الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 121، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع أن أعظم ألم للمؤمن هو فوات الأنس بالله وحبه، ويشبه الغافل بالسكران الذي لا يشعر بالاحتراق إلا بعد الإفاقة. كما يؤكد أن فوات الطاعات بسبب الشهوات والشبهات يعد أعظم مصيبة لا يعوضها شيء، وينتهي بندم شديد عند الموت.
يفرق المقطع بين المحبة المحمودة وهي محبة الله وحده وما يحبه، والمحبة المذمومة الشركية التي تساوي بين محبة الله ومحبة الأنداد. ويستدل بالقرآن والسنة على وجوب تقديم محبة الله ورسوله على كل محبة أخرى، وأن العبادة الحقيقية تقوم على كمال المحبة والطاعة لله.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله التوفيق لكل خير ودفع كل شر، ومحبة الله وما يحبه. ويصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى في كتابه القيم ورسالته المفيدة الموسومة بـ «الداء والدواء»، وهي الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو يتحدث حول فصول ماتعة تتعلق بالمحبة، وفي هذا علاج لهذا الداء الذي كما سبق معنا له آثار وخيمة وعواقب أليمة تعود على المرء في دينه ودنياه، وهكذا في آخرته. فإذا عظمت محبة العبد لربه عز وجل ضعفت غيرها من المحاب الأخرى، ومن ذلكم العشق الذي هو تعلق بالصور أو تعلق بالشهوات المحرمة من النسوان والمردان وغيرها من صور العشق. وذكر رحمه الله تعالى في هذه الفصول النافعة قواعد، وذكر أصولاً، وذكر قوائد تتعلق بهذا الجانب. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: فصل: وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تألمه بفقده أشد. كلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تألمه بفقده أشد، أي إذا لم يتحصل عليه وإنما فقده وأضاعه هنا يتألم لفقده. وقال: وكلما كان عدمه أنفع له كان تألمه بوجوده أشد. إذا كان عدم وجود وعدم وقوع هذا الشيء وهذا الأمر هو الأنفع له فإنه يتألم ألماً شديداً بوجوده ووقوعه، كالأمراض. فعدم الأمراض معناه راحة وعافية، فإذا وجدت الأمراض يتألم بوجودها أشد. وهكذا قل في غيرها من الأمور المؤلمة كالجوع، هكذا العطش، هكذا الخوف، هكذا الحروب وغير ذلك، فيتألم بوجودها ويفرح ويرتاح بعدم وجودها. وقال: ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته. بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور له ولا بهجة إلا بذلك، إلا بذلك. ومر معنا يا إخوان أن هذا هو جنة يعيشها أهل الإيمان في هذه الدنيا، هذه جنة الدنيا التي قال عنها غير واحد من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». هذه الجنة التي في الدنيا هي الأنس بالله عز وجل والاستغراق بذكره، وهكذا التلذذ بمناجاته، وهكذا إيثار مرضاته سبحانه وتعالى. قال: بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور له ولا بهجة إلا بذلك. قال: فعدمه ألم شيء لقلب المؤمن. قال: فعدمه، أي عدم حصول هذه الأشياء الطيبة، يقول: آلم شيء لقلب المؤمن، آلم يعني أشد ألماً لقلب المؤمن وأشده عذاباً عليه، وأشده عذاباً عليه. وهنا قد يقول قائل: فلماذا لا يشعر بهذا الألم من كان بعيداً عن الله وعن ذكر الله وتلذذ بمناجاة الله؟ لماذا لا يشعر بهذا الألم؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: وإنما، وإنما، وإنما يغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب اشتغالها بغيره، اشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير، اشتغالها بالشهوات والملذات والوقوع في المحرمات. هذا الذي يجعلها لا تشعر بهذا الألم، لا تشعر بهذا الألم. قال: فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوت الذي هو أشد ألماً من الموت. ألم الفوت يعني الألم الذي يجده العبد لفوات هذه الأشياء العظيمة، هذا أشد ألماً من الموت. قال: كما قال بعض السلف: الفوت أشد من الموت. الفوت، أي فوات هذه الأشياء العظيمة الطيبة، قال: أشد من الموت. قال: لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق. فأحب شيء إلى الروح وأنفعه لها إقبالها على خالقها. قال: فيغيب عنه بما هو أشد ضرراً عليها وأعظم ألماً لها، وأعظم ألماً لها. قال: وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي قد احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوت وحسرته، حتى إذا صح، أي من سكره، صح من سكره. قال: حتى إذا صح وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدته، علم حينئذ بحاله وما فاته، واستوحشه الألم من جميع جهاته. وهذا، وهذا مثال دقيق يضربه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فيذكر أن الغافل عن ذكر الله والبعيد عن طاعة الله لا يشعر بألم فوات هذا النعيم في الدنيا من لذة العبادة وسرور القلب بالطاعة، لا يشعر به. لماذا؟ قال: لانشغاله بغيره، شغله بالشهوات والملذات. قال: مثله كمثل من هو سكران، شرب فأكثر من الشراب حتى أصبح ثملاً، يعني كثيراً التأثر بالسكر، تحترق داره ولا ينزعج، يحترق أهله وأولاده وماله ولا يتألم بسبب تأثير السكر عليه. لكن إذا ذهب أثر هذا المسكر عندها يندم، وعندها يشعر بالألم الذي يصيبه على فوات هذه الأشياء، على فوات هذه الأشياء. ولهذا يا إخوان، كم من التائبين عندما يمن الله عليه بالتوبة ويتذوق حلاوة الطاعة وحلاوة الإيمان، فإنه إذا تاب يتألم على ما مضى من حياته ضائعاً وبعيداً عن هذه الحلاوة وهذه اللذة، يقول: ضاعت علينا سنوات ونحن بعيدون عن الصلوات وبعيدون عن مجالس العلم وحلق الذكر، عندها يتأسف على ما مضى وفات. وهذا، وهذا في سكر الشراب، من شرب خمراً أو تناول مخدراً، وهناك سكر آخر هو سكر الشهوات. سكر الشهوات فكم يعمي صاحبه ويفقده مثل هذا الألم في سكر الشهوة. ولهذا يا إخوان، كم يبقى لربما بعض الناس بعيداً عن الصراط المستقيم، يعيش مثلاً مع الصوفية أو مع الشيعة سنين في الموالد والحضرات، ويعتقد معتقدات وخرافات، فحين أن ينصح لا يستجيب، وحين أن يرى السنة وأثرها لا يتأثر، بسبب ماذا؟ انشغاله بالبدع، وأن حبه لها قد أعمى بصيرته، وهكذا أصم قلبه، أصم قلبه. قال رحمه الله تعالى: قال: وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والإشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله. بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف مضاعفة. لاحظوا يا إخوان أن الواحد قد يبقى في هذه الدنيا يعيش في سكر مع الشهوات أو في سكر مع الشبهات، حتى إذا عاين الموت وأشرف على الانتقال من هذه الدنيا إلى دار البرزخ، هنا يقول: يا ليتني قدمت لحياتي، هنا يقول: يا حسرة على ما فرطت في جنب الله. قال تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾، أي نافذ، يبصر الأشياء على حقيقتها، على حقيقتها. وهذا يا إخوان من أعظم الحسرات التي تصيب الإنسان وأشد الألم الذي يصيب العبد على فوات هذا الخير بسبب سكره بالشهوات أو بالشبهات. قال: قال رحمه الله تعالى: قال: بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف مضاعفة. قال: فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، تصيبه مصيبة في الدنيا ممكن يعوض المال، مات ولد ممكن يأتيه ولد آخر، احترق بيت ممكن يبني بيت آخر، إلى غير ذلك. قال: ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له. قال: فكيف بمن أصيب بمصيبة، أو بمصيبة لا عوض عنها ولا بدل منها ولا جبر لها، ولا نسبة بينها وبين مصائب الدنيا جميعها؟ أي مصيبة هذه التي يشير إليها يا إخوان؟ مصيبة الدين يا إخوان، المصيبة في الدين هذه من أعظم المصائب. ولهذا كان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا». مر معنا في ميمية الشيخ العلامة أبي أحمد حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى أنه قال: «وكل كسر الفتى فالدين جابره، وكل كسر الفتى فالدين جابره». قال: «والكسر في الدين صعب غير ملتئم، والكسر في الدين صعب غير ملتئم». قال رحمه الله تعالى: قال: فلو قضى، قال: فلو قضى الله سبحانه بالموت على العبد من هذه المصيبة والحسرة والألم لكان العبد جديراً به، وإن الموت ليعود أعظم أمنية وأكبر، أعظم أمنيته وأكبر حسراته. هذا لو كان الألم على مجرد الفوات، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدر قدره إلا الله، إلا الله. قال: فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف فهذين الألمين العظيمين الذين لا تحملهما الجبال الرواسي، الجبال الرواسي. وهنا، وهنا يبين رحمه الله تعالى أن ما فات من هذه الدنيا فإنه أسهل بكثير وأهون بكثير مما لو فات على هذا العبد شيء من أمور الدين، من أمور الدين، فاته التلذذ بالطاعات، وهكذا الاجتهاد في العبادات والأنس بالله تبارك وتعالى والإقبال عليه. قال: فأعرض الآن على نفسك أعظم محبوب لك في الدنيا. قال: فأعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا به ومعه، إلا به ومعه. قال: فأصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه، أحوج ما كنت إليه، أحوج ما كنت إليه. كيف يكون حالك؟ على سبيل المثال إذا فقد الزوج زوجته، أو فقد الأب ابنه أو ابنته، أو فقد الابن أمه أو أباه، وهكذا غيرها من الأمور المحبوبة إلى القلب، كيف يكون حال هذا الإنسان؟ تضيق به الدنيا، أو تضيق عليه الدنيا بما رحبت، يتمنى، يتمنى الكثير منهم أن لو كان نسيا منسياً، أن لو مات. وهذا مع أن الذي فات من أمر الدنيا ممكن أن يعوض. قال: هذا ومنه كل عوض. قال: فكيف بفوات من لا عوض عنه، من لا عوض عنه؟ قال: من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوض. إذا أضعت الله عز وجل وأضعنا الطريق إلى الله عز وجل فما الذي يعوضها؟ قال: ﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت﴾. هل يستطيع أن يعود؟ هل يمكنه الرجعة؟ كلا، ﴿إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. قال: وفي أثر إلهي: «يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب. يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء». وهذا الأثر هو أثر إسرائيلي، يعني من أخبار بني إسرائيل، من أخبار بني إسرائيل اليهود والنصارى، وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى، وهكذا ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى كما في كتابه التفسير، وقالا معاً: إنه من الإسرائيليات. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، فليتبوأ مقعده من النار». وخلاصة ما مضى في هذا الفصل: هو أن أعظم شيء يفوت الإنسان في هذه الدنيا هو ما يفوته من الخير والإقبال على الله عز وجل، وكذلك السرور، وهكذا ماذا ما يجده من لذة في العبادة وإقبال على الطاعة، هذا من أعظم ما يفوت على الإنسان في هذه الدنيا، يوجب عليه ألماً، ويوجب عليه كذلك أيضاً حسرة. لكن الكثير من الناس لا يشعر بالألم ولا يجد حسرة، بسبب ماذا؟ بسبب انشغاله بشهوات أو انشغاله بشبهات. فإذا زال أثر هذه الشهوات أو هذه الشبهات أتى الألم، وشعر، وشعر، وشعر. مثله كمثل رجل أجريت له عملية جراحية وعمل له ما يسمى بيئة البنج المخدر، فيقطع فيه الأطباء ولا يجد ألماً، يقطع فيه الأطباء ولا يجد ألماً، حتى إذا زال أثر ذلكم المخدر عندها يشعر بالألم، ويشعر بيئة الوجع، ويشعر بيئة الوجع. وهذا سهل يا إخوان، ممكن يتناول مهدئاً فيذهب ذلكم الألم. لكن المصيبة العظيمة: مصيبة الدين. لما يبقى الواحد منا في سكرة مع الشهوات أو مع الشبهات لا يفيق إلا إذا حضرت الملائكة لانتزاع الروح من جسده، عندها يفيق ويقال له: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾، أي نافذ، ترى الأمور على حقيقتها والأشياء على حقيقتها. هنا يا إخوان تعظم الحسرة وتعظم الندامة، يريد أن يعود إلى الدنيا وهيهات أن يعود، وقد قضى ربنا عز وجل أنهم إليها لا يرجعون، أنهم إليها، أي إلى الدنيا، لا يرجعون. قال رحمه الله تعالى: قال: فصل: ﴿وَلَمَّا كَانَتْ الْمَحَبَّةُ جِنْسًا تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ كَانَ أَغْلَبُ مَا يُذْكَرُ فِيهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ وَيَلِيقُ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِهَا﴾. قال: ولا يصلح إلا له وحده، مثل العبادة والإنابة ونحوهما. قال: فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده، وكذلك الإنابة، وكذلك الإنابة. ولاحظ يا إخوان كيف أن المحبة أصل عظيم تقوم عليه هذه الأعمال، هذه الأعمال تقوم على أصل المحبة، وهكذا كمال الذل، وهكذا كمال الخضوع لله تبارك وتعالى. فهنا كانت محبة الله عز وجل هي تعتبر أعظم هذه المحاب، وهي أصل السعادة ورأس السعادة في محبة الله عز وجل، وهكذا محبة ما يحبه ربنا سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: وقد تذكر المحبة باسمها المطلقة، باسمها المطلقة، أي ويراد بها، ويراد بها محبة الله عز وجل. فالمحبة المطلقة هي للمحبوب الأعظم وهو الله جل في علاه. قال: كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: وأعظم أنواع المحبة المذمومة، المحبة المذمومة. وأما المحبة المحمودة فهي محبة الله عز وجل ومحبة ما يحبه ربنا تبارك وتعالى من الأشخاص، وهكذا من الأعمال، وهكذا من الصفات، ومن الأماكن، ومن الأزمنة، وغيرها. قال: وأعظم أنواع المحبة المذمومة، قال: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه، كما في الآية السابقة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. لاحظ إلى هذه المساواة في المحبة، هذه محبة شركية. ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، هذه يقولها المجرمون وهم في النار، ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. فلو أن لنا كرة، إلى أين يا إخوان؟ هذه الكرة إلى الدنيا، ماذا سيفعلوا؟ قالوا: ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لكن هيهات، هيهات، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، ولو ردوا أي إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه. قال رحمه الله تعالى: قال: وأعظم أنواعها المحبوبة المحمودة، أي أنواع المحبة المحمودة. قال: محبة الله وحده ومحبة ما أحب. قال: وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. قال: والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها. لا يبقى في العذاب، أي خالداً مخلداً فيها أبداً إلا أهلها الذين هم مشركون. أما من كان عنده أصل التوحيد وأصل الإيمان فهذا ولو دخل إلى النار فإنه يخرج منها إلى الجنة. قال: فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فإنه لا يبقى فيها منهم أحد، وإنما يخرجوا بعد أن يطهروا، يخرجوا من النار إلى الجنة. قال: ومدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى، أي المحبة المذمومة الشركية. قال: وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، للمحبة المحمودة وهي محبة الله عز وجل ومحبة ما يحبه ربنا، والنوع الثاني المحبة المذمومة وهي المحبة الشركية. قال: وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم، ومعبود كليهما وأخباره، وأخباره عن فعله بالنوعين، وعن حال النوعين في الدور الثلاثة. ما هي الدور الثلاثة؟ ما هي الدور الثلاثة؟ الدنيا والبرزخ والآخرة، أحسنت. قال: قال: وعن حال النوعين في الدور الثلاث. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. قال: في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. القرار، أي الآخرة. قال: فالقرآن في شأن النوعين، ومن هذا سمي القرآن مثاني، يذكر حال الأبرار ويذكر حال الفجار، يذكر صفات أهل الجنة ويذكر صفات أهل النار، وهكذا. قال: وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له. قال: والإجلال والتعظيم، ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى. قال: وثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وهذا في محبة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. وهذا الحديث في البخاري من حديث عبد الله بن هشام التيمي الحجازي، وهو صحابي صغير. قال عبد الله بن هشام: قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي، أو أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال: فقال: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: أي عمر، والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: أو قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر». قال العلامة العيني كما في شرحه على صحيح البخاري المسمى بـ «عمدة القاري»: قال: أي الآن، كم لا إيمانك. قال رحمه الله تعالى: قال: فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله، أي النبي صلى الله عليه وسلم، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه؟ قال: ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها. فلا إله إلا الله، يا إخوان، ما أعظم محبة الله عز وجل، لا تساويها أي نوع من أنواع المحاب الأخرى، وهو سبحانه وتعالى وتقدس المحبوب الأعلى، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. قال: والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب لغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له. ما هي الألوهية؟ قال: ولا تصلح الألوهية إلا له. أسأل الله يا عبد الله. قال: ولا تصلح الألوهية إلا له، ما هي الألوهية، ما هي الألوهية؟ الله، تقول: لا إله، أي أحسن، أي العبادة. لا تصلح الألوهية، أي العبادة، إلا له. فالله، أي المألوه المعبود، وقولنا لا إله، أي لا معبود. قال: قال: ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. لكنه سبحانه وتعالى عن الأنداد وعن الشركاء. قال: والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع. والتأله في بعض النسخ والثالثة، وكأن الذي هو موجود عندنا أصح: التأله هو المحبة والطاعة والخضوع. ومعنى التأله: أي التعبد. العبادة تقوم على كمال المحبة وكمال الطاعة وكمال الخضوع لله عز وجل. بهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، ويأتي معنا كذلك أيضاً فصول أخرى تتبع تتعلق بأصل المحبة وأصلها. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا حبه وحب ما يحبه وحب من يحبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.