الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 44، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع كيف أن الإحسان للخلق معروفهم ومجهولهم من شمائل الأنبياء كما فعل موسى عليه السلام، مبيناً أن المعين للناس يعينه الله. كما يبرز هدي الأنبياء في التوسل إلى الله بالضعف والفقر والعجز بجانب التوسل بأسمائه وصفاته.
يؤكد المقطع على ضرورة اعتراف العبد بعجزه وفقره عند الدعاء اقتداءً بموسى، ثم ينتقل لبيان فضيلة الحياء كشعب من الإيمان من خلال موقف موسى مع المرأتين. ويختم بتحذير من ذهاب الحياء في المجتمعات المعاصرة وبيان أثر المكافأة على الإحسان.
يبيّن المقطع أن قبول المكافأة غير المقصودة لا يقدح في الإخلاص مستدلاً بقبول موسى لأجر صاحب مدين. ويستعرض جواز الإجارة بأجر غير نقدي كالنكاح بعمل وزمن معلوين، ويؤكد جواز تقديم الولي ابنته للكفء ديناً وخلقاً كما فعل صاحب مدين وعمر بن الخطاب.
يؤكد المتحدث جواز الفعل المذكور مستنداً إلى القصة الواردة وعمل السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم إلى العصر الحاضر. ويختتم بالاكتفاء بما ذُكر مفوضاً العلم لله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا يزال المؤلف رحمه الله يذكر الفوائد والمسائل التي تستنبط من قصة نبي الله موسى عليه السلام. قال رحمه الله: ومنها أن الرحمة والإحسان على الخلق، من عرفه العبد ومن لا يعرفه، من أخلاق الأنبياء. يعني أنك تحسن إلى كل أحد، تعرفه أو لا تعرفه. فالنبي الله موسى عليه السلام لما سقى للبنتين ما كان يعرفهما، بل ولا يعرف بلد مدين، ومع هذا لم يمنعه ذلك من الإحسان إلى هاتين البنتين. قال: وأن من جملة الإحسان الإعانة على سقي الماشية، وخصوصاً إعانة العاجز. فإذا كان هذا في سقي الماشية، فالإعانة في سقي الإنسان من باب أولى، من باب أولى. وهكذا العاجز الضعيف الذي يحتاج إلى إعانة فإنه يعان. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يعين الناس في قضاء حوائجهم، فلما سئل قال: «فإني أجد عون الله إذا أعنت الناس، يعينك الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». فهذا خلق كريم من أخلاق الأنبياء والمرسلين، وينبغي للمسلم أن يتحلّى به، وأن لا يكون أنانياً لا يخدم إلا نفسه، ولا يحسن إلا إلى نفسه، وإنما ينظر إلى العجزة وإلى المحتاجين فيكون عوناً لهم. مررت في طريق، معك سيارة، فوجدت شخصاً واقفاً في الشمس وهو يؤشر إشارة المضطر الذي يحتاج إلى من يقف له ويركبه معه، فلا تبخل. «من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل راحلة فليركب معه من لا راحلة له»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فهذه الأعمال أعمال جليلة. انظر إلى أثر هذه الإعانة في تيسر حال نبي الله موسى: أعان هاتين البنتين، ففتح الله عليه وأعانه، فكان بعد هذه الإعانة زواج واستقرار واطمئنان وتكوين أسرة وعمل ووظيفة، كل هذا من إعانته عليه السلام لهاتين البنتين. فكيف بمن يعين أفراداً من الناس أو جماعة من الناس؟ لا شك أن أثر تلك الإعانة سيكون أعظم، سيكون أعظم. فلا يستهان بهذه الأمور. امرأة ضعيفة طلبت منك أن تحمل لها زاداً، أو أن تسقي لها أغناماً، أو نحو ذلك، فلا تبخل. اعلم أن هذا خير ساقه الله لك، ساقه الله لك يوم أن تجد نفسك في موضع من يستعين به على قضاء حوائجه. هذه كرامة لك، وخير ساقه الله إليك. فهذه فائدة عظيمة نستفيدها من هذه القصة. قال: كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقاهما، لما رآهما عاجزتين عن سقي ماشيتهما قبل صدور الرعاة، كما مر معنا في القصة. قال: ومنها -أي من هذه الفوائد التي نستفيدها من هذه القصة- أن الله كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ونعمه العام والخاص، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه ودفع المضار عن نفسه. هذا باب عظيم كان عليه سلف هذه الأمة، بل كان عليه قبلهم الأنبياء والمرسلون، وهو أن يقدم العبد الدعاء بالافتقار إلى الله. وهذا تجده في أحاديث كثيرة: أردت غفران الذنوب، فانطرح بين يدي الله بالافتقار إليه، وإظهار المسكنة والضعف أمام الله سبحانه وتعالى. ما هو سيد الاستغفار؟ «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي». اعتراف بالفقر، وهكذا الضعف. «أبوء» بمعنى أعترف، أعترف بذنبي، كما أنني أعترف بآلائك ونعمك عليّ، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قدم طلب المغفرة بهذه التوسلات العظيمة، بهذه التوسلات العظيمة. وهكذا كم من أدعية، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة، تجد فيها هذا المعنى، وهو أن يتقدمها توسل العبد بضعفه وعجزه وفقره إلى الله. «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد». فقبل أن تدعو، تفتقر إلى الله: «اللهم أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم إني بما أنزلت إليّ من خير فقير، اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك». تعترف بعجزك وضعفك وافتقارك إلى الله سبحانه وتعالى. فكما أن الداعي يتوسل قبل دعائه بأسماء الله وصفاته، وكذلك اعترافه بنعم الله عليه، فإنه كذلك يتوسل بضعفه وعجزه وفقره إلى الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن موسى ماذا قال؟ «رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير». فقير، فقير إليك. فهذا غاية في الاعتراف بالعجز والضعف، بالعجز والضعف. قال: لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة والافتقار لله، الذي هو حقيقة كل عبد، فالعبودية قائمة على الذل، وعلى إظهار التضرع إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ومنها -أي من هذه الفوائد- أن الحياة... حد عنده غير الحياة، أظن والله أعلم بالهمزة. يكون ومنها أن الحياء والمكافأة... حد عنده الحياء، الهمزة عنده، الهمزة، الهمزة. إذن هذا هو الصواب: ومنها أن الحياء، ليس الحياة بالتاء مربوطة، هذا خطأ. الصواب: الحياء، لأن هذا مأخوذ من حال البنتين، وكذلك من حال نبي الله موسى عليه السلام. فلم يكلمهما بكلام زائد عن الحاجة، وهذا من الحياء. ما توسع معهما في الحديث، وإنما قال: «ما خطبكما؟» يعني: ما شأنكما؟ كلمات يسيرة. ما قال: ما شاء الله، من فين هاتين البنتين، ومن أين جئتم، كيف حالكم، وكذا، ويسولف معهم كما يقولون. لا. قال: «ما خطبكما؟» كلمتان أو ثلاث كلمات. قالت: «لا نسقي حتى يصدر الرعاة، وأبونا شيخ كبير». خلاص، قام بسقيهما، وما كلمهما ولا شيء. وهكذا البنتان: نعم، جاءت إحداهما تمشي على ماذا؟ على استحياء. على استحياء. ولولا الضرورة لما جاءت هذه البنت. لكن هذا الأب شيخ كبير، لو كان قادراً لخرج وسقى بنفسه، ولم يكن معه أولاد. لو كان معه أولاد لذهب الأولاد للسقي للبنات. فإذا الصواب يقال: ومنها أن الحياء والمكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم الصالحين، يعني: سبيل وطريق الأمم السابقة من الصالحين. فالحياء من الإيمان، وهو شعب من شعب الإيمان، والحياء لا يأتي إلا بخير. لكن انظر الآن إلى حال المسلمين من الرجال ومن النساء: ذهب الحياء. تأتي المرأة وتخرج لغير حاجة، عندها في البيت إخوة وزوج وأب، ليسوا بعاجزين، ومع هذا تخرج ليل نهار. والله أمرها بالقرار في بيتها: «وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى». وهكذا تجد المرأة تذهب إلى السوق لوحدها، وتبيع وتشتري، وتضحك وتتكلم بكلام كثير مع البائع دون حياء. وربما ذهبت عن صاحب العبايات، قالت له: خذ القياسات. كيف ستعرف القياسات؟ يأخذ طولها وعرضها بالمتر. تعال يأخذ بالمتر، كما أخبرني أحد من يعمل في السوق: أصحاب العبايات يمترون النساء دون حياء. ولا كان يكفيها أن تأتي بثوب أو بحجاب قديم ويأخذ القياس عليه؟ لا، داعي لأخذ الطول والعرض. هي الآن فيها هذا الحجاب، فيها هذا الثوب، أو هذا ما يسموه بالبالطو، موجود معها، اثنان ثلاثة في البيت. مثل نحن الرجال: إذا أردت قميصاً، تذهب بقميص قديم عند الخياط، قل: لا أريد قياساً مثل هذا. ما في داعي يأخذ طولك وعرضك وأنت رجل. كيف بالمرأة؟ يده تأتي في بعض أجزاء جسدها، ولا حياء، ولا يعني أدب، ولا شيء من ذلك. هذا هو حال نساء زماننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تمشي في الطريق... انقلب الحديث. جاء الحديث أن المرأة تمشي ماذا؟ تمشي طرف الطريق. الآن العكس: أنت تمشي في الوسط، هي تأتي في الوسط، أنت الرجل تروح... إذا كنت صاحب حياء، صاحب استقامة، أنت تروح الطرف. هي تمشي في الوسط. هذا من قلة الحياء، ومن ضعف التدين، ومن كثرة الجهل في النساء. وكم كم من مظاهر ذهاب الحياء في المجتمعات. فالحياء مما جاء به الشرع، ومما كان عليه الصالحون في الأمم السابقة. وكذلك المكافأة على الإحسان: موسى لما سقى لهاتين البنتين، هذا الرجل الصالح، هذا الرجل الصالح كافأه على هذا الإحسان، فأرسل ابنته كي يجازيه على ذلك الإحسان: «إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا». وكان الجزاء عظيماً، كما سيأتي معنا. قال: ومنها أن العبد إذا عمل العمل لله خالصاً، ثم حصل به مكافأة عليه بغير قصد، فإنه لا يلام على ذلك، ولا يخل بإخلاصه وأجره. كما قبل موسى مكافأة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يطلبه، ولم يستشرف له على معاوضة. وهذا فيه... كما ذكر: قد يعمل الإنسان عملاً يريد به وجه الله، يريد الإحسان، يريد الأجر من الله، لكن ما يشعر إلا ويكافأ على هذا العمل، ويعطى مالاً أو هدية أو ثوباً أو أكلاً أو نحو ذلك. فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به؛ لأنه ما قصد ذلك. أعطي أو لم يعطَ لا يبالي بذلك، هو يعمل لوجه الله. فإذا كوفئ بعد ذلك فلا بأس، لا يلام على ذلك، وهذا لا يخل بإخلاصه، هذا لا يخل بإخلاصه. فموسى قبل المكافأة، مع أنه عمل ذلك العمل الصالح لوجه الله، ما يعرف هاتين البنتين، وما كان في باله أن يجازى على هذا الإحسان. فلما كوفئ قبل هذه المكافأة؛ لأنه لم يطلب، ولم يستشرف لهذه المعاوضة التي عوض بها عن هذا العمل. ومن فوائد قصة موسى قال: ومنها جواز الإجارة على كل عمل معلوم في نفع معلوم، أو زمن مسمى، وأن مرد ذلك إلى العرف. يعني: لا يشترط في الإجارة أن تكون بمال، لا، قد تكون بمنفعة. قد تكون بمنفعة. فأنت... فأنت مثلاً: أرعى لهذه الغنم، وأنا مثلاً أعطيك مزرعة تعمل فيها، مثلاً طيب، ويكون ثمرها لك، أو أعطيك سكناً تسكنه أنت وأهلك مقابل هذا العمل. فهذا لا بأس به. وهذا ما رده إلى العرف، إلى عرف الناس. فإن كان هذا مما يتعارف عليه، ومما تتساوى فيه الأجرة، أن هذه المنفعة مقابل المال، بدون ظلم على أحد، فهذا لا بأس به، وبرد الطرفين، فهذا لا بأس به. فهذا معنى قوله: جواز الإجارة على كل عمل معلوم. فالعمل المعلوم في قصة نبي الله موسى: رعي الغنم. رعي الغنم، نعم. وأن النفع المعلوم هو ماذا؟ أنه زوجه ابنته. هذا نفع معلوم، نفع ماذا؟ معلوم. وكذلك زمن معلوم: ثمانية حجج. «فإن أتممت عشراً فمن عندك». فلا بأس بهذا. وأن مرد ذلك كما ذكر إلى العرف، وأنه تجوز الإجارة وتكون المنفعة البضع. ومعنى البضع: يعني الزواج، النكاح. «وفي بضع أحدكم صدقة»، أي في إتيان أحدكم أهله صدقة. نعم، فهذا يجوز: تعمل لي كذا، أزوجك ابنتي، أزوجك أختي، أو نحو ذلك، فلا بأس بذلك إن شاء الله، إذا كان ذلك مما يتعارف عليه. كما قال صاحب مدين: «إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشراً فمن عندك». قال: ومنها أنه يجوز للإنسان أن يخطب الرجل لابنته ونحوها ممن هو ولي عليها، ولا نقص في ذلك، بل قد يكون نفعاً وكمالاً، كما فعل صاحب مدين مع موسى. بل وجاء في شرعنا ما يدل على ذلك: عمر رضي الله عنه عرض ابنته حفصة على أبي بكر، ثم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن بشروط: فمن هذه الشروط رضا البنت، ومن هذه الشروط كذلك أن يكون هذا الرجل كما ذكر كفؤاً: صاحب دين، وصاحب خلق، وصاحب أمانة، وصاحب أمانة، وصاحب... كذلك كما تقدم: دين وخلق. فإذا كان كذلك، فيجوز إذا تهيأت الأمور لهذا الرجل الذي عرضت عليه هذه البنت، فلا بأس. هذا ما فيه، كما ذكر، نقص. ليس عيباً كما يقول بعض الناس: كيف تقدم ابنتك لفلان أو لفلان؟ فيقال: أأنا خير أم عمر رضي الله عنه؟ فلو كان هذا الأمر عيباً ونقصاً، لما فعل ذلك أبو... لما فعل ذلك عمر، ولما قبل ذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا لا بأس، خصوصاً إذا كانت هذه البنت ترغب في الزواج، ولربما إذا تأخرت في زواجها فلا بأس بذلك. وقد فعل ذلك كثير من العقلاء، فسعدت بناتهم، وأكرمنا أولئك البنات مع أزواج صالحين: إن أحبوها أكرموها، وإن أبغضوها لم يضربوها ولم يهينوها. فهذا هو صاحب الدين وصاحب الخلق، يحافظ على ابنتك كمحافظته على نفسه، كمحافظته على نفسه. فلا بأس بذلك، كما في هذه القصة، وكما كذلك في فعل السلف من عهد الصحابة إلى من بعدهم إلى زماننا هذا. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.