الدرس في من حوارات القرآن والسنة 3، الدرس الثالث: ( الحوار الذي دار بين الضعفاء والذين استكبروا وإبليس لعنه الله الذي تبرأ من الفريقين ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور الحوار الدائر يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين وتبرؤ كل فريق من الآخر، ثم خطبة الشيطان متبرئاً من الفريقين ومؤكداً أنه لم يكن له عليهم سلطان إلا الدعوة. كما يحذر من عداوة الشيطان القديمة للبشر منذ آدم ودوره في تزيين الشرك وإضلال الأمم كقوم نوح وسبأ.
يبين المحور عداوة الشيطان الدائمة للإنسان ودعوته للشرك حتى نهاية الزمان، مفصلاً خطواته التدريجية في إيقاع الناس بالمعاصي ك الزنا والسرقة، وسعيه للتفريق بينهم وتحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلقائه للشبهات في ذات الله، محذراً من الاستجابة له.
يسرد المحور أبرز مداخل الشيطان على الإنسان كالتشكيك في الخالق، تثبيط الزكاة والصدقة، إفساد الصلاة بالوسوسة في الطهارة، ومحاولة إضلال المحتضر. ويؤكد أن العلاج النبوي يتمثل في قول: آمنت بالله ورسوله، والاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وتذكر العبودية لله.
يؤكد المحور أن تذكر الله وتقواه ينجيان العبد من وساوس الشيطان مستدلاً بآيات قرآنية وأثر آية الكرسي وسورة البقرة. ويبين أن رمضان فرصة عظيمة لأن مردة الشياطين تُصفد، فيخف الصراع، وعلى المسلم استغلال هذا الشهر للتزود بالطاعات وتقوية جوارحه وقلبه للمعركة المستمرة بعد رمضان.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحوارنا هذا اليوم في هذا الدرس مع الحوار الذي دار بين الضعفاء والذين استكبروا وإبليس لعنه الله الذي تبرأ من الفريقين. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. هذه الآيات أخبرنا ربنا جل وعلا فيها بما سيدور من حوار بين الضعفاء والذين استكبروا، وهم الذين اتبعهم هؤلاء الضعفاء، اعتمروا بأوامرهم وانتهوا بنواهيهم، وغلوا فيهم وعظموهم. كيف يكون الحال يوم القيامة؟ هؤلاء الذين استكبروا يتبرؤون من هؤلاء الضعفاء، والشيطان يتبرأ من الفريقين: من الضعفاء الذين زين لهم هذا العمل، ومن الذين استكبروا كذلك. فيتبرأ منهم، وهذا هو الحال يوم القيامة: تحصل البراءات يوم القيامة من المتبعين لأتبعتهم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَتَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فكل من عبد غير الله، وكل من اتبع أحدًا بباطل، فهو العياذ بالله، فإن ذلك يتبرأ منه، ولو دعاه إلى ذلك، لكنه في ذلك اليوم يتبرأ. ما بالك بالشيطان يتبرأ؟ فكيف بمن هو غير الشيطان وأدنى من الشيطان؟ فلذلك العبد في هذه الدنيا يحرص على الاتباع الحق، وعلى الاتباع ببرهان. الشيطان يذكر هؤلاء يوم القيامة، يقول: الله ما هو برهاني؟ ما هو السلطان الذي هو عندي لأجله اتبعتموني؟ وما كان لي عليكم من سلطان. ما عندي براهين، ما عندي أدلة. هؤلاء الرسل قد أتَوْكم بالآيات من رب العالمين وبالبراهين الدالة على صدق ما جاءوا به. أنا ماذا عندي؟ ما الذي جعلكم تتبعوني؟ وما كان لي عليكم من سلطان، أي من برهان وعلم ودليل لأجله اتبعتموني، وإنما فقط مجرد استجابة منكم: أنا دعوتكم وأنتم استجبتم لي. فالله جل وعلا يقول: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾، أي في الدنيا. ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾. ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾. قالوا: هدانا الله لهديناكم، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، ما لم نحس لا فائدة، إن جزعنا وإن صبرنا أم صبرنا ما في فائدة، ما لنا من محيص. بعد أن جرى هذا الحوار بين الضعفاء والذين استكبروا، قام الشيطان خطيبًا في هؤلاء، وقال الشيطان: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، انتهى الأمر، أهل الجنة دخلوا الجنة وأهل النار دخلوا النار. قام الشيطان خطيبًا موبخًا ومُحسرًا هؤلاء ومتبرئًا منهم، وهم الذين اتبعوه. وقال الشيطان: ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ما أنا بمصرخكم، ما أنا بمنقذكم من شيء. إذا استغثتم بي واستصرختم بي ما أنفعكم. ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾، يكفر الشيطان بهذه العبادة. حتى الشيطان يكفر بالعبادة المصروفة له. الذين يعبدون الشيطان في الدنيا، الشيطان دعاهم إلى عبادة نفسه، لكن يوم القيامة يتبرأ ويكفر بهذه العبادة المصروفة له. الكل يكفر: من عبد من دون الله يوم القيامة يتبرأ، سواء كان صالحًا أو كان طالحًا. الأنبياء يتبرؤون، عيسى يتبرأ من عبادة من عبده من النصارى وغيرهم، نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يتبرأ، الأنبياء أجمعين يتبرؤون، وهكذا حتى الشيطان يتبرأ من الذين عبدوه مع الله جل وعلا. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. زيادة تحسير، يخبرهم أن الله أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة. ما اكتفى بهذا التحسير لهم وبهذا التوبيخ وبهذا الذل الذي ذكرهم به، وإنما كذلك زيادة تحسير، يخبرهم أن الله أدخل الذين آمنوا: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. فعلى عباد الله أن يحذروا الشيطان. الشيطان هو عدو الإنسان، وعداوته قديمة، عداوته مع أبينا آدم. ما السبب الذي أخرجنا من الجنة بإخراج أبينا آدم وأمنا حواء من الجنة؟ الشيطان. الشيطان جاء إلى أبينا آدم وإلى أمنا حواء، ماذا قال لهم؟ ﴿هَلْ أَدُلُّكُمَا عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾. قال لهم: هناك شجرة الخلد، من أكل منها يخلد. فدلاهما بغرور، وأيضًا قاسمهما أنه لهما من الناصحين، إلى آخر ذلك، فأخرجهم من الجنة. ونحن اليوم في الدنيا سبايا، نحن اليوم في أسر الشيطان. الشيطان أسرنا، أخرجنا من الجنة، صرنا مأسورين عند الشيطان. ورحم الله ابن القيم رحمة واسعة، يقول: «فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا مَنَازِلُنَا الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ وَلَكِنَّنَا سِبْيُ الْعَدُوِّ» الشيطان العليل إبليس، «وَلَكِنَّنَا سِبْيُ الْعَدُوِّ فَهَلْ تَرَى نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنَسْلَمُ نَسْلَمُ مِنْ هَذَا اللَّعِيدِ الَّذِي أَسَرَنَا وَالْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ». فالعداوة قديمة. الشيطان أول من أحدث الشرك في أرض الله جل وعلا في قوم نوح، زين لهم عبادة الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. زين لهم عبادة هؤلاء الرجال الصالحين أولاً بالذريعة وهي بناء الأنصاب على مجالسهم، ثم بعد ذلك دعاهم إلى عبادة هؤلاء الرجال الصالحين، صارت آلهة تعبد مع الله جل وعلا. الشرك في قوم سبأ، من الذي دعا إليه ومن الذي زينه؟ إنه الشيطان، كما أخبر الهدهد سليمان عليه الصلاة والسلام بعد أن فقده وأخبر عن أمره، أين كان قبل ذلك؟ فقال الهدهد لسليمان: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. الشيطان زين لهم أعمالهم، ومن هذا العمل هذا السجود للشمس، جعلهم يسجدون للشمس من دون الله. تزيين للشرك ودعوة للشرك. بل حتى في آخر الزمان، الشيطان إلى آخر الزمان وهو يدعو إلى الشرك ويدعو إلى عبادة نفسه. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، بعد أن ذكر النبي عليه الصلاة والسلام هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، وهم آخر أهل الإيمان في هذه الدنيا، آخر المؤمنين في هذه الدنيا، يبعث الله جل وعلا ريحًا تقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا أقوام على خفة كاحلام السباع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فَيَنْتَصِبُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ آمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ»، يأمرهم بعبادة الأوثان. حتى في آخر الزمن لا يسأم الدعوة إلى الشرك بالله جل وعلا. قوم سبأ كانوا في رغد وكانوا في نعيم عظيم في بلاد اليمن، من الذي جعلهم ينصرفون عن النعمة، ومن الذي حرمهم من هذه النعمة، ومن السبب في ذلك؟ إنه الشيطان. إنه الشيطان. ولقد صدق عليه إبليس: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾. بعد أن ذكر ربنا عز وجل طلب هؤلاء من ربهم جل وعلا أن يباعد بين أسفارهم، وأنهم ظلموا أنفسهم، أخبر الله جل وعلا أن الشيطان هو الذي دعاهم إلى ذلك، وهو الذي تسبب في حرمانهم من هذه النعمة العظيمة التي كانوا عليها. فما من نعمة عبد الله حرمت منها وصرفت منها إلا بسبب استجابتك للشيطان الذي استمعت له. والله جل وعلا حذرنا من الاستجابة للشيطان وأمرنا أن نتخذه عدوًا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. ﴿يَا بَنِي آدَمَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾. فالشيطان عدو، لا تستمع له، ولا تستجب له، ولا تمشي معه في خطواته. لا تتبع خطوات الشيطان. الشيطان له خطوات، ذكي، ما يقول لك: أوقع في الشرك بالله، اشرك بالله جل وعلا مباشرة، لا أسرق، لا أزني، لا، وإنما خطوات. إذا أراد أن تقع في السرقة جاء لك من باب آخر، بالتفريط في أمر قبول الهدايا. نعم، هذا يعطيك شيئًا، يقول: هذا لي، ما أعطاك إلا لأجل أمر، وتدرج بك حتى تقع في السرقة، والأول رشوة. نعم، وهكذا ربما تراه في أول أمر أنها ليس فيها شيء، لكن يستدرجك الشيطان. في الزنا يأتيك من خلال النظرة، من خلال النظرة الأولى، يقول لك: نظرة ما فيها شيء، نظرة ما فيها شيء، وأنت تتهاون بهذه النظرة، نظرة تتبعها نظرة، ثم بعد ذلك تتبعها حسرة، بل حسرات. كل الحوادث مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. كم من نظرة فتكت بصاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر. هذه النظرة، النار معظمها من مستصغر الشرر، شرارة صغيرة، نعم، ثم تكون نارًا، والجبال من الحصى. والجبال من الحصى: «خُذِ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التَّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى». وهكذا الذنوب والمعاصي، وهكذا هي خطوات الشيطان، يتدرج مع الإنسان من باب الزنا أو من باب السرقة أو من باب القتل، إلى آخر ذلك. فاحذر من خطوات الشيطان. الشيطان هو الذي يدعو إلى الحكم بغير ما أنزل الله. من الذي دعا من يحكم بغير ما أنزل الله إلى الحكم بغير ما أنزل الله؟ إنه الشيطان. دع المنافقين إلى الحكم بغير ما أنزل الله، كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا. الشيطان هو الذي يسعى في التفريق بين الناس، يفرق بين الناس عن طريق الحداث في دين الله، عن طريق التحزبات، عن طريق ذلك من أنواع التفرق. الشيطان يسعى، وإبليس هو الذي يبعث هؤلاء السعاة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر عند الإمام مسلم رحمه الله، قال النبي عليه السلام: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ»، له عرش على الماء يضعه، «فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَكُونُ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمَهُمْ إِيقَاعًا بِالنَّاسِ مُصِيبَةً»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فيأتي هذا فيقول له الشيطان: ماذا عملت؟ فيقول: لم أزل بفلان حتى عق والده. ويأتي الآخر فيقول له: ماذا فعلت أنت؟ فيقول: لم أزل بفلان حتى زنى. والآخر: ماذا فعلت؟ قال: لم أزل بفلان حتى سرق. ماذا فعلت؟ قال: لم أزل بفلان وفلان حتى فرقت بينهما. فإبليس يحب التفرق ويحب الفرقة. جاء في حديث بموسى أنه يقوم ويلبس التاج، معه تاج يلبس هذا الذي أتى بهذه المصيبة العظيمة، فهم يتفاوتون، التاج يلبسه لمن كان فيهم أعظم مصيبة في الناس. فالشيطان كل يوم يبعث هؤلاء السرايا. فاحذر يا عبد الله أن تكون من هؤلاء الذين اجتالتهم الشياطين. الشيطان يسعى في الأرض لتحريم ما أحل الله. الله جل وعلا أحل لعباده الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لكن الشيطان يريد أن يعكس الأمر، يريد أن يعكس الأمر، يحرم الطيبات ويحل الخبائث. كيف يفعل؟ يزين النكاح، النكاح حلال، ما يزينه الشيطان، يزين الباطل، يزين الحرام. وللأسف بعض الناس ربما يقول: أجد لذة في الحرام، حين يقع في الحرام يجد لذة، لكن لما يأتي أهله ما يجد لذة. سبحان الله، نقول: أنت فريسة للشيطان، افترسك، افترسك، واستطاع أن يغير فطرتك، وأن يجعلك منكوسًا معكوسًا، جعلت ترى الحلال الذي حله الله جل وعلا والطيب خبيثًا، والخبيث والمحرم الذي حرمه الله جل وعلا عليك تراه طيبًا. هذا كما أخبر نبينا سلم أن الشيطان اجتالك، كما جاء في حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَحَرَّمَتْ عَلَيْهِم مَّا أَحْلَلْتُ لَهُمْ». الشياطين تحرم ما أحل الله ولا تزينه، وإنما تزين القبيح والعياذ بالله والخبيث. فانتبه يا عبد الله، لا تقول هذا حتى لا تقع في فريسة الشيطان وتكون من هؤلاء الذين افترسهم الشيطان. الشيطان كذلك يأتي الإنسان فيشككه، حتى في رب العالمين جل وعلا، حتى في رب العالمين. وشكك الشيطان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة، وجاء من حديث غيرها، رضي الله تعالى عن أصحاب النبي سلم. قال النبي سلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَكَ؟ فَتَقُولُ: اللَّهُ. الْعَبْدُ يَقُولُ: اللَّهُ. فَيَقُولُ لَهُ: وَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟». انتبهوا، انتبهوا إلى هذا الوحي الشيطاني الذي يأتي به هذا الشيطان. يأتي العبد، يخبر النبي سلم، يقول له: من خلقك؟ يقول: الله خلقني. من خلق الله؟ إذا استرسلت يا عبد الله: من خلق الله؟ ضللت وانحرفت وزغت، إذا لم تأخذ بالعلاج، وفي أسرع وقت. ليس العلاج هنا فيه تأخير، ما ينفع، عليك أن تسارع العلاج، لا بد أن يكون سريعًا. ماذا قال النبي سلم؟ قال: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ: آمَنتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قال لك: من خلق الله؟ قل: آمنت بالله ورسوله. ما في استرسال، ما في تفكر، نعم، صح، كيف، من خلق؟ لا تبه، هذا المكان لا بد أن يخلق، على الشيطان، والشيطان يضرب في هذا الموضع ضربة عظيمة بهذا الكلام. قل: آمنت بالله ورسوله، بحمد الله، ما يستسيغ، كل ما جاءك وجدك تقول هذا، يبحث عن غيرك، يقول: هذا خلاص، الآن سأقول له: من خلق الله؟ يقول: آمنت بالله ورسوله. لكن إذا وجدك معه بعض المرات، لا، بس تأخذ معه، تسترسل، تعطيه فرصة، يأتيك. لكن كل مرة يقول: آمنت بالله ورسوله، خلاص، كل ما جيت ضربته، كل ما جيت ضربته، كسرت رأسه، ما خلاص، يبحث عن غيرك ممن يسترسل معه في هذا. فالشيطان، كما سمعتم، في الزكاة تجدون كثيرًا ربما من الأغنياء ما يودون زكاة أموالهم، لماذا؟ بخل. طيب، من الذي دعاهم إلى ذلك؟ الشيطان. كيف دعاهم؟ نعم، يقول لهم: الآن كم مالك؟ كم معك؟ الآن خمسة ملايين، كم فيها زكاة؟ ستزكي كم؟ سيصبح المال معك عشرة ملايين، معك عشرين، كم الزكاة كذا وكذا، سينقص مالك. طيب، كل سنة أنت ستزكي، ستصبح فقيرًا بعد ذلك. إذن بخل ولم يزك. الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا، والله واسع عليم. الشيطان يعدكم الفقر، تبه، يقول لك: يعدك الفقر إذا زكيت مالك، إذا تصدقت، إذا كذا، أن مالك سينقص. وهو عكس، والشيطان يعكس الأمور. عكس: الزكاة تزيد المال، والصدقات تزيد المال. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، الربا يمحقه الله، الزيادة يظن الناس في الربا هذه ممحوقة، لكن في الصدقات هنا الزيادة الحقيقية، ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وكما قال نبينا سلم: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ». ما نقص مال من صدقة، المال يزهد ويربو عند الله جل وعلا، ويبارك الله جل وعلا لك فيه. الشيطان كذلك يأتيك حتى في صلاتك، في الصلاة يريدك أن تخرج من الصلاة بلا شيء، بلا أجر. أنت الآن ما قدر عليك أن يمنعك من دخول المسجد ومن الصلاة، حاول معك ربما أن لا تصلي، لكن ما قدر فيك، هل دخل؟ خلاص، الرجل دخل المسجد، نتركه؟ لا، معك في الصلاة.أخر رسول الله عن خنزة، بشيطان يأتي الإنسان ويسحب منه شعره، نعم، فيظن ذلك ربما أنه خرج منه شيء وانتقض وضوءه. والشيطان يلعب على كثير من المسوسين في الصلاة، من الذين لا يأخذون بالعلاج والوقاية، يسترسلون مع هذه الدواعي والوحي الشيطاني، فلذلك يخرجون من صلاتهم بلا شيء، تمر عليهم الصلاة وهم في وسوسة طول الصلاة: شيء خرج، ولا ما فيه؟ خرج، لعله خرج، لا ما خرج، أن الإمام قد قرأ الفاتحة وربما ركع، وهذا: هل خرج شيء أو لم يخرج شيء؟ لماذا؟ الشيطان لو أنه أخذ بعلاج النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَجِدَ رِيحًا أَوْ يَسْمَعَ صَوْتًا». عندك ريح؟ وجدت ريحًا، إذن شيء خرج. سمعت صوتًا؟ إذن شيء خرج. إذن ما فيه لا رائحة ولا سمعت صوتًا، لماذا يلعبك الشيطان وتسترسل معه؟ الشيطان حريص كذلك على الوقوع في العداوة والشحناء بين الناس والبغضاء. ولذلك الرب جل وعلا حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، هذه كلها محرمات، الخمر والميسر، لعب القمار، لماذا حرام؟ له عواقب وخيمة، ومن هذه العواقب حصول الشحناء بين الناس. وانظر الذين يلعبون بالميسر وبالقمار وبمثل هذه الأمور التي هي محرمة، كم تصل بينهم العداوة، ربما يتقاتلون فيما بينهم، نعم، ويحصل بينهم الشر العظيم بسبب وقوع في هذه المحرمات. وهكذا في الذين ينظرون في الشاشات في المحرمات، ويسمعون الحرام من الغناء وغير ذلك، كل ذلك من أسباب الوقوع في البغضاء والشحناء، لأن هذه من الذنوب المعاصي. وذلك ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾. فكل هذه المحرمات يدعو إليها الشيطان، ويحصل بها من القطيعة، تحصل بها من العداوات، والعياذ بالله. الشيطان لا ييأس منك، ولو كنت في آخر لحظات حياتك، ربما لو كنت في آخر لحظات حياتك، ربما لا تسلم من الشيطان. من الناس من يسلم، ومن الناس من ربما لا يسلم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فربما يأتي الشيطان إلى الأمة والعلماء ليشككهم بالله جل وعلا، وليحاول معهم فرصة أخيرة. أخبر عبد الله بن أحمد بن الإمام أحمد رحمه الله حال احتضار أبيه، إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى، أنه قال: جئت بخرقة لأشد لحيي أبي، يعني إذا مات، فقال: فكان يغمى عليه وكان يفيق، يقول: لا بعد، لا بعد. قال: فكان يفعل ذلك إذا فاق: لا بعد، لا بعد. فلما فاق قال له ابنه عبد الله: يا أبتي، أسمعك تقول: لا بعد، لا بعد. قال: نعم، جاني الشيطان، جاني الشيطان، وهو يعض على أنامله، يعض على أنامله، ويقول: فتنّي يا أحمد، فتنّي يا أحمد. شدة الغيظ، يعض أنامله، ويقول: إمام أحمد، فتنّي يا أحمد، ما فيه خلاص. فماذا كان يقول إمام أحمد؟ قال: فقلت له: لا بعد، حتى أموت، لا بعد، حتى أموت، ما فتك، ما دمت في هذه الحياة. فالصراع مستمر، والإمام أحمد، والابتلاء مستمر، لا أكد دامت. نعم. وهكذا حكى القرطبي في التذكرة، وإذن قد ذكر هذا أيضًا، ذكر عن أحد المشايخ أنه كذلك حضرته الوفاة، فكان يقول له: قل لا إله إلا الله، يقول: لا بعد، أو يقول: لا، لا، لا. فلما أفاق أخبرهم أنه جاءه شيطان، شيطان عن يمينه وشيطان عن شماله. قال: فالذي عن يمينه كان يقول لي: يقول لي: مت يهوديًا، فأقول: لا. وقال لي الذي على شمالي: مت نصرانيًا، فأقول: لا. فانظروا كيف يحرص الشيطان حتى في اللحظات الأخيرة، كما يقال: لحظات الحاسمة، الفرصة الأخيرة أمام الشيطان، لعله يطفر منك بكلمة أو بكذا وكذا، نسأل الله العافية والسلام. فالشيطان له مداخل كثيرة، مداخل كثيرة يأتي بها مع الناس، والموفق من تعلم العلم الشرعي، ومن أخذ بالعلاج الشرعي. من أعظم الوقاية من الشيطان أن الإنسان يستعيذ بالله جل وعلا كل وقت، يأتيك الشيطان: استعذ بالله. ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. لأن الشيطان له نزغ، نزغ بين يوسف وإخوته: ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾. فالشيطان له نزغات، استعذ بالله. ومن أسباب الوقاية من الشيطان التذكر، إذا جاءك الشيطان تذكر يا عبد الله أنك عبد لله، وأنك مأمور بامتثال أوامر الله جل وعلا واجتناب نواهيه، وأن الله جل وعلا حرم عليك ما يدعوك إليه هذا الشيطان. فإذا تذكرت نجاك الله جل وعلا من هذا. عين الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. أهل التقوى، أهل التقوى وأهل التذكر، الذين اتقوا الله جل وعلا في كل وقت، فإنهم لا يسترسلون مع الشيطان، يتذكرون، يقولون: استغفر الله، الله حرم هذا، يتذكر. لكن من يغفل ولا يتذكر أنه عبد لله، ومن الله حرم هذا، فربما يأتي الشيطان يزين له فيغفل ويعرض. ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. لما تعش عن ذكر الرحمن، ولما تغفل عن ذكر الرحمن، يقيد الله جل وعلا لك الشيطان، لأنك أنت الذي فرطت، أنت عرضت، أنت زغت، زاغ قلبك. لكن تذكرت واتقيت الله جل وعلا، أعانك الله سبحانه وتعالى. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فالتذكر دائمًا، إذا جاء الشيطان تتذكر يا عبد الله أنك عبد لله جل وعلا، وأن هذا الذي تدعوك له شيطان حرام، لا يحل لك، تستعين بالله وتتق الله جل وعلا حيث ما كنت، فالله جل وعلا يقيك شر هذا الشيطان اللعين. إذا صدقت مع الله جل وعلا وأخلصت مع ربك سبحانه وتعالى. آية الكرسي من أعظم الأذكار التي ينجو بها الإنسان من الوقوع في حبائل الشيطان ووسوس الشيطان. وقد أوصى بهذا الشيطان نفسه، الشيطان هو الذي أوصى بهذا، هو صدق وأخبر أبا هريرة كما في صحيح المسلم، لما كان يأتي ويسرق الصدقة ويقبض عليه أبو هريرة كل ليلة، يعتذر هذا الشيطان، فالمرة الثالثة قال: لا أطلق سراحك، أو كما قال، فقال: أطلقني، سأعلمك شيئًا ينفعك به، فأرشده إلى قراءة آية الكرسي، وأن من قرأها لا يقربه شيطان. فاحفظ آية الكرسي، وتدبر معانيها، وحافظ عليها، وآت بها في ذكرك، في الذكر الذي أرشدك إليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا قراءة القرآن، وهكذا سورة البقرة، اجعل سورة البقرة في بيتك، تقرأ، تسلم نفسك وتسلم أهلك، هؤلاء الشياطين، وهؤلاء كذلك السحرة، كما خبرنا نبينا عليه الصلاة: «فَإِنَّ أَخْذَ الْبَقَرَةِ بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». فتقي نفسك من شرور هذا الشيطان. ونحن في هذا الشهر المبارك، المبارك، قد عنا بإعانة عظيمة من رب العالمين جل وعلا، مردة الشياطين قد صفدوا وقد سلسلوا، فخف علينا الصراع معهم. في غير رمضان، صراعنا مع الشيطان وأعوانه أشد، المعركة حاسمة وقوية، المعركة قوية في غير رمضان، معنا ومع الشيطان وأعوانه، المعركة قوية، لماذا؟ لأن الشياطين معهم زعماؤهم، الشياطين معهم زعماؤهم وقادتهم معهم في الحرب، والمردة معهم في الحرب. لكن في رمضان، المردة والزعماء قيدوا، إذن نحن نحارب من؟ نحارب البقية، نحارب البقية، فإذن خفت، خفت المعركة، خفت المعركة مع هؤلاء. إذن ماذا علينا؟ علينا أن نستغل الفرصة، نستغل الفرصة قبل أن يخرج رمضان، وتعود المعركة مثل ما كانت، المعركة ستعود حاسمة، سيرجع هؤلاء المردة، وهؤلاء القادة، وهؤلاء الزعماء مع إخوانهم من الشياطين في حربك، وهم الآن قيدوا بعناية الله جل وعلا لك، ومن فضل الله ورحمته. فإذن تزود الآن، أنت في رمضان، تزود بالسلاح، بالسلاح المعنوي، حصن نفسك من الآن. أنت الآن كفيت مردة الشياطين، والزعامة، والقادة، أصحاب الخطط العظيمة والكبيرة، نعم، فخفت المعركة. إذن تزود، حارب هؤلاء الشياطين وأنت على طاعة عظيمة، وتزود في رمضان بالطاعة، قراءة القرآن، بحفظ القرآن، بالطاعات، نزه سمعك عن الحرام، صف سمعك، كنت أسمع الغناء، الآن في رمضان، نزه سمعك، صفه من هذا الوسخ الذي كان فيه. بصرك، هذا صفه من ما نظرت به إلى الحرام من قبل، وهكذا. فإذا خرج رمضان، فسمعك طيب صافي، وبصرك، وجوارحك، وقلبك، فأنت الآن مؤهل بإذن الله جل وعلا لقيادة المعركة الحاسمة، والقيام بالمعركة الحاسمة مع الشياطين، ولو كانوا مع قادتهم، لماذا؟ استعديت، عندك استعداد، قوة، نعم. فإذن بارك الله فيكم، هذا شهر تزود بالطاعات، شهر تزود للاستعداد لخوض هذه المعارك مع هذا الشيطان، الذي لا تستمر التي لا تستمر إلى قيام، إلى الموت العبد، أو إلى قيام الساعة. نعم، ففرصة عظيمة يتزود منها المسلم، رمضان كل سنة، كل سنة يمر على المسلم رمضان، فهو فضل من الله جل وعلا، ووقت للتزود، السلاح العظيم القوي الفتاك، أنت تحارب الشيطان، لا تريد أن يكون السلاح قويًا، لا تريد أن يكون السلاح عظيمًا، فتستغل ذلك في رمضان. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا