الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن علماء الجرح والتعديل انتقدوا رواة كابن أبي ليلى ومجالد بن سعيد وعبد الله بن لهيعة لكثرة خطئهم واضطرابهم في الأسانيد. وعزوا ذلك إلى ضعف حفظهم الناتج عن عدم الكتابة في مجالس السماع حيث كان السلف يكرهون التدوين في المجلس.
يؤكد المقطع أن الحديث الضعيف يقوى بتعدد طرقه وهو منهج المتقدمين كالأحمد والترمذي، ويوضح تفريق أحمد بين الضعيف الذي قد يُحتاج إليه والمنكر المردود. كما ينقل أقوال الأئمة في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حيث اتفقوا على ضعفه وسوء حفظه مع استثناء العجلي الذي جوزه.
يستعرض المقطع حديث القنوت في صلاة الصبح والمغرب مستدلاً برواية البراء بن عازب في صحيح مسلم ورواية أنس بن مالك في البخاري. ثم ينتقل للحديث عن مجالد بن سعيد الكوفي وتكرار عبارة ألا تتعلم في سياق الرواية والتعليم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال أبو عيسى رحمه الله: "وهكذا من تكلم في ابن أبي ليلى، إنما تكلم فيه من قبل حفظه". قال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: روى شعبة عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نبي أيوب عن النبي عليه الصلاة والسلام في العطاس. قال يحيى: ثم لقيت ابن أبي ليلى فحدثني عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي عن النبي عليه الصلاة والسلام. أولا جعله عن نبي أيوب، ولما لقيه يحيى سأله عنه جعله عن علي. قال أبو عيسى: ويروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا شيء، أنه يضطرب في الأحاديث، وكان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغير الإسناد. وإنما جاء هذا من قبل حفظه؛ لأن أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون، ومن كتب منهم إنما كان يكتب بعد السماع، أي بعد أن يسمع يكتب. وبعض العلماء ما يحب أحد يكتب في مجلسه، مثل ما كان يفعل شعبة، ما يحب أحد يكتب في مجلسه. فأكثرهم يكتبون بعد المجلس، ومن كان يكتب في المجلس يكتب خفية، يكتب خفية لا يراه شعبة، إلا محمد بن جعفر كان يكتب، فإذا كتب أراه شعبة، قال: "هذا كتبته عنك". قال الإمام أحمد: "وهذا من الغفلة". فكان شعبة يسكت، أنه يكره أن الإنسان يكتب وقت الدرس، لكن كان كاتبه محمد بن جعفر، حكم بين أصحاب شعبة. وقال ابن سعيد: كنا إذا انتهى مجلس شعبة أخذ معاذ العنبري ركنا، وأخذ خالد بن الحارث ركنا من المسجد، وكتبا ما سمعا. قال: أما أنا فأذهب إلى البيت ثم أكتب ما سمعت. ولهذا خيانا يخونهم الحفظ بسبب أنهم يبتعدون عن الكتابة وقت السماع. قال أبو عيسى: وكذلك من تكلم فيهم من أهل العلم في مجالد بن سعيد وعبد الله بن لهيعة وغيرهما، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطائهم. وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة. قال: فإذا تفرد واحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به. وهذا يؤيد قول كثير من أهل العلم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق اشتد وقوي وصار حجة. وهذا فيه رد على بعض المعاصرين الذين أنكروا هذا، فبعضهم يجزم أنه لم يأت عن أحد من المتقدمين، ويقول: إنما هذا منهج المتأخرين. وهذا كلام غير صحيح، فهذا الإمام الترمذي رحمه الله، ولا شك أنه من المتقدمين. والحد بين المتقدمين والمتأخرين هو زمن الرواية، وحدده الذهبي بثلاثمائة سنة، فمن حضر قبل الثلاثمائة فهو من المتقدمين. وإن كان هذا ليس ميزانا. وأيضا استخدم بعضهم هذا للغرض أو لغرض ما في قلوبهم، وإلا لا فرق بين منهج المتقدمين والمتأخرين إلا شيئا يسيرا في بعض المواضع. وجعل هذه المسألة مما اختلف فيه المتقدمون والمتأخرون، هذا ليس صحيحا. هم يقولون: إنه لم يأت عن أحمد وعن فلان وعن من الأئمة، وإنما يضعفون الحديث بانفراده. وهذا قد يفهم من فعلهم، لكن ليس هذا الذي قرره أو قرره أكثر من واحد، ومنهم الإمام أحمد. الإمام أحمد كان يقول: "الضعيف قد يحتاج له، الضعيف قد يحتاج له، وأما المنكر فأبدا منكر". قال: إن منكر إذا فرض بالشيء، وأشد وأشد ما يكون في هذا إذا يحفظ الإسناد فزاد في الإسناد ونقص، أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير به المعنى. فهؤلاء أقل طبقة من أولئك الذين ذكرناهم قبل، أو ذكرهم المؤلف قبل. هؤلاء أضعف، خاصة في الحفظ، ولهم حديث كثير. قال: أما ابن أبي ليلى فهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قاضي الكوفة، وكان من جلة الفقهاء المعتبرين، وله حديث كثير، وهو صدوق لا يتهم بتعمد الكذب، ولكنه كان سيء الحفظ جدا. هو من فقهاء الكوفة كما ذكر المؤلف، وأبوه عبد الرحمن بن أبي ليلى صاحب علي، وله حديث كثير، ولهذا اهتم العلماء بحديثه، لكن أخطأ في أشياء كثيرة، فلذلك فهو ضعيف، الأصل فيه أنه ضعيف. قال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: "ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى"، عن أي من الرواة الذين رووا الحديث. وقال النضر بن شميل: قال شعبة: "فاضني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حديثا فإذا هي مقلوبة". وقال علي بن المديني: سمعته يحيى يقول: "كان ابن أبي ليلى سيء الحفظ". وقال أحمد: "هو مضطرب بالحديث جدا، سيء الحفظ". وقال: "لا يحتج بحديثه". يعني كما تقدم، يأتي بالحديث مرتين، أو يخلط في الحديث، مرة يجعله عن فلان، ومرة يجعله عن فلان. وقال: وذكر إبراهيم بن سعيد الجوهري عن يحيى بن معين قال: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن ابن أبي ليلى ما روى عن عطاء. قال ابن معين: ابن أبي ليلى ضعيف في روايته. قال إبراهيم -أي الجوهري-: وكان أحمد بن حنبل لا يحدث عنه. وقال أحمد: معنى أحمد بن حنبل لم يدركه، لكن يقول: إنه لم يحدث عنه، أي لا يقبل حديثه. وقال أحمد بن حفص السعدي عن أحمد بن حنبل: "ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثره خطأ". وقال العجلي: "كان صدوقا جائز الحديث". يعني عن عطاء، سواء كان في المسائل أو في الحديث. وأما حديث العطاس الذي ذكر الترمذي أن ابن أبي ليلى طرف فيه، فقد أخرجه الترمذي أيضا في كتاب الأدب، باب كيف يشمت العاطس، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى. وقال: وذكر الترمذي أنه يروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، وهو كما قال. وقد سبق له حديث في أبواب الدعاء، في أبواب الذكر عند الصباح والمساء، وسبق له حديث آخر في القنوت في كتاب الصلاة. إن كان قصد حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في صلاة الصبح والمغرب، فهذا في صحيح مسلم، وابن أبي ليلى الذي روى هذا الحديث عن البراء ليس محمد بن عبد الرحمن. وإن كان يقصد حديثا آخر فالله أعلم. حديث القنوت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في صلاة الصبح والمغرب، هذا في مسلم من حديث البراء، وجاء في البخاري من حديث أنس. قال: وأما مجالد بن سعيد الحمداني الكوفي... ألا تتعلم، ألا تتعلم.