شرح أسماء الله الحسنى 17

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله البصير ومقتضيات الإيمان به

الدرس يبدأ بشرح معنى اسم الله البصير، حيث يبين أن الله يبصر كل شيء ولا يخفى عليه شيء، ويذكر بعض الآيات التي ورد فيها هذا الاسم. كما يعدد بعض مقتضيات الإيمان بهذا الاسم مثل الذل والخضوع لله ومراقبته.

مقتضيات الإيمان باسم الله البصير وتطبيقاتها العملية

الإيمان باسم الله البصير يستلزم الإحسان في العبادات ومراقبة الله في السر والعلن، والابتعاد عن الإلحاد في أسماء الله وآياته، وأداء الأمانات إلى أهلها. كما يشمل تحسين العبادة وعدم الجدال بالباطل.

التحذير من الذنوب والمعاصي وتحسين الظن بالله

يجب على العبد أن يحسن ظنه بالله البصير ويبتعد عن الذنوب والمعاصي لينعم بنظر الله إليه، وأن يجمع بين خوفه من الله ورجائه دون إفراط أو تفريط.

ختام الدرس والدعاء

الدرس ينتهي بدعاء الله أن يجعلنا من الذين يفهمون معنى اسم الله البصير ويعملون بما يرضيه، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن الأسماء الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا البصير، فالبصير اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، بل ذكر أهل العلم أن هذا الاسم ورد في أكثر من أربعين موضعا في كتاب الله جل وعلا. ورد اسم الله جل وعلا البصير، ومن هذه النصوص قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، ومنها قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، والنصوص كثيرة في ورود هذا الاسم لله جل وعلا. بسم الله البصير، والصفة التي ضمنها هذا الاسم هي صفة البصر، صفة البصر، فالله جل وعلا هو البصير الموصوف بصفة البصر والإبصار، فهو جل وعلا يبصر ببصر يليق به سبحانه وتعالى. ومعنى هذا الاسم -بسم الله البصير- يقول ابن سعدي -رحمه الله تعالى-: "البصير هو الذي أحاط بصره بجميع المبصرات"، البصير الذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسماوات، حتى أخف ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى مجاري الطعام في عروقها، ويرى مجاري الدم، ويرى مجاري الماء في الأغصان وفي النباتات على اختلاف أشكالها وألوانها، ويرى خيانات العيون وتقلب الأجفان. ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما في "طريق الهجرتين"، قال -رحمه الله تعالى-: "البصير لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضاءها ولحمها ومخها"، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء. وقال -رحمه الله تعالى- كما في نونيته: "وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصوان، ويرى مجاري القوت في أعضائها، ويرى نياط عروقها بعيان، ويرى خيانات العيون بلحظها، ويرى كذلك تقلب الأجفان". وقال -رحمه الله تعالى-: "يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي، ويرى مناط عروقها في نحرها، والمخي من تلك العظام النحلي، أمن علي بتوبة تمحي بها ما كان مني في الزمان الأولي". فمعنى اسم الله جل وعلا البصير: الذي وسع بصره جميع المبصرات، فبصره جل وعلا محيط بكل شيء سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء جل وعلا. والبصر من صفات الكمال، البصر من صفات الكمال، والله جل وعلا له الكمال المطلق، ولذلك عاب الله جل وعلا آلهة المشركين، عاب آلهة المشركين لأنها لا تبصر، فقال على لسان نبيه الخليل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. وعاب آلهة المشركين كذلك لأنها لا تتكلم ولا ترجع ولا ترجع القول، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾، اتخذوه وكانوا ظالمين. وقال على لسان نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في حديث المتفق عليه، حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-، وجاء من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر في الصحيحين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وصف الدجال، وصف الدجال -عليه الصلاة والسلام-، وقال: "إنه أعور"، وفي لفظ للبخاري عن ابن عمر: "أعور العين"، وعند مسلم عن ابن عمر: "أعور العين اليمنى". فوصف نبينا -عليه الصلاة والسلام- الدجال بهذا العين، الدجال يدعي الربوبية، فأعظم وصف ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- في بطلانه يدل على بطلان ربوبية هذا الكذاب أنه أعور، وإن كان يغضب، لكنه أعور، فيدل هذا على تنزيه -عليه الصلاة والسلام- لربه جل وعلا من هذا العور، فدل على هذا أن الله جل وعلا يبصر بعينين تليقان بجلاله جل وعلا، كاملتين منزهتين عن كل نقص وعيب. وقد قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال جل وعلا: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال إمام أئمة الحفاظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه العظيم "التوحيد"، قال: "ونحن نقول: لله جل وعلا عينان تليقان بجلاله سبحانه وتعالى، يبصر بهما ما تحت الثرى وما تحت الأرض السابعة السفلى، وما فوق السماء السابعة، يرى كل شيء سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء". فأهل السنة والجماعة يثبتون اسم الله جل وعلا البصير، وأنه موصوف بالبصر جل وعلا، ويثبتون ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة من اتصافه جل وعلا بعينين تليقان به سبحانه وتعالى. والإيمان باسم الله جل وعلا البصير له مقتضيات، فمن مقتضيات الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: الذل والخضوع، أن يكون العبد على ذل وخضوع لله سبحانه وتعالى، وأن يكون كذلك على مراقبة لله سبحانه وتعالى، يعلم أن الله جل وعلا يبصره ويراه، فلا يكون في مكان لا يحب الله جل وعلا أن يراه فيه، ولا يترك المكان الذي يحب أن يراه الله جل وعلا فيه، فكل مكان عبد الله يحب الله جل وعلا أن يراك فيه فعليك أن تسارع إليه، وكل مكان لا يحب الله جل وعلا أن يراك فيه فلا تكن في ذلك المكان، لأن البصير سبحانه وتعالى يحب أن يرى عباده في المكان الذي أمرهم أن يأتوا فيه وأن يكونوا فيه، وأن يبتعدوا عن كل مكان لا يحب جل وعلا أن يراهم فيه. وهكذا من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: الإحسان في العبادات، أن يحسن العبد في عباداته لله جل وعلا، لأنه يعلم أن الله يراه، يراه، فعليه أن يحسن العبادة لله جل وعلا الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، فعليك أن تحسن العبادة لله سبحانه وتعالى. ولذلك كان من أعظم مقامات هذا الدين ومن أعظم مراتب هذا الدين الإحسان، كما بين النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصحيح في حديث جبريل الطويل، حين سئل -عليه الصلاة والسلام- عن الإحسان، قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". فإذا علمت -يا عبد الله- أن الله جل وعلا يراك، وأن البصير يبصرك ويراك، فعليك أن تحسن العبادة لله جل وعلا، تحسن العبادة في قلبك القلبية والقولية والعملية، تحسن في جميع عباداتك لله سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: أن يتقي العبد ربه جل وعلا في السر والعلن، أن يتقي العبد ربه جل وعلا في السر والعلن، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أبي ذر ومعاذ -رضي الله تعالى عنهما- عند الترمذي، قال -عليه الصلاة والسلام-: "اتق الله حيث ما كنت". فعليك -يا عبد الله- أن تتقي الله جل وعلا في سرك وفي علانيتك، لأنك علمت أن الله جل وعلا يراك ويبصرك في حال سرك وفي حال علانيتك، وفي حال جهرك. وتقدم معنا ما ذكره الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرح لكلمة الإخلاص: أن رجلا راود امرأة في فلات ليلا فامتنعت، فقال لها: "ما يرانا أحد إلا الكواكب". فقالت له: "وأين مكوكب، وأين مكوكبها". فهذا فيه تمام مراقبة لله جل وعلا، وعظيم الإيمان باسم الله جل وعلا البصير الذي يبصر العباد ولا يخفى عليه سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: الابتعاد عن الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، والإلحاد في آيات الله جل وعلا الكونية والشرعية، لأن الله جل وعلا توعد الملحدين في آياته وفي أسمائه، وبعد أن توعدهم ربنا سبحانه وتعالى ختم بقوله البصير، بهذا الاسم، وهو اسمه جل وعلا البصير، ختم الآيات التي جاء فيها هذا الوعد الشديد في حق الملحدين في أسماء الله جل وعلا وفي آياته الكونية والشرعية، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. فتوعد الملحدين في آياته الكونية وفي آياته الشرعية، ثم ختم بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وهذا يدلنا على أن من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: الابتعاد عن ما توعد الله جل وعلا فاعله، ومن ذلك الإلحاد في الأسماء وآياته جل وعلا. وهكذا الآيات الكونية والآيات الشرعية، أما الآيات الكونية: فيكون الإلحاد فيها بنسبتها إلى غير الله جل وعلا خلقا أو تدبيرا أو إيجادا، أو كذلك إثبات شريك مع الله جل وعلا فيها أو معينا أو ظهيرا أو غير ذلك. وللإلحاد في آيات الله الشرعية: يكون بتكذيبها أو بتحريفها أو كذلك تغيير ألفاظها، وبعدم إثبات مدلولاتها، ويقع في هذا كل من ألحد في آيات الله جل وعلا الشرعية، إما بالتعطيل أو بالتمثيل أو بالتحريف أو بغير ذلك مما يخالف ما أمر الله جل وعلا به تجاه أسمائه وصفاته، وبين النبي -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا أيضا من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: أداء الأمانات إلى أهلها، بأن يؤدي العبد الأمانات التي استودعه الله جل وعلا إياها إلى أهلها، لأن الله جل وعلا أمر بذلك، أمر بذلك، ثم ختم ذلك بقوله جل وعلا بذكر اسمه البصير، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. فأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وأخبر سبحانه وتعالى أنه السميع البصير، فمن مقتضى الإيمان باسمه جل وعلا البصير: القيام بما أمر الله جل وعلا بأداء الأمانات إلى أهلها. وأعظم الأمانات: التوحيد، بأن يؤدي العبد التوحيد لله جل وعلا كما أمر الله سبحانه وتعالى، وكما بين النبي -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا حقوق الأنبياء، وهكذا حقوق الصحابة، وهكذا حقوق الوالدين، حقوق الأهل، وحقوق الأولاد، وحقوق الجيران، وحقوق الأرحام، إلى آخر ذلك، حقوق كذلك المساكين والفقراء واليتامى، إلى آخر ذلك من الحقوق والأمانات التي أمر الله جل وعلا بأدائها إلى أهلها. وهكذا من مقتضى الإيمان باسم الله سبحانه وتعالى البصير: عدم الجدال بالباطل، وعدم الجدال بغير الحق، فإن الله جل وعلا توعد من جادل بالباطل، ومن جادل بغير الحق، ثم ختم ذلك بذكر اسمه البصير سبحانه وتعالى، فعلم بهذا أن من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: أن لا يجادل الإنسان بالباطل -والعياذ بالله-، وأن لا يجادل بغير علم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير، توعد هؤلاء المجادلين بغير علم، المجادلين بالباطل، هؤلاء الذين جادلوا بغير الحق، لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فالحذر الحذر من الجدال بغير علم، فما أكثر الناس في هذه الأوقات من يجادل -والعياذ بالله- بغير علم، من كتاب الله بغير علم، من سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، يتكلم في أمور لا دليل عنده يدل عليها، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، يتكلم بهواه، يتكلم بعقله، يتكلم بعواطفه، ربما يحلل ويحرم، وربما يفتي ويقضي، إلى آخر ذلك، وكل ذلك بغير سلطان وبغير علم من كتاب الله ومن سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. أين الإيمان باسم الله جل وعلا البصير؟ ألا تعلم -يا عبد الله- أن الله جل وعلا يراك في كل وقت وحين؟ أين أنت حين تجادل في آيات الله بالباطل وبغير علم؟ أين أنت من مراقبة الله سبحانه وتعالى؟ وأين أنت من البصير الذي يراك جل وعلا؟ ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: أن يحسن العبد ظنه بربه جل وعلا، أن يحسن العبد ظنه بربه جل وعلا، فلا يستكثر على الله جل وعلا بأعماله، ولا يظن أن هذه الأعمال التي يعملها لله جل وعلا أنها ضائعة، لا، بل أعمالك -يا عبد الله- مدخرة لك، والله سبحانه وتعالى لا يضيع سعي الساعين، ولا يضيع أجر العاملين سبحانه وتعالى. فمن مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا البصير: أنه سبحانه وتعالى يراك ويرى أعمالك ويبصر أعمالك، وتكتب لك تلك الأعمال، ويثيبك عليها، لا يأتيك الشيطان يقول لك: "تتعب نفسك بهذه الأعمال، الله أعلم هل ستجازى عليها أو كذا أو كذا". لا يعبث بالله، بل الواجب عليك أن تحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، كما أنك تخاف أن لا تقبل منك هذه الأعمال، لأن الله جل وعلا إنما يتقبل المتقين، لكن ليس معنى هذا أن يصل بك هذا إلى إساءة الظن بالله سبحانه وتعالى، ليس معنى أنك تخاف أن لا تقبل منك الأعمال أن تصل إلى حال تقع فيها في إساءة الظن بربك سبحانه وتعالى، لا، أنت تخاف أن لا تقبل منك أعمالك، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، لكنهم مع هذا كانوا عظماء الإحسان بربهم سبحانه وتعالى، ويعلمون أن الله جل وعلا لن يضيع أجور أعمالهم، ولن تذهب عليهم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. تأملوا كيف ختم الله جل وعلا هذه الآية باسمه سبحانه وتعالى البصير، بعد أمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن ذلك غير ضائع عنده سبحانه وتعالى، بل سيجده العبد عند الله جل وعلا. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: المطلع على العباد وعلى أعمالهم، أنه لا يضيع أجورهم ولا أعمالهم، بل تكتب لهم، فلذلك العبد يجمع بين خوفه من الله جل وعلا وبين رجائه، فلا يصل به خوفه من الله جل وعلا إلى إساءة الظن به سبحانه وتعالى، ولا يصل به كذلك رجاؤه وحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى إلى التفريط في خوفه من الله جل وعلا، بل العبد يعلم أن الله جل وعلا شديد العقاب، وهو سبحانه وتعالى غفور رحيم. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. فعباد الله أهل الإيمان يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا البصير: أن يبتعد العبد عن الذنوب والمعاصي، أن يبتعد العبد عن الذنوب والمعاصي، لأن العبد إذا استحضر نظر الله جل وعلا إليه وإبصار الرب جل وعلا له في كل وقت وحين، فإنه سيبتعد عن الذنوب والمعاصي التي تصدر من عينيه أو تصدر من لسانه أو تصدر كذلك من جوارحه، لأنه علم أن البصير يراه سبحانه وتعالى. ألم يعلم بأن الله يرى؟ فيكون هذا من أعظم الدوافع له على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي. فعليك -يا عبد الله- أن تبتعد عن الذنوب والمعاصي حتى لا تحرم نظر الرب جل وعلا إليك، حتى لا تحرم نظر البصير إليك جل وعلا، فإن الله جل وعلا قد عاقب عباده المخالفين المذنبين بحرمانهم من نظره الخاص وبصره الخاص لعباده الذين خالفوه وخالفوا أوامره وأوامر رسوله -عليه الصلاة والسلام-. فإن الله جل وعلا لا ينظر إلى هؤلاء، ولذلك جاءت الأحاديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بعقوبة من وقع في الذنوب والمعاصي: بأن الله جل وعلا لا ينظر إليهم ولا يكلمهم. فلذلك -يا عبد الله- من أعظم النعم عليك من البصير جل وعلا: أن ينظر إليك نظرا خاصا، وهو نظر العناية، ونظر كذلك النصرة، ونظر التأييد، ونظر كذلك التوفيق، وهذا لا يكون إلا بالابتعاد عن الذنوب والمعاصي، والابتعاد عن كل مكان لا يحب الله جل وعلا أن يراك فيه، حتى تنعم بنظر البصير إليك، وتكون ممن ينعم الله سبحانه وتعالى عليهم أيضا يوم القيامة بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن فقه اسم ربه جل وعلا البصير، وما يقتضيه من الإيمان والأفعال التي تحقق ثوابه جل وعلا ومرضاته، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.