الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الكتاب هو 'النبذة الشريفة النفيسة' للإمام حمد بن ناصر بن عثمان النجدي، يرد فيه على القبوريين. المؤلف كان من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
يتناول الرد على استدلال المشركين بحديث "يا عباد الله احبسوا"، ويبين عدم صحة هذا الحديث عن النبي وأن دعاء غير الله لا يجوز.
يشرح شروط سؤال الحي الحاضر ويتحدث عن طلب النصر من المخلوق، مستشهدا بقصة موسى وآيات قرآنية.
الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نأخذ في هذا الوقت نقرأ في كتاب الإمام العلامة حمد بن ناصر بن عثمان النجدي رحمه الله، في كتابه "النبذة الشريفة النفيسة" بالرد على القبوريين لحمد بن ناصر بن عثمان المعمر. هذا الكتاب كتبه في جواب بعض الأسئلة على بعض أهل البدع، وبعض القبوريين الذين ينكرون أن دعاء غير الله شرك. فرد عليهم بعض هذه المزاعم التي زعموا أنها ليست بشرك. قالوا: إن دعاء غير الله ليس بشرك، ولا يطلق على من دعا غير الله الكفر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. هذا المؤلف يعتبر من تلاميذ الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومن أصحابه. وهو قد ولد في العُيينة، وهي المنطقة التي ولد فيها الشيخ، أو التي أظهر دعوة الشيخ فيها، وولد كذلك فيها. وأخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والشيخ حسين بن غنام، واجتهد رحمه الله في العلم، وبلغ مبلغًا عظيمًا. وجلس للتدريس في مدن العُيينة، وانتفع به كثير من أهل العلم. بعد موت الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، درس رحمه الله في العُيينة، وكان أيضًا يدرس في وقت شيخه محمد بن عبد الوهاب، ودرس على يده مشايخ كثُر. ومن أشهرهم سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، صاحب كتاب "تيسير العزيز الحميد"، وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن، صاحب كتاب "فتح المجيد"، وغيرهم من العلماء الذين درسوا عند هذا العالم. قال الشيخ رحمه الله: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الكافرين، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين». وهذه خطبة فيها ثناء على الله عز وجل، والخطبة لا بد أن تشتمل على الثناء على الله جل وعلا، والشهادتين. وقد جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الخطبة التي بدون تشهد كاليد الجذماء»، أي المقطوعة. فلهذا لا بد من التشهد، وكذلك الثناء على الله عز وجل، كما كان يفعل نبي الله عليه الصلاة والسلام في خطبه ومراسلاته. قال رحمه الله: «أما بعد، فإنه لما كان منتصف جمادى الثانية من شهور سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف، أي ألف ومائتين وسبعة عشر، ورد إلينا رسالة من محمد بن أحمد الحفظي اليمني من جازان، يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين، فطلب منا الجواب عليها». وهذا يدل على شهرته رحمه الله، حيث يراسله أناس من جازان وعسير وغيرها من هذه المناطق، يراسلونه لطلب الفتوى. قال: «يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين، فطلب منا الجواب عليها، منها زعم أن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه». معنى هذا الزعم: يقول إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله معنى يقال: إن من دعا غير الله مشرك أو كافرًا، يقول إنه غير مسلم. لماذا؟ قال: «لوجوه»، الوجه الأول: «عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه»، أي يريد نصًا يقول: من دعا غير الله فهو مشرك، هكذا. ولا يكفيه الدعاء العام، هذا ليس بنص صريح عنده. وإنما يريد نصًا صريحًا يقول: الدعاء أو دعاء غير الله شرك. الثاني: «أنه إن نُظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، قد ورد أنه شرك وكفر، ثم أولوه بالأصغر». أي يقول: إن هذا لو قلنا إنه شرك، لكنه يكون شركًا أصغر، مثل الحلف بغير الله. وهذا يدل على جهله، كما سيذكر المؤلف رحمه الله. الثالث: «أنه قد ورد في حديث الضرير قوله: يا محمد، إني أتوجه بك إلى آخره». هذا حديث الضرير، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قد أخرجه أحمد وأبو داود وجماعة، وهو صحيح، لكن في بعض الألفاظ ليست صحيحة. وقد رد على الاستدلال بهذا الحديث الشيخ الألباني رحمه الله عليه، بل قبله الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم "التوسل والوسيلة". وسيذكر مؤلفنا رحمه الله بعض هذا الكلام. قال في الجامع الكبير، وعزاه للطبراني: «فيمن انفلتت عليه دابته، قال: يا عباد الله احبسوا». وهذا دعاء ونداء لغير الله. هؤلاء أهل الباطل وأهل البدع يتمسكون بشبهات، ويطرقون المحكمات. الآن عندنا في كتاب الله عز وجل: أنه لا يجوز أن يدعى غير الله، وأن أهل شركهم الذين يدعون غير الله، هذا شيء محكم في كتاب الله، والآيات كثيرة. من هذه الآيات، مثلًا، قول الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ۞ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۞ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فهذه الآيات كما ذكرنا من قبل: أن الإمام المقيم قال: إن هذه الآيات تقطع رؤوس الشرك، لأنها تبين أن كل أحد لا يملك أصلًا مثقال ذرة في السماوات والأرض. فكيف يدعى من دون الله؟ وكيف يطلب منه ما يطلب من الله عز وجل، وهو لا يملك حتى ذرة، شيء أصغر شيء في هذه الحياة لا يملكه هذا الذي يدعى من دون الله؟ لكن هؤلاء تجدهم يتمسكون بخيوط العنكبوت، أو بأوهى من خيوط العنكبوت. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، وقال هنا أيضًا ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يبين الله عز وجل في هذه الآية: أن هؤلاء الذين يدعونهم عباد، أي: أنه ليس أصنامًا فقط، كما يقول بعض المشركين، وبعض القبوريين يقولون: أولئك كانوا يدعون الأصنام. هم أصلًا ما يدعون الأصنام، يدعون هؤلاء الصور الذين صوروا، أو هؤلاء الذين يظنون فيهم الصلاح، وصوروا تلك الصور على صورهم، وهم يدعون أناسًا صالحين يظنونهم. فلهذا فهم أيضًا قد قطع الله عز وجل عليهم الشرك، وهم داخلون في هذه الآيات. قال: فهم يستدلون مثل هذه القصص، أو هذا الحديث: «يا عباد الله احبسوا عليك». وهذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام صحة عن ابن عباس، لكن ليس بهذا اللفظ. إنما قال: إن الله عز وجل وكل ملائكة في الأرض الفلاة، أي وكلهم بهذا العمل، مثل الكتبة الذين يكتبون الأعمال. فوكل الله عز وجل ملائكة، قال: «فمن أضاع شيئًا فليقل: يا عباد الله احبسوا عليك، احبسوا هذا الشيء عليك». وهنا كأنه لم يستغث بغير الله عز وجل، وإنما وكّلهم الله عز وجل بهذا. أجد على هذا: أن هذا كما قلنا منقول عن ابن عباس، ولعله أخذ من الإسرائيليات. وإلا فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لو ثبت، فهو من باب التوكيل، الله عز وجل جعل ملائكة، وكلهم بهذا الأمر. هذا كما قلنا: إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالمراد أن الله عز وجل وكل ملائكة يحفظون على الناس ما يضيع، ما يضيع عليهم. فإذا قال العبد: «عباد الله حبسوه عليه»، حبسوه عليه، ومعناه: دلوه عليه، أو أن الله عز وجل يوفقه لذلك. قال رحمه الله: «والجواب وبالله التوفيق والتأييد، ومنه واستمد العون والتسديد». قال المؤلف: «اعلم أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان: أحدهما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه». هنا الآن أراد المؤلف أن يبين أن قولهم: قولهم مثلًا أن دعاء غير الله ليس بشرك مطلقًا، ليس على إطلاقه. فالدعاء يقسم إلى قسمين: الأول والطلب. فأولًا: سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه، أن هذا أولًا يكون حيًا ليس بميت، ويكون حاضرًا ليس غائبًا، ويكون أيضًا يقدر على هذا الشيء. إذا سأل الإنسان رجلًا حيًا حاضرًا، سأله أن مثلًا يأتي له بولد، هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز؛ لأنه سأله شيء ليس له، لا يقدر عليه. فلهذا هذه ثلاثة شروط: أن يكون حيًا أولًا، فإذا كان ميتًا فلا يجوز أن يطلب منه؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. والأمر الثاني: أن يكون حاضرًا ليس غائبًا؛ لأنه لو دعا الغائب، فهو قد أشرك في الربوبية والوهية. لماذا؟ لأنه إذا دعاه وهو ليس بحاضر، أي يقول: «يا فلان افعل لي كذا، يا فلان افعل لي كذا»، يطلب من إنسان غائب. فمعنى ذلك: أنه يعتقد أنه يسمع من كل مكان، وهذا شرك في الربوبية والأسماء والصفات. معنى أن سمعه كسمع الله عز وجل، وهذا لا يجوز أن يوصف إنسان بهذا: أنه يسمع كل شيء، وفي أي مكان يسمع كل شيء، وفي أي مكان. فهذا لا يجوز الاعتقاد أن يعتقد في عبد خلقه الله عز وجل بهذا الأمر. كذلك أيضًا يكون شركًا في الوهيهة؛ لأنه دعاه من دون الله عز وجل، وهو ليس بحاضر أصلًا. طيب، وأيضًا الأمر الثالث: أنه لا بد أن يكون يقدر على هذا الشيء. قال: «أحدهما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه»، مثل سؤاله أن يدعو له، أو ينصره، أو يعينه بما يقدر عليه. مثل ما يفعل الصوفية مثلًا، يدعون أن هناك من الأموات، ومن أوليائهم من يكون مثلًا يعين الإنسان في أي شيء أراد. ولهذا يجعلون يخصصون أحيانًا يجعلون مخصصات: هذا الولي لكذا وكذا، من أراد مثلًا أولادًا يطلبه من هذا الولي، ومن أراد نصرًا أو مالًا فيطلبه من ذاك الولي، وهكذا. لكن إن كان هذا الذي يسأل حيًا حاضرًا، يقدر على هذا الذي سئل عنه، مثلًا يقال له: «ادعو لي بأن الله ينصر، أن الله مثلًا يعينني على كذا»، فهذا شيء يستطيعه. وهذا قد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، قال: يستشفعون بالنبي عليه الصلاة والسلام في حياته، فيشفع لهم، ويسألون الدعاء فيدعو لهم. والآن مثل بهذا؛ لأجل أن يقرب المسألة. معناه: إذا كان يأتي مثلًا إنسان إلى حي حاضر، فيسأله عن شيء يستطيعه، مثلًا يقول له: «ادعو الله يا فلان لي أن يشفيني»، مثل ما جاء الصحابة، أو بعض الصحابة، تلك المرأة التي جاءت كما في حديث أنس في الصحيحين، جاءت إلى رسول الله وقالت: «يا رسول الله إني أسرع وأتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف ولا أسرع»، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يشفيك»، قالت: «بل أصبر، لكن ادع الله أن لا أتكشف». كذلك أيضًا جاءت امرأة أخرى، جاء كما في صحيح مسلم، وأيضًا أرادت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها من مرض. وهكذا أيضًا كان الصحابة يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكي يدعو لهم. فهذا أمر جائز، وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح أن يدعو لهم. وهكذا أيضًا هو الذي جاء في حديث الضرير، حديث الضرير الذي ذكره هذا الرجل. هذا حديث الضرير: أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد عمي، فقال: «يا رسول الله ادع الله أن يرد إلي بصري»، فقال: «إن شئت دعوت الله، وإن شئت صبرت ولك الجنة»، قال: «بل ادع يا رسول الله»، قال: «بل ادع يا رسول الله»، أي يريد أن يرد الله بصره. فقال له: «توضأ وقل: يا محمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، ثم قال له: قل يا محمد، أو قل يا رب، إني أتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، فاشفعني فيه». أي: اقبل واسطة، واقبل دعاء، اقبل دعاه الذي دعاك به لأجلي. فهذا معنى الكلام. قال في المخلوق: يطلب منه هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَنْصِرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾. نكتفي بهذا، ونقوم في درس الغد إن شاء الله تعالى.