التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 41

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 41

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 41، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ضوابط تغيير المنكر والفرق بين الخوف الطبيعي والمحرم

يؤكد الدرس وجوب سعي الأمة المظلومة لرفع الظلم بالوسائل الشرعية الحكيمة التي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد، محذراً من الثورات العنيفة التي تجر إلى مفاسد أعظم. كما يبين أن الخوف الطبيعي كخوف أم موسى على ولدها وخوف موسى من الحية لا ينافي الإيمان، مميزاً إياه عن خوف الشرك والخوف المحرم.

زيادة الإيمان ونقصانه وثمرته السكينة عند المغلقات

يستعرض المقطع أدلة من القرآن والسنة على أن الإيمان يزيد وينقص، مستشهداً بقصة أم موسى وآيات السكينة في مواضع الخوف كصلح الحديبية. ويبين أن من أعظم ثمار زيادة الإيمان حصول الطمأنينة والثبات عند الشدائد، وهي السكينة التي ينزلها الله على قلوب المؤمنين لتمكينهم من الصواب.

آيات السكينة في القرآن وتأثيرها في تثبيت القلوب

استعرض المقطع آيات السكينة الواردة في سورة التوبة يوم حنين وفي الغار وسورة البقرة في قصة طالوت وجالوت، مبيناً كيف كان شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم يلجآن إلى قراءتها عند اشتداد الكرب. وقد جربا تأثيرها العظيم في زوال الخوف والقلق وتثبيت القلب بإذن الله، كما في قصة أم موسى.

تثبيت قلب أم موسى وإعادة ابنها سالماً وخاتمة الدرس

أيد الله قلب أم موسى بالسكينة والطمأنينة، فرد إليها ولدها موسى سالماً معافى بإذنه تعالى. ويختتم الدرس على أن يكمل باقي القصة في لقاء قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فما زلنا في ذكر الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله موسى عليه السلام، وقد استطرد المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر تلك الفوائد وأطال، وذلك لطول هذه القصة كما تقدم. وقفنا عند قوله: ومنها أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقها، لا يقوم لها أمر دينها كما لا يقوم لها أمر دنياها. ومعنى هذا: أن أي أمة قهرت وذلت من قبل جبار أو ظالم أو نحو ذلك، فإن الواجب على هذه الأمة أن تسعى لرفع هذا الظلم والقهر، لكن بالطرق الحكيمة المشروعة التي يغلب على ظنهم تحقيق المصالح ودفع المفاسد، أو تقليل المفاسد وتكثير المصالح. فحينئذ لا بد لهم من قومة، ولا بد لهم من سعي نحو التغيير، لا يسعون بطرق مفاسدها أعظم من مصالحها. فتعلمون أن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها، وب دفع المفاسد وتقليلها. فإذا كانت مساعيهم وقيامهم فيها تلك المعاني فبها ونعمت، وإلا فما عليهم إلا الصبر، ما عليهم إلا الصبر. ينبغي أن يفهم كلام المؤلف بتلك الأصول السلفية التي يسير عليها أهل الحق. فقلنا ذلك حتى لا يستدل مستدل من أهل الثورات ومن أهل الحزبيات أن ما قاموا به مما يسمى بالربيع العربي أو نحو ذلك مما أمر به الشرع وحث عليه العلماء، لأن قيامهم مفاسده أعظم من مصالحه. انظروا الآن: ماذا جنت الأمة من تلك الثورات؟ هل تحسنت أوضاع الناس؟ هل رفع عنهم الظلم والذل والقهر؟ بل زاد وكثر. فانظروا إلى العراق، وانظروا إلى ليبيا، وانظروا إلى اليمن التي أقيمت فيها تلك الثورات. الآن الناس يئنون، ويتمنون لو أن الحال الذي مضى أفضل، أو يتمنون لو أن الحال الذي كان يعود فهو أحسن مما هم فيه اليوم، أحسن مما هم فيه اليوم. فأهل السنة يسوسون الناس بالشرع والعلم، لا بالعاطفة والحماس، وإنما بالشرع والعلم والحكمة، ورجوع إلى أهل العلم ونحو ذلك. فأهل السنة ما يمنعون من التغيير إذا كان إلى الأحسن وما فيه مفاسد وما فيه فتن. لا شك أن أهل السنة يسعون إلى ذلك، لكن بالطرق الشرعية، من النصيحة، ومن دعوة الناس إلى التمسك بالدين والاعتزاز بالدين. فإن عزة هذه الأمة ورفعتها بتمسكها بدينها: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. قال المؤلف: ومنها أن الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. وهذا ما يسمى عند العلماء بالخوف الطبيعي. الخوف أنواع، كما درستم في العقيدة: خوف الشرك، وهذا الذي ربما يؤدي بصاحبه إلى الشرك، الخوف من غير الله، خوف العبادة، خوف الذل، خوف المحبة، ونحو ذلك. وهكذا الخوف المحرم، والخوف الطبيعي. الخوف الطبيعي: الشيء الذي جُبلت النفوس على الخوف منه، كخوف العدو، أو الخوف من الأسد، أو الحية، أو نحو ذلك. ومما احتج به على هذا الخوف ما جرى في هذه القصة. الله عز وجل قال لأم موسى: ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾. فقوله: ﴿ لَا تَخَافِي ﴾ دليل على أنها كانت خائفة، وهذا من الخوف الطبيعي: أن تخاف الأم على ولدها، على ولدها. وكذلك موسى عليه السلام لما ألقى العصا: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ﴾، أي خاف لما انقلبت إلى حية تسعى. فمن طبيعة البشر الخوف من ذوات السموم ونحو ذلك، فهذا أيضا من الخوف الطبيعي. فإذا خاف مثلا أحدكم من عقرب أو من حية، لا يعير بهذا، قال: "ها أنت تخاف"، هذا شيء طبيعي. خاف أنبياء الله مثل ذلك، ها، فهذا من الخوف الطبيعي. قال: ومنها أن الإيمان يزيد وينقص، بقوله: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. والمراد بالإيمان هنا زيادته وزيادة طمأنينته. لماذا؟ هنا قال: إن الإيمان المراد به هنا الزيادة فيه، لأنها ليست بكافرة. صح؟ أم موسى هي مؤمنة، هي مؤمنة. والله عز وجل أرجع إليها ولدها ليزداد إيمانها، وأن وعد الله عز وجل حق، وأن مدبر ذلك هو الله سبحانه وتعالى. فهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهو من الأدلة الكثيرة التي استدل بها أهل السنة على ذلك. وإلا هناك أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل على زيادة الإيمان. قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾. والآيات كثيرة. وكذلك في السنة: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». إذن هناك إيمان أعلى وإيمان أدنى، فهذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». إذن هناك إيمان قوي وإيمان ضعيف. فالإيمان القوي هو من زاد إيمانه حتى بلغ إلى درجة الإيمان القوي. وهذا أيضا من الأدلة على زيادة الإيمان. وكذلك هناك أدلة أخرى تدل على نقصان الإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». يعني أن هناك إيماناً ضعيفاً. فهذا من أدلة نقصان الإيمان. وقوله: والمراد بالإيمان هنا زيادته وزيادة طمأنينته. وهذا فيه دليل على أن من أعظم ثمار زيادة الإيمان: الطمأنينة، والسكينة، والثبات، ونحو ذلك من تلك المعاني العظيمة. قال: ومنها أن من أعظم نعم الله على العبد: تثبيت الله له عند المغلقات والمخاوف. فإنه كما يزداد به إيمانه وثوابه، فإنه يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب، ويبقى رأيه وأفكاره ثابتة. وأما من لم يحصل له هذا الثبات، فإن لقلقه وروعه يضيع فكره، ويذهل عقله، ولا ينفع ولا ينتفع بنفسه في تلك الحال. وقوله: تثبيت الله له عند المغلقات والمخاوف، هذا ما يسمى بالسكينة. لأن السكينة إذا نزلت على قلب العبد عند المخاوف والمغلقات، اطمأن القلب، وسكنت الجوارح، ونطق اللسان بالصواب والحكمة، كما ذكر نحو ذلك ابن القيم عليه رحمة الله. ولنا في هذا الأسبوع الذي مضى خطبة عن السكينة وعن أسبابها. وأن الناظر في آيات السكينة والمتأمل فيها يعلم أنها وردت في مواضع المخاوف والمغلقات. آيات السكينة في القرآن: ثلاث آيات وردت في سورة الفتح، وآية وردت في سورة التوبة، وآية وردت كذلك في سورة البقرة. آيات السكينة: المتأمل فيها يرى أنها نزلت في مواضع المغلقات والمخاوف. التي في سورة الفتح كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. هذا نزلت في صلح الحديبية. صلح الحديبية: منع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قبل المشركين من زيارة البيت والعمرة، وتم ذلكم الصلح، وظاهر شروطه الغضاضة على المسلمين. هنا فيها شروط ظاهرها الإجحاف على المسلمين كما علمتم في السيرة. فأحزن ذلك الصحابة وأزعجهم وأقلقهم، فالله عز وجل طمأنهم وأنزل عليهم السكينة في هذه الآية. وفي قوله: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾. فأنزل السكينة عليهم. وهكذا في نفس السورة: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. وفي سورة التوبة قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ ﴾. في سورة التوبة وردت آيتان، نعم، في سورة التوبة وردت آيتان من آيات السكينة. الآية الأولى في قول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. وتعلمون أن غزوة حنين لاقى فيها الصحابة أذى شديداً كما وصف الله عز وجل، حتى ولّى بعض الصحابة، ثم ربط الله عز وجل على قلوبهم وأنزل طمأنينته عليهم، فأقبلوا وقاتلوا حتى نصرهم الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية في سورة التوبة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ﴾، أي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر. ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾. كل هذه المواضع مواضع خوف. في الغار يقول أبو بكر كما جاء في الصحيح رضي الله عنه: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا". كان المشركون يمشون من عند باب الغار، فأعماهم الله، أعماهم الله عز وجل، وأنزل الله سكينته على نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه. فكما ذكر المؤلف ها هنا: أن من أعظم نعم على العبد تثبيت الله له عند المغلقات والمخاوف. وقد جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان إذا اشتدت عليه الأمور قرأ بآيات السكينة. إذا اشتدت عليه الأمور قرأ بآيات السكينة. بقيت آية في سورة البقرة: من يذكرها؟ ذكرت فيها السكينة. من يذكرها عندك يا عمر؟ لقصة جالوت وطالوت. نعم، آية: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. هذه تسمى آيات السكينة، تسمى آيات السكينة. فكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ بآيات السكينة. وذكر ابن القيم في بعض كتبه، ومنها مدارج السالكين، أنه سمع شيخ الإسلام: قد وقعت له واقعة عظيمة تعجز القلوب عن حملها، في أرواح شيطانية عند مرضه كانت ترد عليه، أو تعرض له، أو تعرض له كانت تعرض له هذه الأرواح الشيطانية على حال ضعف القوة منه. فلما اشتد عليه الأمر أمر بعض أقرابته ومن هو حوله أن يقرأ عليه آيات السكينة، فذهب ما به من ذلك الكيد ومن ذلك الحال الشديد. فكما ذكر ابن القيم، وقال ابن القيم: «وقد جربت ذلك». هكذا يقول ابن القيم: «وقد جربت ذلك، فإنه إذا اشتدت علي الأمور قرأت آيات السكينة، فرأيت لها تأثيراً عظيماً في دفع ذلك»، يعني في دفع تلك الشدائد. فالإنسان في هذه الدنيا معرض للابتلاءات: يبتلى في نفسه، يبتلى في أهله، في ولده، ونحو ذلك. فيكثر من ذكر الله عز وجل، يكثر من ذكر الله والإقبال على الله، وقراءة القرآن، خصوصاً آيات السكينة. فإن ذلك بإذن الله عز وجل يذهب ما به من خوف وقلق وشدة، بإذن الله سبحانه وتعالى. فانظر كيف أن الله عز وجل ثبت قلب أم موسى، ثبت قلبها مع أن الأمر شديد، حتى وصف الله عز وجل حالها فقال: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾، يعني إن كادت لتخبر به، تخبر به الناس، وأن ولدها أرمته في البحر، وأن كذا وكذا، ما ستصبر على كتمان أمرها: ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾. نعم، ومع هذا ربط الله عز وجل على قلبها، وأنزل سكينته عليها، فأرد إليها ولدها سالماً سالماً معافى بإذنه سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا إن شاء الله، ونكمل ما بقي في درس قادم.