؟ أحسنت. شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، أبو العباس، رحمه الله تعالى. قال: شيخنا، والصحيح أن المعنى، أي ليس الأول الذي ذكر، وإنما الصحيح هو المعنى الثاني الذي سيذكر. قال: والصحيح أن المعنى: لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرب إليه بالطاعة والذل له. فكيف تعبدون هم من دونه، وهم لو كانوا آلهة كما تقولون لكانوا عبيدًا له؟ هذا المعنى الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، ليس لابتغوا إلى الله عز وجل بيئة المغالبة، يغالبون الله وينازعونه في الملك، لا. وإنما لابتغوا إليه سبيلًا بالتقرب إليه بالطاعة والعبادة والتذلل. فكيف يعبدون من دون الله عز وجل، وهم لو سلمنا أنهم آلهة كما يقول هؤلاء، لكانوا عبيدًا لله تبارك وتعالى؟ قال: أي ابن تيمية، قال: ويدل على هذا وجوه. منها قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دون هم عبادي، كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي ويخافون عذابي. فلماذا تعبدون هم من دوني؟ فلماذا تعبدون هم من دوني؟ ولهذا يا إخوان، يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، يتبرأ المعبودون ممن عبدوهم، ممن عبدوهم. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: ﴿سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. ما عذر النصارى، عباد الصليب؟ ما عذر النصارى الذين يؤلهون عيسى ويزعمون أن عيسى هو الله؟ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾... ما عذرهم؟ فعيسى يتبرأ منهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾. وهكذا غيرهم ممن عبدوا، يتبرأ من هؤلاء العابدين. قال: الثاني، أنه سبحانه لم يقل: لابتغوا عليه سبيلًا، بل قال: ﴿لَّابْتَغَوْا إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفرق في التعبير ها هنا بين "على" و"إلى". قال: وهذا اللفظ إنما يستعمل في التقرب، أي "إلى". قال: كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: وأما في المغالبة فإنما يستعمل "على"، كقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الثالث، أنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه، وهو سبحانه قد قال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾، وهم إنما كانوا يقولون إن آلهتهم تبتغي التقرب إليه، وتقربهم زلفى إليه، كما ذكر الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. إذا أنكر عليهم عبادة الأصنام وغيرها، فما هو حجتهم؟ حجتهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله عز وجل، إلى الله عز وجل. قال: فقال: لو كان الأمر كما تقولون، لكانت تلك الآلهة عبيدًا له. فلماذا تعبدون عبيده من دونه؟ عبيده من دونه. وهنا بين رحمه الله تعالى، بين أن هذه المحبة، ماذا؟ لا بد أن تكون لله تبارك وتعالى. وكما سبق يا إخوان، لا يحب شيء لذاته إلا الله عز وجل. وغير الله إن أحببناه، فإنما هذه المحبة لأجل الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: فصل. قال: والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام، سواء كانت محمودة أو مذمومة، نافعة أو ضارة، أو ضارة. قال: قال: من الزوق والوجد والحلاوة والشوق والأنس والاتصال بالمحبوب والقرب منه، والانفصال عنه والبعد منه، والصد والهجران، والفرح والفرح والسرور، والبكاء والحزن، وغير ذلك من أحكامها ولوازمها، ولوازمها. وهنا في هذا الفصل أراد أن يبين رحمه الله تعالى أن هذه المحبة إذا وجدت، فإن لها آثارًا مترتبة عليها، وهكذا لها أمور تتبعها، وأشياء تلزمها، وأحكام تتعلق بها، إلى غير ذلك مما ذكره ههنا رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وبينا فيما مضى، فيما سبق معنا، أن المحبة منها ما هي محبوبة، ومنها ما هي مذمومة. المحبوبة كما سبق هي محبة الله عز وجل، وهكذا محبة ما يحبه ربنا تبارك وتعالى، أو يوصل إلى محبته سبحانه. والمذمومة، والمذمومة، ما كان خلاف ذلك، كمحبة الشهوات، وهكذا محبة تلك الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرة، في دنياه وآخرته. قال: وهذه المحبة هي عنوان سعادته، هي عنوان سعادته. قال: والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته. قال: وهي عنوان شقاوته. ومر معنا في فصول سابقة شيء يتعلق بهذه السعادة، وهكذا أيضًا بغيرها من الشقاوة. قال: ومعلوم أن الحي العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه، وإنما يصدر ذلك عن جهل وظلم. أي إذا اختار ما يضره وما يكون سببًا لشقاوته، هذا يدل على جهل عند صاحبه، وهكذا على ظلم. قال: قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذا هو الأصل في الإنسان، الظلم والجهل، ولا ينفك عنه هذان الوصفان إلا بالعلم والعدل. فبالعلم يرتفع الجهل، وبالعدل يرتفع الظلم، يرتفع الظلم. وأما الذي يوقع نفسه في المعاصي، في الشهوات المحرمة، فهذا ظالم لنفسه، ظالم لنفسه. قال رحمه الله تعالى: قال: فإن النفس قد تهوى ما يضرها ولا ينفعها، وذلك ظلم من الإنسان لنفسه. إما بأن تكون جاهلة بحال محبوبها، بأن تهوى الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة، كحال كثير من أهل البدع. يا إخوان، يفعلون البدع ظنًا منهم أنها تقربهم إلى الله عز وجل، وهكذا غيرهم، وهكذا غيرهم. قال: وهذا حال من اتبع هواه بغير علم، وبغير هدى، وبغير هدى من الله. قال: وإما أن تكون عالمة، وإما أن تكون عالمة بما في محبته من المضرة، لكن تؤثر هواها على علمها. وقد تتركب محبتها من أمرين: اعتقاد فاسد، وهوى مذموم، وهوى مذموم. أحيانًا يا إخوان، يعلم الشخص أن هذا باطل، لكنه يتبعه. ويعرف أن هذا هو حق، لكنه يجتنبه. يعرف أن هذا حرام، لكنه يفعله. وهذا واجب وعبادة وقربة وطاعة، لكنه يتركه، لكنه يتركه. هنا يقع في الظلم. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا حال من اتبع الظن وما تهوى الأنفس، وما تهوى الأنفس. قال: فلا تقع المحبة المذمومة الفاسدة إلا من جهل، أو اعتقاد فاسد، أو هوى غالب، أو ما تركب من ذلك، أي من هذه الأمور التي ذكرت. قال: وأعان بعضه بعضًا، فتتفق شبهة يشتبه بها الحق بالباطل، فتزين له أمر المحبوب. وكما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. وهكذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، فرآه حسنا. قال: وشهوة تدعوه إلى حصوله، فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والإيمان، والغلبة لأقواهما، الغلبة لأقواهما. أحيانًا يغلب العقل ويغلب الإيمان، فيصلح حال هذا الإنسان. وفي أحيان أخرى كثيرة، يغلب جيش الشبهة والشهوة والسفه والطيش، فماذا؟ فيسوء حال هذا الإنسان. قال: وإذا عرف هذا، فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه. قال: فالمحبة النافعة المحمودة، التي هي عنوان سعادة العبد، توابعها كلها نافعة له، حكمها حكم متبوعها. فإن بكى نفعه، وإن حزن نفعه، وإن فرح نفعه، وإن قبض نفعه، وإن انبسط نفعه. قال: فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة. ومعنى ذلك أن الله تبارك وتعالى يثيبه على ذلك، لأن هذه المحبة محمودة، وتوابعها كذلك أيضًا يعتبر من الأشياء المحمودة. والعكس بالعكس. وسياتي معنا إن شاء الله تعالى في الدرس القادم تتمة لهذا الفصل، مع فصول أخرى كذلك لها تعلق بالمحبة والإرادة، وبيان أن المحبة والإرادة هي أصل كل دين. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.