شرح مسائل الجاهلية  86

شرح مسائل الجاهلية 86

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 86، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تمني الأماني الكاذبة وخصائص أهل الجاهلية

المؤلف يشرح الخصلة الثمانون وهي تمني الأماني الكاذبة، ويبين أن اليهود والنصارى يتمنون على الله الأماني دون سبب. الأماني هي تخيلات في النفس مبنية على الظن والتخمين.

أماني اليهود والنصارى وتعصبهم واغترارهم لدياناتهم

يتناول المقطع أماني اليهود والنصارى وتعصبهم لذواتهم وأديانهم، حيث يعتقدون أنهم سيدخلون الجنة دون غيرهم. كما يستفاد من الآية أن من يطمع في الوصول للمنازل العالية دون سبب يشبه اليهود والنصارى.

الفرق بين النية والأمنية وشرط قبول العمل الصالح

النية المجردة لا تكفي للوصول إلى المنازل العالية، بل تحتاج إلى صدق العزيمة والسعي لتحقيق العمل. العلماء أضافوا شرط صدق العزيمة إلى الإخلاص والاتباع لقبول العمل.

الدعاء والصلاة على النبي وخاتمة الدرس

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثمانون تمنيهم الأماني الكاذبة، كقولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، وقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى. هذه الخصلة، إخواني في الله، والتي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى بصيغة العموم، تمنيهم الأماني الكاذبة. فمن خصائص أهل الجاهلية أنهم يتمنون على الله الأماني. قال رحمه الله تعالى: تمنيهم الأماني الكاذبة. والأماني مفردها أمنية، بالتخفيف أو بالتشديد. وما معنى الأماني؟ فسر العلماء رحمه الله تعالى بعدة تفاسير، منها: قال هو ما يتمناه الإنسان. الأماني هو ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه. فهذه الأمنية يتمنى، والأمنية كما يقول العلماء هو تخيل، أمر يقدر في النفس. وهذا الذي يقدر في النفس أحيانًا يكون مبنيًا على الظن والتخمين، فهو للكذب أقرب. وأحيانًا يكون هذا التخيل الذي في النفس يكون مبنيًا على اليقين، لكن الأكثر في الأمان أنها مبنية على التخمين، مبنية على الظن، فهي للكذب أقرب. ولهذا عبر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: تمنيهم الأماني الكاذبة، لوجه الشبه بين الأمان وبين الكذب. فالأمان قائمة على التخمين والظن، والكذب هو الإخبار عما ليس له وجود في الواقع. فالأمان كذب، والأمان التي ساقها ربنا جل وعلا وذكرها في كتابه عن اليهود والنصارى كثيرة جدًا، أنهم يتمنون على الله جل وعلا بعز الدنيا وبشرف الآخرة. والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة ساق بعض الأمان التي ذكرها ربنا جل وعلا عن اليهود والنصارى. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، هذه من الأمان التي يتمنون بها على الله سبحانه وتعالى، بل ويفتخرون بها على من سواهم من الأمم، أنهم إن لبثوا في نار جهنم فإنهم ما يلبثون إلا أياما معدودة. وجاءت الأخبار المرسلة عن عكرمة وعن جماعة أن هذه الأيام كانت تقدر بأربعين يومًا، يزعمون اليهود في معتقداتهم أنهم يمكثون في نار جهنم هذه المدة، أربعين يومًا. وما سر هذا التحديد؟ قال العلماء: السر في هذه الأيام أنهم سيمكثون بها في نار جهنم هي الأيام التي عبدوا فيها العجل. فهم اعترفوا بشركهم واعترفوا بكفرهم، وأنهم سيصيبهم عقوبة ما كان منهم، وهذه المدة سيمكثون بأمثالها في نار جهنم. فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك ماذا؟ سيخرجون منها، يخرجون من نار جهنم. ألن يمكثون في نار جهنم سوى هذه الأيام المعدودة، سوى هذه الأيام اليسيرة؟ وقلنا: هذا قد ثبت مرسلًا عن تحديد الأيام على حد زعم اليهود، وإلا ثبت في صحيح البخاري أنهم أطلقوا. فقد جاء في البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم سأل نفرًا من اليهود: «من أهل النار؟» فقالوا: نمكث فيها يسيرًا، ثم تخلفوننا فيها. هكذا يعتقد اليهود، قالوا: صرحوا وبرروا أنهم سيدخلون النار، فقالوا: نمكث فيها يسيرًا. ففي روايات المراسيل أنها حُددت بأربعين يومًا، لكن في صحيح البخاري أنها لم تحد، وإنما قالوا: نمكث فيها يسيرًا. وبعد ذلك قال: ثم تخلفونا فيها، أي أننا سنخرج، ثم يأتي عوضًا عنكم أنتم أهل الإسلام، أي أن محمدًا عليه الصلاة والسلام وهل الإسلام هم الذين سيمكثون ويستبدل بهم عن اليهود؟ أي: نمكث ثم نخرج، ثم أنتم تدخلون نيابة عنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «اخسأوا، والله لن نخلفكم أبدًا». فهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، فهم يتمنون على الله جل وعلا هذه الأمنية من أنهم يمكثون أيامًا يسيرًا. وكذلك الأمنية الثانية في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وهذا كذلك من أمانيهم، أنهم يتمنون على الله جل وعلا أن الجنة حكر لهم، أن الجنة حكر لهم. فالجنة لا يدخلها إلا اليهود، هذا على زعم اليهود، ولن يدخلها إلا النصارى، وهذا على زعم النصارى فقط. ومن سواهم فإنهم حطب جهنم، كحال الأمة الإسلامية، أي: ليس لكم نصيب من الجنة. فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، فهذه من الأماني. تلاحظ إخواني في الله أن اليهود والنصارى عندهم غرور، وأيضًا يستفاد من هذه الآية أنهم عندهم تعصب، فيتعصبون لذواتهم ويتعصبون لأديانهم. وفي هذه الآية، وفي التي سبقتها، دليل على أن اليهود والنصارى يعترفون بالآخرة، يعترفون بالآخرة، بل ويقرون بالجنة ويقرون بالنار. ففي الآية الأولى اعترفوا بالنار، وقالوا: لن تمسنا النار، اعترفوا بوجود نار جهنم. وفي الآية الثانية: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، كذلك اعترفوا بالجنة. ومع هذه العقيدة التي عند اليهود والنصارى بقيام الآخرة وبوجود الجنة والنار، فإن هذا الإقرار لم ينفعهم، لم ولن ينفعهم عند الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية كذلك، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، استفاد العلماء فائدة، وهو أنه من اغتر وطمع في الوصول للمنازل العالية من غير سبب ومن غير عمل، ففيه شبه من اليهود والنصارى. فاليهود أرادوا الجنة والنصارى أرادوا الجنة، ومع ذلك لم يعملوا لها. فسمى ربنا جل وعلا ذلك أماني. فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾، فهذه أماني. وهكذا يقال في حق كل مسلم، كل مسلم. فتجد أن الكثير من المسلمين لربما الواحد منهم يمني نفسه على أن يكون من أهل الجنة، وأن يكون من أعلى مراتب الجنة، ومن الصديقين ومن الشهداء ومن الصالحين، وأنه سيكون من رفيق نبينا في الجنة. لكن إن نظرت إلى عمله، لا عمل ولا أثر ولا سبب اكتسبه حتى يصل به إلى هذا الحال، فيقال: فعلك هذا يا عبد الله هذه أمنية، وهذا فيه شبه باليهود والنصارى. فمن أراد إخواني في الله المنازل العالية فلابد لهم من عمل. الصحابي الجليل لما جاء عند نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أعني على نفسك بكثرة السجود». إذا أردت أن تصل إلى هذا المكان الرفيع وإلى هذه المنزلة المرموقة فلابد لك من العمل. أما أنك يا عبد الله تجعل حظك من هذا التطلع هو الأمنية، فهذا فيه شبه من اليهود والنصارى. ومما يفرق بين النية والأمنية فارق مهم غفل عنه الكثير من الناس. بعض الناس يشكل عليه أمر النية وأمر الأمنية، لأن النية هي أمر في القلب، والأمنية هو تصور في القلب. فكيف يفرق المرء بين النية وبين الأمنية؟ فبعض الناس إذا سمع فضائل النية، وهو أن العبد يؤجر على نيته وإن لم يعمل بعمل وإن لم يظفر بهذا العمل، فإنه على نيته يصل به إلى المكان السامق، إلى المكان الرفيع. فبعض الناس يتكلون على نياتهم، ولو لم يعملوا، بحجة أن العمل تصل بهم إلى المنازل العالية. وما علموا الفرق بين النية وبين الأمنية. ومن هنا إخواني في الله نبه العلماء على شرط مهم، وهذا الشرط به الفاصل والفيصل بين النية والأمنية، وهما يسميه العلماء بصدق العزيمة. النية المجردة تحتاج إلى صدق العزيمة. كونك يا عبد الله تريد أن تكون من أهل الجنان ومن أعلى مراتب الجنان، وأن تكون مع نبيك عليه الصلاة والسلام ومع الشهداء والنبيين والصديقين والصالحين، تريد أن تصل إلى هذا الحال بالنية المجردة، فهذا لا ينفع وإنما هذا أمنية. والدليل على ذلك أنك تحتاج إلى ما يسميه العلماء صدق العزيمة. ما صدق العزيمة؟ صدق العزيمة أنك تسعى إلى الوصول إلى هذه المرتبة. فإن ظفرت بهذا العمل كان بها، وإن لم تظفر لوجود العزيمة فإنك تؤجر. لكن لابد أنك تبذل ما يسميه العلماء بصدق العزيمة. وصرح العلماء بهذه المسألة عندما تكلموا عن الأعمال أو شروط قبول العمل، ذكروا الإخلاص وذكروا الاتباع، وزاد بعضهم: صدق العزيمة، حتى يفرق بين النية الصحيحة وبين الأمنية الكاذبة. أن النية تحتاج منك إلى جهد. لا كما قال: ما من أحد إخواني في الله في هذا المجلس، بل ولا أظن أحدًا من أهل الإسلام إلا ويتمنى على الله الأماني أن يكون من أهل الجنة وأن يكون من خيار الناس. لكن يا عبد الله ليس الأمر بالدعاوى، كحال اليهود والنصارى، والأمان على الله. وإنما عليك يا عبد الله أن تتخذ الأسباب لذلك. فإن وفقك الله جل وعلا على هذا العمل فأنت من أهله بإذن الله، وإن لم تغفر فالذي فعلته قد أديت. وذلك إن تخلف عنك الأمر وتخلف عنك السبب مع صدق العزيمة على الإتيان، فإنك تعذر عند الله جل وعلا. وحينها يجازيك ربك جل وعلا على نيتك. هذا ما تيسر إخواني في الله في هذه المسألة حول الأماني الكاذبة التي كانت على لسان اليهود والنصارى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.