التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 43

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 43

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دروس من قصة موسى: الفرار من الظلم واختيار أهون المفسدتين

يستعرض المقطع فائدتين من قصة نبي الله موسى عليه السلام كما ذكرها الشيخ السعدي: الأولى جواز الفرار من البلد عند الخوف من القتل بغير حق، وهذا ليس جبناً بل أخذ بالأسباب لحفظ النفس. الثانية قاعدة فقهية عند تعارض مفسدتين تُرتكب أخفهما، كما آثر موسى الخروج إلى المجهول على البقاء والقتل.

قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين والاستهداء بالله عند التعارض

يشرح المقطع قاعدة أصولية مفادها أنه عند تعارض مفسدتين يُرتكب أخفهما لدفع أعلاهما، مستدلاً بقصة موسى عليه السلام. كما يبين أنه إذا لم يترجح للعالم أو الطالب قولٌ في مسألة علمية أو عملية بعد البحث، فعليه أن يستهدي ربه ويدعوه للهداية إلى الصواب.

اللجوء إلى الله بالدعاء والاستخارة عند اشتباه طريق الحق

يؤكد المقطع على ضرورة دعاء الله والتوجه إليه عند التعرض للإضلال الحسي أو المعنوي، مستشهداً بدعاء موسى عليه السلام عند توجهه لمدين، وبدعاء النبي ﷺ في صلاة الليل، وبعمل العلماء كالبخاري بالاستخارة. ويبين أن الهداية إلى الصراط المستقيم بيد الله وحده، وعلى المؤمن الاقتداء بالأنبياء في اللجوء إليه عند كل مشكل.

دعاء المؤمن واستجابة الله تعالى له في كل شأن

يؤكد المقطع أن على المؤمن أن يتوجه إلى الله بالدعاء في كل شؤون دينه ودنياه كطلب العلم والرزق والهداية والزواج، وأن الله سبحانه يفتح له ويستجيب دعاءه. ويختتم بالتأكيد على التوفيق من الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى يتحفنا بالفوائد المستنبطة من قصة نبي الله موسى عليه السلام. قال: ومنها إذا خاف التلف بالقتل بغير حق في إقامته في موضع، فلا يلقي بيده إلى التهلكة ويستسلم للهلاك، بل يفر من ذلك الموضع مع القدرة، كما فعل موسى. ومعنى هذا أن العبد إذا هدد بقتل، وهذا القتل بغير حق، أي ليس قصاصاً، ولا زنا من إحصان، ولا ارتداد عن دين، ولا نحو ذلك من الأسباب التي يقتل بها المرء بحق، فله أن يفر وأن ينتقل من البلد الذي يخاف فيها القتل إلى بلد أخرى، كما فعل موسى عليه السلام. وهذا له نظائر أو له وقائع في عصرنا هذا، فمن ذلك مثلاً أن يهدد العالم أو طالب العلم من قبل أعداء هذا الدين والفرق الضالة المنحرفة، فيهدد بالقتل لأنه يقول كلمة الحق، أو لأنه ينكر ما عليه تلك الطوائف المنحرفة. فإذا هدد بالقتل ورأى أن ما هدد به واقع أو محتمل أو نحو ذلك، فله أن ينتقل، يذهب من هذه البلد الذي خاف على نفسه فيها، كما وقع في فترة من الفترات من قتل أئمة المساجد والعلماء ببلد عدن ونحوها، فكثير من المشايخ خرج من البلاد. فهذا من أخذ الأسباب، ليس من الجبن. بعض يقول: هؤلاء جبناء. كيف جبناء؟ يعني يجلس حتى يقتل؟ لا أمن موجود، ولا حماية، ولا شيء. هل يجلس حتى يقتل ثم نقول: ما شاء الله فلان شجاع؟ لا، وإنما يتخذ الأسباب، يتخذ الأسباب التي بها تعصم نفسه وتحفظ نفسه، كما فعل نبي الله موسى عليه السلام. قال: ومنها إذا كان لابد من ارتكاب إحدى مفسدتين، تعين ارتكاب الأخف منهما، والأسلم دفعاً لما هو أعظم وأخطر. تعين ارتكاب الأخف منها والأسلم دفعاً لما هو أعظم وأخطر. فإن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو ذهابه إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير هداية ربه، ومعلوم أنه أرجى للسلامة، لا جرم آثرها موسى. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة: عند تعارض مفسدتين يقدم أقلهما مفسدة، يقدم أقلهما مفسدة. هذه قاعدة معروفة مشهورة من القواعد الفقهية. فانظر إلى موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي، وجاءه ذاك الساعي يخبره أن القوم يأتمرون به ليقتله، فهو بين إحدى أمرين وكلاهما مفسدة: إما أن يبقى في مصر فيقتل، وإما أن يخرج وهو لا يعرف الطريق، ومن لا يعرف الطريق فهو مظنة التيهان، وربما مظنة كذلك الخطأ في الطريق، فلربما يلاقي عناء وتعباً وإضلالاً في الطريق. لكن تلك المفسدة أخف، فلربما يضل الطريق لكن يهتدى إليها فيما بعد. فأيهما أعظم مفسدة: أن تذهب نفسه في مصر، أو أن يضل شيئاً في الطريق ثم يصل إلى مكان يأمن فيه؟ لا شك أن المفسدة الثانية هي أخف، هي أخف، فارتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وهي مفسدة ماذا؟ مفسدة القتل. فهذه القصة فيها دليل على هذه القاعدة الأصولية، وهي: عند تعارض مفسدتين يقدم أخفهما مفسدة، فتدفع الكبرى بالصغرى. قال: ومنها أن فيه تنبيهاً لطيفاً على أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين، بعد أن يقصد الحق بقلبه ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب من هذه حاله. إيش معنى هذا؟ يعني إذا بذلت جهدك في تحقيق مسألة علمية أو في مسألة منهجية، ما تدري وجه الصواب فيها، فبحثت هذه المسألة ونظرت في أقوال العلماء فيها، بين مثلاً مجيز ومانع، أو بين محلل ومحرم، ورأيت أن كلا الطرفين عنده من الأدلة، فلم يترجح لك شيء. أنت تريد أن تعمل، هذا معنى قوله: عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به. أنت الآن بحاجة، عندك درس الآن بحاجة إلى أن ترجح، أو بحاجة إلى أن تبين القول الأقرب إلى الصواب، أو أردت أن تعمل، جاءك هذا الشيء: أهو حلال أم حرام؟ للعلماء فيه قولان، بحثت المسألة، ما تبين لك شيء، أنت تريد تعمل بهذا. فهذا معنى قولي: عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به. فأيش الحل؟ الحل الرجوع إلى الله، الاستهداء بربك سبحانه وتعالى، تدعوه أن يهديك إلى الحق والصواب والهدى، كما فعل موسى عليه السلام. سيذهب إلى مكان لا يعرف طريقه. تصور أنت هذا تريد مثلاً أن تذهب من الشحر إلى مثلاً نقول بلد قريب مش بعيد، مثلاً بلد من بلاد شبوة، تريد أن تذهب مثلاً إلى الروضة أو إلى خورة أو غيرها من بلاد شبوة، وأنت ما تعرف الطريق، ولا يمكن أن تذهب مع رفقة أو نحو ذلك، إنما تذهب وحدك تمشي. تخيل هذا الموقف كيف سيكون حالك؟ الطريق أين ستذهب؟ أين ستتوجه؟ فإذا أنت بحاجة إلى أن يهديك الله، فتتخذ الأسباب، ومن تلك الأسباب الدعاء، كما فعل موسى عليه السلام. ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ولما والله، فلما في آيتين: الأولى بالواو والثانية بالفاء، أو العكس. ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾، والثانية ﴿فَلَمَّا وَرَدَ﴾، فلما العكس. لا، هما آيتان: الآية الأولى ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾، والآية الأولى ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾. ها ها ها ها، نعم. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾، ها نعم، آيتان هما: ﴿فَلَمَّا﴾، فالواو في الأولى أو في الثانية؟ الواو في الأولى والفاء في الثانية. الأولى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ها بعدين: ﴿فَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾. كلاهما ﴿وَلَمَّا﴾ ما شفاء؟ آمن، راجع القرآن. كلاهما واو. إذن أنا المخطئ. نعم، إذن كلاهما الواو. فالشاهد من الآية الأولى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. دعا ربه ولجأ إليه. لا تظن أن هذا الدعاء في إضلال الطريق الحسية فقط، لا، أيضاً يكون في إضلال الطريق المعنوية: عند الفتن، وعند التفرق والتنازع، وهذا يقول هذا على ضلال، وهذا يقول هذا على ضلال، وهذا يقول هذا على هدى، وهذا يقول هذا على هدى، ما تدري تتبع من، لا تيأس ولا كذلك تتحير، وإنما ادعُ ربك أن يريك الحق. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يدعو في افتتاح صلاة الليل كما جاء من حديث عائشة بقوله: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك». هذا من الذي يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: «اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». الذي يهديك إلى الصراط المستقيم وإلى طريق الحق القويم هو الله سبحانه وتعالى، هو الله عز وجل. ففي كل إضلال، سواء كان في الإضلال المعنوي وهو أعظم، أو الإضلال الحسي، تدعو الله، تلجأ إلى الله. فهذا نبي من أنبياء الله كان هذا دأبه، وهذا كذلك سبيله، فهكذا ينبغي للمؤمن أن يقتدي بأنبياء الله، أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده. فهذا هو مراد الشيخ ابن سعدي رحمه الله في هذه الفائدة: أن أي مسألة علمية أو دعوية أو منهجية انتبست عليك، وما اهتديت فيها إلى طريق الحق والصواب، فالجأ إلى الله وادعُ الله. ولذلك كان العلماء حتى صلاة الاستخارة يصلونها إذا اضطربوا في مسألة ما أو في أمر ما. الإمام البخاري لما صنف الصحيح استخار، ليس مرة ولا مرتين، بل أكثر من ذلك، ثم بعد ذلك شرح الله صدره لكتابة الصحيح. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يستهدي ربه في كل ما يعرض له من الأمور المشكلات، ومن المسائل المعضلات ونحو ذلك. قال: كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدين ولا يدري الطريق المعين إليها، قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وقد هداه الله وأعطاه ما رجاه وتمنى. انظر في لحظات: ها توجه تلقاء مدين، ثم ورد ماءها ليشرب، فرأى هاتين المرأتين، فوقع ما وقع منه محادثة بينه وبينهما، فاستدعي إلى أبيهما، فعرض عليه النكاح بإحداهما، فتزوج وعمل. وكذلك بعد ذلك، وبعد ما قضى الأجل، أوحى الله عز وجل إليه وصار نبياً رسولاً، بعثه إلى فرعون وقومه. انظروا كيف أن الله عز وجل من عليه وأكرمه. وهكذا المؤمن إذا توجه إلى الله ودعا الله، تريد علماً، تريد رزقاً، تريد فتحاً، تريد هداية، تريد كذلك زواجاً، تريد أي شيء من أمور الدين أو الدنيا، فادعُ الله، وسَل الله الفرج، وسَل الله الهداية، وسَل الله التوفيق، والله سبحانه وتعالى يفتح عليك، يستجيب دعاءك. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا، والله الموفق.