الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبرز المقطع لطف الله بأم موسى حيث ألهمها إلقاء ولدها في اليم ثم رده إليها سالماً معززاً بالأجر والأمان. ويؤكد أن ما يكرهه العبد قد يكون خيراً له مصداقاً للآية الكريمة.
يبيّن أن صرف العبد عن مراده قد يكون خيراً له كما حدث مع أم موسى التي خافت على ولدها فكان سبباً لردّه وجعله رسولاً. ويؤكد وجوب التوكل على الله وحسن الظن به وأن القصص القرآني للعبرة.
يشير المقطع إلى تيسير الله أسباب الخير تدريجياً ك건ة المسجد وتحوّله لمركز علم، مستشهداً بنجاة بني إسرائيل. ويؤكد وجوب السعي بالأسباب المشروعة كتعليم الدين وعدم اليأس حتى لو تأخرت النتائج.
يحث على عدم الكسل أو اليأس بل على العمل مع التوكل على الله الذي يقدر الأمور ويعلم ما يصلح الأمة. ويختتم بتذكير أن الله أعلم بالمصالح.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن شاء الله تعالى نبدأ فيما ذكره المؤلف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في كتابه "قصص الأنبياء"، في ذكر الفوائد المستنبطة من قصة نبي الله موسى وهارون عليهما السلام. قال رحمه الله: "ذكر الفوائد المستنبطة نصاً وظاهراً أو تعميماً أو تعليلاً من قصة موسى عليه السلام". وقوله: "نصاً" أي ما جاء من آيات القرآن. و"ظاهراً" أي ما يدل عليها، أو ما يدل ظاهر هذه الآيات عليها. و"تعميماً" أي بمعنى قول الفقهاء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فسيذكر من الفوائد ما هو عام في تلك الآيات. و"تعليلاً" أي ما يتعلق بأمر السبب والأسباب ونحو ذلك. وهذا كله سيأتي معنا في هذه الفوائد التي أكثر منها المؤلف رحمه الله تعالى، ونسأل الله العون في المرور عليها. قال: أولاً: منها لطف الله بأم موسى بذلك الإلهام الذي به سلم ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها برده إليها التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها. والله عز وجل لطيف بعباده، ولطفه بعباده المؤمنين أعظم؛ لأن الله معهم. فلربما تتعجب أحياناً من لطف الله عز وجل بعبده المؤمن، فتجد أنه وقع في أمر قل ما ينجو منه أحد، وهذا نجى منه ولم يمسه شيء. وهكذا في هذه القصة: لطف الله عز وجل بأم موسى، وبشرها برجوعه ورده إليها. وقوله: "لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها"؛ لأن الوالدين يتعلقان بولدهما تعلقاً عظيماً وكبيراً، فإذا فقد الوالدان ابنهما حزن عليه حزناً شديداً. ذكر بعض العلماء قصة في رجل معه ولد، وكان هذا الولد ولده الوحيد، والتعلق به تعلقاً شديداً، وأحبه حباً شديداً، فقبض الله عز وجل هذا الصبي، فحزن الأب حزناً شديداً، وما ذهب حزنه على مر الأيام والليالي. فلطف الله عز وجل به فرأى رؤيا في منامه، رأى أن القيامة قد قامت، وأن الناس يحشرون إلى النار، ومنهم هذا الرجل، فرأى ابنه هذا الصغير الذي مات، فجرى وأخذ بيده وأرجعه من ذلك الطريق الذي يؤدي إلى النار، أخذ بيده ورده إلى طريق أهل الجنة. فاستيقظ هذا الرجل ففرح فرحاً شديداً بهذه الرؤيا، وأذهب الله عز وجل ما به من حزن، وعلم أن هذا الولد سيكون شفيعاً له بإذن الله يوم القيامة. فهذا من لطف الله عز وجل به. وكذلك أم موسى عليها السلام: أرده الله عز وجل إليها. قال: "ثم رده إليها بإلجائه إليها قدراً بتحريم المراضع"، يعني أن الله عز وجل حرم على موسى المراضع، فبدأ بيت فرعون يبحث عن من ترضعه، فرده الله عز وجل إليها بما تقدم معنا من هذه القصة، ومن كذلك تحسس أخته حتى أرده الله عز وجل إلى أمه. فهذا معنى قوله: "ثم رده إليها بإلجائه إليها قدراً بتحريم المراضع عليه". وبذلك وغيره يعلم أن ألطاف الله على أولياءه لا تتصورها العقول. الله عز وجل لأنه هو سبحانه المتصرف في خلقه، حرم تلك المراضع جميعاً عليه، ولم يجعله يلتقم إلا ثدي أمه فقط، فهذا من لطف الله عز وجل بها. قال: "ولا تعبر عنها العبارات". قال: ﴿وَتَأَمَّلْ مَوْقِعَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ وَأَنَّهُ أَتَاهَا بِابْنِهَا تُرْضِعُهُ جَهْرًا﴾. كانت تُرْضِعُهُ سِرًّا، فإذا خافت عليه ألقته في اليم، وإذا أرادت أن تُرْضِعَهُ سَحَبَتْ ذَلِكَ الْحَبْلَ وَأَرْضَعَتْهُ سِرًّا. الآن وبعد هذا الأمر تُرْضِعُهُ جَهْرًا، تُرْضِعُهُ جَهْرًا، وبكل طمأنينة وبكل سكينة. ومع هذا تأخذ عليه أجراً؛ لأن البيت الفرعوني جعل أجراً لمن يُرْضِعُه، فهي تُرْضِعُ ولدها ومع هذا تأخذ عليه أجراً، وتُسمَّى أُمَّهُ شَرْعًا وَقَدَرًا. يعني هي أمه في الشرع لأنها التي ولدت به، وكذلك ما قدَّره الله من وقوع هذا الشيء. وبذلك اطمأن قلبها وازداد إيمانها. وفي هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. الإنسان ما يدري ما يُصلحه، وما يدري ما هو الشيء الذي يُسعده. فلربما أحدنا يسعى لأمر ما من أمر، مثلاً الرزق، أو من أمر الزواج، أو من أمر الحياة، فلا يُوفَّق، يُصْرَفْ عَنْ هَذَا الشيء، فلا تظن أن صرفك عن هذا الشيء شرٌ لك، لعله يكون خيراً لك. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في قدر الله سبحانه وتعالى. ففوِّض أمرك إلى الله، وعلِّق قلبك بالله، واعلم أن الله عز وجل أرحم بك من أمك وأبيك، بل ومن نفسك التي بين جنبيك. لابد أن تظن بالله عز وجل ظناً حسناً، ظناً حسناً. ففي هذه القصة تذكر وتفكر في هذه المرأة، هذه الأم، وكيف أن الله عز وجل ردَّ إليها ولدها، ومنَّ عليها بهذا الأمر. قال: "فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون". يعني لما وقع ابنها في يد آل فرعون، هذا العدو، هذا الذي هو الذي أمر بقتل الأولاد والأبناء، فيأتي ابنها في يديه. فأليس الأم هذه تخاف على ولدها؟ ما وقع في يدي أي أحد، إنما وقع في يدي فرعون، في يدي فرعون، فلا شك أنها خافت عليه خوفاً شديداً، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾، فهي خافت وحزنة، لأن الله عز وجل أمرها بعدم الخوف والحزن، دل ذلك على أنها خافت وحزنة، فخاطبها الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فلا أكره لأم موسى من وقع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة وأثاره الطيبة. فإذا وقع لك أمر لا تحبه، أو أمر لربما يكون سبباً في حزنك وفي خوفك، فاطمئن واعلم أن الله عز وجل هو الذي يدبر أمرك، وهو الذي يختار لك ما يراه مناسباً لك وخيراً لك. فأخلِص قلبك لله سبحانه وتعالى. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ليس فقط أي خير، بل خيراً كثيراً، خيراً كثيراً. ولعل كثيراً منا حصل له مثل ذلك، بما أحدنا يحزن عندما يفوته شيء من أمر الدنيا، فإذا به تفتح له أبواب كثيرة أخرى من أبواب الرزق، ولولا يعني صرفه عن السبب الأول لما وقعت له تلك الأسباب، لما وقعت له تلك الأسباب. شخص مثلاً يحب أن يعمل في وظيفة ما، فصُرف عن هذه الوظيفة التي ربما راتبها خمسون ألفاً، فإذا به يجد طريقاً آخر من طرق الرزق ومن الأعمال الخاصة، يجد من الراتب أضعاف ما سيجده من الوظيفة التي صُرف عنها. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. فهذا فائدة عظيمة نستفيدها من ذلكم القصص القرآني. قال: ومنها أي من فوائد هذه القصة: أن آيات الله وعبره في الأمم السابقة إنما يستفيد منها ويستنير بها المؤمنون، والله يسوق القصص لأجلهم، كما هو نص القرآن في آخر سورة يوسف، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ومن هم أولو الألباب؟ أولو العقول النيرة، العقول الموفقة، وهم أهل الإيمان، وهم أهل الإيمان. وهنا ذكر آية أخرى استدل بها على هذا، أن هذه الآيات وهذه القصص إنما يستفيد منها المؤمنون. هذا استنباط عجيب من المؤلف. قال: كما قال تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يعني أن هذا القصص، هذه القصة إنما سيقت لينتفع منها المؤمنون، لأنه قال في آخرها: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. أما الكفار فإنهم يكذبون بالقرآن ويستهزئون بما جاء فيه. فإذا الموفق من انتفع بهذا القصص، وأخذ منها العبرة والعظة والعلم والإيمان والفائدة. قال: ومنها أن الله إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، وأتى به شيئاً فشيئاً بالتدريج، لا دفعة واحدة. فالله عز وجل إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، فيهيئ أسبابه. إذا أرادك الله عز وجل أن تكون عالماً هيأ لك أسباب العلم وطرق العلم، فوفقك لمجتمع علمي ولمركز من مراكز ودور العلم، فهذا من الأسباب. أراد الله عز وجل بناء مسجد في قريتك يكون لأهل السنة، هيأ لك الأسباب، هيأ لك تلك الأسباب. أولاً يأتي من يقول لك: عندي أرض أريدها وقف مسجد، لكن ما عندي قدرة على بنائها، هذا سبب. بعد فترة تسعى ويأتي آخر ويقول: علي بناء المسجد، فيبنى المسجد. ثم يأتي آخر ويقول: هذا المسجد يصلح أن يكون مركزاً لأبناء المسلمين، فأنا مستعد أن أنفق للمدرسين ولطلاب العلم في هذا المسجد وإقامة الدورات. تهيأت الأسباب شيئاً فشيئاً حتى صار مسجدك منبراً من منابر العلم وداراً من دور العلم. فهكذا إذا أراد شيئاً، إذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، هيأ أسبابه، وأتى به شيئاً فشيئاً بالتدرج، لا دفعة واحدة. فما تشعر إلا والخير قد انتشر، ولو عدت للخلف وفي أول نشأة هذا المركز أو ذاك المسجد لا تعجبت من مراحل بنائه، ربما سنوات وأنت تسعى في بنائه إلى أن أتم الله عز وجل هذا الأمر. قال: ومنها أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي أن يستولي عليها الكسل عن السعي في حقوقها، ولا اليأس من الارتقاء إلى أعلى الأمور، خصوصاً إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله بني إسرائيل على ضعفها واستعبادها لفرعون وملئه منهم، ومكنهم في الأرض وملكهم بلادهم. ويريد بهذا أن المسلم لا يقنط ولا ييأس من رحمة الله، فمهما بلغ به الضعف فإنه يسعى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً في انتشال هذا الضعف، وفي كذلك الأخذ بأسباب القوة والتمكين ونحو ذلك. فلو رأيت في هذه القصة، ولو قرأت في هذه القصة وصف القرآن لاستعباد فرعون لبني إسرائيل: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ﴾، ﴿وَإِنَّ فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، وهكذا جعلهم شيعاً وأحزاباً متناحرة متقاتلة، ومع هذا ما استولى عليهم الكسل والعجز، ولا القنوط، بل قاموا مع نبي الله موسى، ووقع ما وقع من إغراق فرعون، ومن تمكين بني إسرائيل. فما بلغت الأمة في هذه الأزمان من الضعف ومن تسلط الأعداء، لا يتسلط عليك اليأس، اسعَ في عزة الإسلام والمسلمين، اسعَ. ومن أعظم أسباب ذلك إخراج هذه الأمة من ظلمة الجهل، اسعَ في تعليم المسلمين دينهم وتصحيح العقائد، وتصفية العلم مما دخله من شوائب، من عقائد فاسدة، من أحاديث موضوع مكذوبة. فإذا تعلمت الأمة وعرفت دينها وتمسكت به، فهذا من أسباب عزها وتمكينها وتمكينها. فأنت تحاول، لا تيأس، لا تقول: وإيش الفائدة؟ قد تسلط وتكالب علينا الأعداء، وما هو المخرج من هذه المؤامرات الكبرى ومن التسلط العام ونحو ذلك؟ لا، اسعَ بما تستطيع. الشيخ الألباني عليه رحمة الله كان ينكر على الجماعات، الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية، اتخاذ طرق غير شرعية في الوصول إلى الغاية المنشودة من قوة الإسلام والمسلمين، وكان يقول لهم: المسلمون عليهم أن يسعوا في اتخاذ الأسباب الشرعية التي لا تخالف الدين ولا تخالف الشرع، وإن كانت بطيئة، وإن كانت بطيئة. فأنت مأمور بالإصلاح لا بتحقيق ذلك التمكين ولو بطرق محرمة. ويستشهد كثيراً بقول امرئ القيس مع صاحبه وهم يمشون من أجل أن يصل إلى ملك آبائه، قال: «بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَ». لماذا بكى؟ لأنه رأى الطريق طويلاً، متى سيصل إلى قيصر؟ مسافة طويلة، فبكى. فقال له امرؤ القيس: «فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنَكَ إِنَّمَا نَحْأَوْلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَ». أنت تتخذ الأسباب الشرعية وتمشي في الطريق الصحيح، ولا يلزم أن الوصول إلى الغاية المنشودة يكون في حياتك، قد يكون بعد مماتك، ويكون لك أثر ويد بيضاء كما يقال في التمكين، ولو بعد موتك، لأنك ساهمت في نشر العلم وفي تربية الأجيال، فمن بعدك يسلكون مسلكك، وهكذا حتى ترجع الأمة الإسلامية إلى دينها وإلى صوابها، فيعزها الله. فهذا هو معنى قول المؤلف، وكأنه قال ذلك لأن في زمنه كان مثل الآن، المسلمون في ضعف وتسلط الأعداء، ولم تكن هناك خلافة إسلامية ونحو ذلك، فاستنبط هذه الفائدة ليسلي أهل زمانه. وهكذا في هذا الزمن: أنت لا تكسل ولا تقنط، بل تسعى، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأمور، وهو الذي سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح هذه الأمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.