الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشيخ درسًا في شرح أسماء الله الحسنى، مشيرًا إلى أهمية العلم بأسماء الله وصفاته كونه من أشرف العلوم وأحد أركان الإيمان. يُبين أن هذا العلم له أعظم التعلق بالقلوب والجوارح.
يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية أهمية علم أسماء الله وصفاته من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مستشهدًا بآية الكرسي وسورة الفاتحة وسورة الإخلاص. يبين أن هذه الآيات تضمنت توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
يروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر صحابيًا كان يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، وأخبره أن حبه لها أدخله الجنة. يدل هذا على جواز قراءتها في كل ركعة، مع التأكيد على أن الفضل العظيم يكون بتدبر معانيها.
يناقش المقطع مسألة تقاضي أجر مالي مقابل قراءة القرآن عند القبور، ويعتبر أن تقاضي ألفي وخمسمائة مقابل خمس دقائق من القراءة دجلاً. يشير إلى أن قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات تعدل ختمة قرآن، ويحذر من استغلال الناس مالياً بهذه الطريقة.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في درس جديد من دروس العقيدة والتوحيد، وهو شرح أسماء الله الحسنى من كتاب "القواعد المثلى" للشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى. حيث ذكر تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله جل وعلا، تتبعها من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. وهذا الشرح سيكون، إن شاء الله، ما يناسب الدروس العامة. فالدرس العام ليس كالدرس الخاص، لأنه يخاطب جماعة من الناس، طالب العلم والعامي. فإن شاء الله تعالى يراعى فيه نصيب كل أحد. بل والله، ما أحوجنا إلى مثل هذا الذي نقول فيه إنه نصيب العامة. نحن والله أحوج إليه، لأن العلم ليس هو العلم النظري، معرفة المعلومات وكثرة المعلومات. العلم هو ما كان له الأثر على القلب وعلى الجوارح وعلى الاستقامة على الطاعة، ثبات عليها والازدياد من الإيمان. هذا هو حلقة العلم على طالب العلم أن يتفاعل مع العلم، لا يطلبه نظريًا وإنما يتفاعل مع هذا العلم. يتفاعل حين يدرس أسماء الله جل وعلا الحسنى، حين يدرس صفاته العليا، وهكذا حين يدرس العلوم الشرعية خاصة التي لها أعظم التعلق بالقلوب والجوارح. ومن ذلك العلم بأسماء الله جل وعلا الحسنى وصفاته العليا. ونمهد قبل الشروع في هذا الدرس لذكر بعض المقدمات التي يتقدم بها العلماء والشراح لأسماء الله جل وعلا الحسنى وصفاته العلا، مما يكون سببًا في الترغيب في طلب هذا العلم والازدياد منه والمواصلة فيه والاستمرار عليه. من ذلك أولًا، علينا أن نعلم أهمية هذا العلم، العلم بأسماء الله جل وعلا وصفاته العلا. هذا العلم هو أعظم العلوم، لأن العلم شرفه بشرف المعلوم. شرف العلم بشرف المعلوم، كما قال بعض السلف. فالمعلوم هنا هو الرب جل وعلا، تتعلم أسماؤه وتتعلم صفاته سبحانه وتعالى. فلا شك أن هذا من أشرف العلوم، لأنه علم يتعلق بأسماء الله جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى. كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، مبينًا شرف هذا العلم: "العلم أغصان ثلاث، ما لها من رابع، والحق ذو تبيان، علم بأوصاف الإله وفعله، وكذلك الأسماء للرحمن، والأمر والنهي الذي هو دينه، وجزاؤه يوم المعاد الثاني، والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان". والله ما قال امرؤ متحدق بسواهما إلا من الهديان. فهذا فيه بيان شرف هذا العلم، يبين ابن القيم رحمه الله شرف العلم بأسماء الله جل وعلا وصفاته، مما يدلنا على منزلة هذا العلم في دين رب العالمين جل وعلا. وفي شرعنا أنه من أركان الإيمان بالله جل وعلا، لأن الإيمان بالله جل وعلا يتضمن الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، وبربوبيته جل وعلا، وبألوهيته عز وجل، وبأسمائه وصفاته. فإذا هو أحد أركان الإيمان بالله جل وعلا التي سمعتم. وهذا يدلنا على منزلة هذا العلم وعظم هذا العلم في ديننا. وما يدل على أهمية هذا العلم أنه أحد أقسام التوحيد، التوحيد الذي خلقت لأجله الخليقة، وأرسلت لأجله الرسل بالدعوة إليه، ولتحقيقه، وأنزلت لأجل الكتب، ورفعت لأجله السماوات، وبسطت لأجله الأرضون، وجعلت لأجله الجنة والنار، وعصمت لأجله الأموال والدماء. هذا التوحيد أحد أقسامه: توحيد الأسماء والصفات. الأول توحيد الربوبية، وإفراد الله جل وعلا بأفعاله سبحانه وتعالى. والثاني توحيد الألوهية، وهو إفراد الله جل وعلا بأفعال العباد. والثالث توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراده جل وعلا بأسمائه وصفاته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما هو بمعنى كلامه رحمه الله، وهو يبين منزلة هذا العلم: "تأمل أعظم آية في كتاب الله جل وعلا، ألا وهي آية الكرسي، هذه أعظم آية في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، حين سأله النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: أتعلم أي آية هي في كتاب الله أعظم؟". فقال: الله ورسوله أعلم، حتى عاد عليه النبي عليه الصلاة والسلام السؤال، فقال بعد ذلك أبي رضي الله تعالى عنه: آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله جل وعلا. يقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: "تأمل هذه الآية العظيمة، أعظم آية في كتاب الله، ماذا تضمنت وماذا احتوت؟ إنها تضمنت ذكرًا لأسماء الله جل وعلا ولصفاته: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم﴾. عدد الأسماء في هذه الآية كم؟ أسماء ذكرها الله جل وعلا في هذه الآية العظيمة، وكم هي الصفات التي تضمنتها هذه الأسماء؟ هذا يدلنا على عظم ومنزلة هذا العلم، العلم بأسماء الله جل وعلا وصفاته في ديننا وشرعنا. ثم ذكر رحمه الله تعالى: "وانظر أعظم سورة في كتاب الله جل وعلا، أعظم سورة في كتاب الله جل وعلا هي سورة الفاتحة، أم القرآن الذي آتاه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه السورة التي لم ينزل ربنا جل وعلا مثلها في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، كما ثبت ذلك عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في البخاري وغيره. سورة الفاتحة افتتح الله جل وعلا بها كتابه القرآن، الذي هو أعظم الرسالات، أنزل هذا القرآن على أفضل الأنبياء والرسل، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. تأمل في هذه السورة، سورة الفاتحة، كم تضمنت من الأسماء وكم تضمنت من الصفات؟ السورة عظيمة، فيها أسماء لرب العالمين جل وعلا كثيرة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. فيها أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فإذا تضمنت توحيد الأسماء والصفات، فأعظم آية في كتاب الله تطرقت إلى هذا الموضوع، وأعظم سورة في كتاب الله جل وعلا تطرقت إلى هذا الموضوع، وإلى هذا العلم والحث عليه والترغيب فيه وبيان فضله. وهكذا أيضًا ذكر رحمه الله تعالى سورة الإخلاص، انظر إلى هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن، تعدل ثلث القرآن كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، متفق عليه في الصحيح، أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، أي في الأجر والثواب. وتأمل في هذه السورة ماذا تضمنت؟ ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. أسماء عظيمة لله سبحانه وتعالى، تضمنت صفات عظيمة لله جل وعلا. أخلصت في ذكر أسماء الله جل وعلا وصفاته، ولذلك سميت سورة الإخلاص، لأنه أخلصت في التعريف بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وبالله سبحانه وتعالى. فهي صفة الرحمن، كما أقر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك الصحابي الذي جاء حديثه في البخاري، حين كان إذا صلى بقومه قرأ بسورة الإخلاص في كل ركعة. فلما طلب منه أن يغير هذا الذي هو عليه، فأبى، قال: "إن شئتم أن أكون إمامكم فأنا على هذا الذي أقرأ به". فشكوه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما الذي يحملك على ذلك أن تقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص؟". فقال رضي الله تعالى عنه: "لأنها صفة الرحمن". صفة الرحمن أقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. وفي لفظ أنه قال: "لأنني أحبها". فأخبره رسول الله عليه الصلاة والسلام أن حبه إياها أدخله الجنة، وذلك لعظيم هذه السورة ومنزلتها في دين وعند رب العالمين جل وعلا. هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص، جاء حديث لكن ضعفه طائفة من أهل العلم، وهو أن كفار قريش طلبوا من نبيهم عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم ربه جل وعلا، فأنزل الله جل وعلا هذه السورة: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. ولكن كما سمعتم، الحديث في سنده مقال، وبعض أهل العلم يحسنه، والمعنى صحيح. المعنى صحيح من تأمل في هذه السورة، سورة الإخلاص، فيها الخبر عن رب العالمين جل وعلا بأنه الله أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. لكن لمن هذا الأجر العظيم؟ أولًا هنا تنبيه وفائدة فيما يتعلق بقراءة هذه السورة، هذا يدل على جواز ذلك، لا على استحبابه. فبعض الناس ربما يظن أنه يستحب هذا، أن الإنسان إذا قرأ يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص، هذا مستحب لإقرار النبي عليه السلام ذلك الصحابي. لكن نبه بعض أهل العلم فقال: لا، هذا إنما يدل على الجواز، هذا يدل على الجواز لا على الاستحباب، لأن الاستحباب هو ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، والسنة التي كان عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام في قراءته، هذا الذي هو مستحب، وأمرنا بالاقتداء به عليه الصلاة والسلام. لكن أقر هذا مما يدل على الجواز. ثانيًا، الفضل المترتب على قراءة هذه السورة، لا كما يظنه كثير من الناس، ربما مجرد قراءة هذه السورة، فيقرؤونها من غير تدبر فيها، بل ربما البعض إنما يقرأها لقصرها، لقصرها كما يفعل مثلا في صلاة التراويح في رمضان، في كثير من المساجد، سورة بعدها سورة الإخلاص، أو الفاتحة، سورة الإخلاص في ركعة، في الركعة الأولى وهكذا في كل ركعة يقرؤون سورة الإخلاص. هل هؤلاء يقرؤونها بتدبر؟ إذا قالوا: نحن نقرأها وهو جائز، لكن نقول: هل تقرؤونها بتدبر كما كان يقرأها ذلك الصحابي الذي يتدبر فيها صفة الرحمن، وأن فيها من صفاته كذا وكذا؟ أم أنكم تقرؤونها سريعا، ربما لا تستغرق قراءتها عندكم ربما أقل من دقيقة، ولا أبالغ في ذلك، أقل من دقيقة، ربما يقرؤون سورة الإخلاص من شدة السرعة، هل هذا هو الذي جاء في هذا الحديث؟ هل تدبرون صفات الرحمن في دقيقة من هذه السورة؟ نعم، الجواب لا. إذن فرق بين من يقرأ هذه السورة على باب الجواز، باب الجواز بتدبر لما فيها من صفات الرحمن، وبين من يقرأها كذلك إنما سريعا لقصرها. وهكذا الثلث ألا ذكر في الأجر، وأنها تعدل ثلث القرآن، إنما في الأجر ليس في الحكم. بعض الناس ربما يلبس على الناس، يقول له: هل تريد قراءة ختمة لوالدك أو لأمك أو عشر ختمات؟ يقول: نعم، يقول: بكذا وكذا الختمة، مثلا بخمسمائة ريال، كم تريد ختمات الله؟ يقول: أنا أريد مثلا خمس ختمات، خلاص بكم؟ ب ألفين وخمسمائة، طيب يقرأ قل له: والله وحد ثلاث مرات ختمة، ويذهب عند القبر ويقرأ، يعني يجيز القراءة عند المقابر، لكن هكذا ثلاث مرات، تقول له: والله وحد قد تعدل ثلث القرآن، إذن قرأ الختمة ختمة خمس مرات، طيب خمسة عشر مرة قراءة سورة الإخلاص، إذن خمسة عشر مرة بألفين وخمسمائة، يحتاج كم دقائق؟ خمس دقائق، هذا من يتقاضى المرتب، ربما حتى الوزير، ولا الرئيس، أنه يتقاضى على كل خمس دقائق ألفين وخمسمائة، فهذا من الدجل. طيب نواصل في ذكر بعض المسائل في درس لاحق إن شاء الله. وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.