الدرس في من حوارات القرآن والسنة 2، الدرس الثاني: ( الحوار الذي جرى بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث ربيعة بن كعب الأسلمي الذي سأل النبي ﷺ مرافقته في الجنة فأمره بكثرة السجود. كما يذكر أسباباً أخرى لنيل هذه المرافقة كطاعة الله ورسوله، وكفالة الأيتام، وإعالة البنات، ومحبة الله ورسوله، مع ضرب الأمثال بهمة الصحابة رضوان الله عليهم.
يقارن النص بين همة السلف في طلب منازل الآخرة وانصراف الناس عن متاع الدنيا، مستشهداً بقصة العجوز مع موسى عليه السلام. ويؤكد على ضرورة استغلال شهر رمضان بهمة عالية اقتداءً بالنبي ﷺ الذي كانت همته في رمضان أعظم، محذراً من دناءة الهمة والتطفل على الناس.
يؤكد المقطع أن العزائم العظيمة لا تتحقق بالأماني بل بالجد والاجتهاب، مستعرضاً نماذج من السلف كالزبير وعروة وابن عقيل والنووي في استغلال الأوقات. ويدعو المسلم في رمضان إلى تقوية عزيمته وسؤال الله الفردوس الأعلى والعمل الجاد لنيله.
يختتم المتحدث بدعاء الله تعالى أن يقوي العزائم والهمم، ويوفق لكل خير مع التضرع بالإجابة. كما يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. أما بعد: فحوارنا هذا اليوم هو الحوار الذي جرى بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: «سلني». فقال أبو فراس: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟» قال: هو ذاك يا رسول الله. قال: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود». هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه صاحب همة عالية. قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «سلني»، فلم يسأله دنيا، ولم يقل له: أعطني مالاً، أريد كذا وكذا، وإنما قال: أسألك مرافقتك في الجنة. ما طلب الجنة فقط، بل طلب المرافقة. أسألك مرافقتك في الجنة. ما اكتفى بمرافقته عليه الصلاة والسلام في الدنيا، هذه الرفقة التي مع النبي عليه الصلاة والسلام لم تكتفِ بها في الدنيا، وإنما كذلك طلب مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة. فماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ «أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود». والمعنى: عليك بالاجتهاد، عليك بأخذ الأسباب التي تحصل لك هذا المطلوب العظيم. وأسباب مرافقة النبي عليه السلام في الجنة كثيرة، على سبيل الإجمال منها: طاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]. ومنها: كفالة الأيتام، ونحن في شهر فضيل وأبواب الخيرات فيه كثيرة، ومن هذه الأبواب كفالة الأيتام. النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة»، كهاتين في الجنة، في رواية: ضم أصابعه، وفي رواية: فرج بينهما. وهكذا إعالة البنات، قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين حديث أنس: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين في الجنة». منعال جاريتين فيه الصبر على تربية البنات، بعض الناس ربما يتضرر يقول: ما عندي أولاد، عندي بنات. نقول: أبشر بهذا الحديث، كم عندك بنات؟ واحدة أو اثنتان أو ثلاث. النبي عليه السلام يقول: «من عال جاريتين حتى تبلغا قام بأداء المسؤولية تجاه هؤلاء البنات، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين في الجنة». وكذلك من أسباب مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام: محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام. جاء في الصحيحين وغيرهما أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب يوم القيامة». فأنت إذا أحببت رسول الله فأنت معه يوم القيامة، وإذا أحببت صحابته كذلك كنت معهم. هذا الحديث ومثله كذلك ما جاء عند الطبراني في الصغير وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، والحديث ذكره شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من أسباب النزول، وصححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه. جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من نفسي وولدي ومالي وأهلي. يا رسول الله، أكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، وذكرت موتي يا رسول الله وموتك، وعلمت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، رفعت مع النبيين، فخشيت أن لا ألقاك يا رسول الله. انظر إلى همة هذا الصحابي وإلى ماذا يتطلع. يقول: الآن في الدنيا مع النبي عليه الصلاة والسلام أراه، أكون في البيت ما أصبر حتى أرى الرسول عليه الصلاة والسلام، أذهب وأرى النبي عليه الصلاة والسلام. لكن فكر كيف الأمر في الآخرة، يعمل حساب الآخرة، هل سيكون أمر هكذا على ما هو عليه في الدنيا؟ سيختلف. علم أن يسلم إذا دخل الجنة رفع مع النبيين في أعلى الجنان، لكن ما هو حاله؟ كيف هو؟ فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام لم يجبه بشيء حتى نزل الوحي، قال جل وعلا: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾. همة عالية تصل إلى الآخرة. هذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، النبي عليه الصلاة والسلام لما حدث وقال عليه الصلاة والسلام: «من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. فإن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة». انظروا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يسمع هذا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا يقول؟ انظروا الهمة، تطلع إلى: أليس هناك أحد يدخل من هذه الأبواب كلها، من جميع الأبواب؟ ما اكتفى، قال: أنا صاحب صلاة وأنا صاحب صيام وأنا صاحب صدقة فسأدخل من هذه الأبواب. لا، انظروا الهمة. طيب، ما أحد يدخل من جميع الأبواب؟ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، هل من أحد يُدعى من هذه الأبواب كلها؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، وأرجو أن تكون منهم، وأرجو أن تكون منهم». عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين، رضي الله تعالى عنهما، لما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بصفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون». قام عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه وقال: يا رسول الله، اجعلني منهم، ادعُ الله أن يجعلني منهم. يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت منهم». قام رجل آخر فقال: لو سبقك بها عكاشة. انظروا إلى همة هذا الصحابي، سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل الله جل وعلا له أن يكون من هؤلاء السبعين. ما كانوا يجتهدون لطلب دنيا، ما كانوا يجتهدون لطلب دنيا، وإنما كانوا يجتهدون لطلب الآخرة. ربما يكون منهم المريض عنده مرض وعنده كذا وكذا، ومع هذا لا يسأل، لا يقول: يا رسول الله ادعُ الله أن يشفيني، سهل، يصبر على المرض ويحتسب ويدعو بنفسه حتى لا يسأل. لكن هذه المطالب العظيمة، المطالب العالية، ما يتعلق بالآخرة كان يسألون رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله جل وعلا لهم أن يبلغوها. تلك المرأة كانت تتكشف، المرأة السوداء في عهد عبد الله بن عباس، وكانت تصرع، تصرع وتتكشف. فلما دعت النبي عليه الصلاة والسلام أن يشفيها من هذا المرض، من هذا الصرع، أخبرها بما هو أفضل لها وهو أن تصبر ولها الجنة. لكن طلبت بعد ذلك مطلباً أخروياً ومطلباً دينياً يتعلق بالدين وهو عدم التكشف، التستر، فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تتكشف. ففرق بين أن يدعو العبد ويطلب طلباً من معالي الأمور ما يتعلق بأمر الآخرة، وبين ما يتعلق بأمر الدنيا. فكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إنما يسألون أمور الآخرة، يطلبون ما عند الله جل وعلا. ذكر حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ذكره الحاكم رحمه الله في مستدركه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أن خادماً أو أن أعرابياً ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأكل معه، ثم أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكافئه، فقال له: «سل حاجتك، سل حاجتك يا أعرابي». فقال الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: ناقة برحلها، أريد ناقة برحلها، وأريد أعنزاً يحلبها أهلي. طلب ناقة وهكذا غنماً ليحلب أهله تلك الغنم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟» فقال الصحابة: ومن عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن موسى لما أراد أن يخرج بني إسرائيل من مصر أضل الطريق، يعني ما علم أين الطريق، أضاع الطريق. فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف قد أخذ علينا العهد والميثاق إذا خرجنا من مصر أن نأخذ عظامه معنا، أي جثته. فقال: وأين قبر يوسف؟ قال: ما يدري أحد بقبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل. فقال: دلوني عليها. فدل عليها موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: أين قبر يوسف؟ فقالت له عجوز بني إسرائيل: لا أخبرك حتى أسأل حاجة، أسأل حاجة، أريد حاجة وأخبرك. قد يقول القائل: ما هي هذه الحاجة؟ هل تريد ذهباً فضة مالاً؟ فقال: سلي. قالت: أكون رفيقة لك في الجنة. طلبت من موسى أن يدعو الله جل وعلا بأن يجعلها رفيقة له في الجنة لموسى عليه الصلاة والسلام. موسى كأنه كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنه عظم هذا الأمر في نفسه، يعني طلب قليل الذي طلب منها، تطلب هذا المطلب العظيم. فأوحي إليه أن أعطها مطلبها، أعطها مطلبها، يعني قل لها: لك ذلك، يعني مرافقة موسى عليه الصلاة والسلام في الجنة. فأتت بحيرة عليها ماء، فقالت: انضبوا الماء، يعني شفطوا، انضبوا الماء. فنضبوا، انضبوا الماء، فنضب الماء. قالت: احفروا هاهنا. فحفروا، فإذا جثة يوسف، فأخذوها. بمجرد أخذها فإذا الطريق قد رأوها، أي رأوا الطريق للخروج من مصر». هذا الحديث صححه عضد العلم، لكن شيخنا الوادعي رحمه الله أعلّه في حديث معلة. الشاهد الذي نريده من ذكر هذا الحديث: همة هذه العجوز، هي عجوز، ولكن انظروا إلى الهمة. بعض العجائز اليوم عندهن همة، والله إنها همة أكثر من همة كثير ممن يقال له طالب علم أو أنه من الذين يسعون لطلب العلم. بعض النساء اليوم كما سمعنا أنهن يعني قد بلغن الستين من العمر وهن يطلبن دراسة التجويد، تجويد القرآن. ما هو دراسة فقه ولا عقيدة، يدرسن الفقه والعقيدة، ما اكتفين بذلك، يردن أن يدرسن التجويد الذي معه المخارج وخروج الحروف. وما نتجه، هل بقي عندهن شيء من الأسنان حتى يتمكن من إخراج هذه الحروف من مخارجها أم لا؟ لكن الشاهد: الهمة. اليوم بعد طلبة العلم ربما إذا بلغ ثلاثين سنة قال: أدرس النحو، يكفيني الآن، ألحق بالفقه والعقيدة، أمسك الأهم العقيدة والفقه. هذي ضعف همة، ضعف الهمة. همة الصحابة وهمة السلف همة عظيمة. انظروا إلى مؤلفات السلف، انظروا إلى رحلات السلف التي رحلوها لطلب العلم. هذا يرحل شهراً، وهذا يرحل سبع سنين، وهذا يرحل عشرين، وهذا يمشي على الأقدام سنوات. رحلات سلف كثيرة وفيها من المشاق والمتاعب، لكن همة، همة يرون هذا الأمر هيناً وسهلاً، يسره الله جل وعلا لهم لصدق إخلاصهم ونياتهم. فكانت عندهم الهمة العالية العظيمة. فلذلك على المسلم، وخاصة في رمضان، أن يكون صاحب همة عالية. أقوى. بعض الناس ربما تنعكس عنده الموازين، ربما في غير رمضان عنده همة وعنده نشاط، وإذا دخل رمضان تكاسل وضعفت همته. لا، الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم من كانت عنده همة عالية، همته في رمضان أعظم من همته في غير رمضان. وفي كل أوقاته عليه الصلاة والسلام صاحب همة عظيمة، لكن في رمضان همته أعظم من الهمة في غير رمضان، وكذلك الصحابة، وذلك لشرف الزمان، ألا وهو رمضان. فكان أجود الناس في رمضان، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان كما أخبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين وغيرهما. فعلى المسلم أن يكون صاحب همة عالية، وخاصة في هذا الشهر، يتنافس في أبواب الخيرات، يكون صاحب همة مسابقاً مسارعاً إلى كل باب من أبواب الخيرات، لا يكون مفرطاً مقصراً، صاحب كسل كحال المفرطين والطفيليين. بعض الناس ألفوا على التطفل، ما عندهم همة إلا النظر في ما عند الناس من أكل وشرب. وذلك لما قيل لطفيلي: ما هي أمنيتك؟ قال: نداماً في صدورهم. نعم، نداماً يعني في صدور الناس، يعني لا يؤذون أحداً ولا يقول أحد: اذهب. إذا جاء يريد حاجة من طعام والشراب أو كذا، نداماً تسكن صدورهم وتغلى قدورهم. يعني قدورهم ما شاء الله دائماً وهي تغلى، يعني عندهم ما شاء الله أي وقت فالطعام يغلي. قال: ولا تغلى قدورهم. هذا الهم عند هذا الرجل، وهذه أمنيته أن الناس لا يؤذونه إذا جاء يطلبهم ولا يطردونه، وهكذا أن تكون القدور دائماً على غليان في بيته، وبيته مفتوح في كل وقت ولا تغلق دورهم. لكن أصحاب الهمم العالية لا ينظرون إلى ما عند الناس، ولا يتطفلون، ولا يقولون: ليت وليت وليت من غير عمل، لا، وإنما يعملون. ذكر أن مصعب بن عمير، أو مصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، وعبد الله بن عمر اجتمعوا بفناء الكعبة، اجتمعوا عند فناء الكعبة. فقال مصعب بن الزبير: تمنوا، كل واحد يتمنى، ما هي أمنيته، ما هي همته؟ قالوا: لو أنت تبدأ أولاً، ابدأ أنت أولاً يا مصعب. فقال مصعب بن الزبير: تمنى ولاية العراق، وأن يتزوج بسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وهؤلاء من أملح النساء ومن أجمل النساء. هذه همته وأمنيته، جد واجتهد، فصار على ولاية العراق، تزوج سكينة بنت طلحة، وكذلك تزوج الأخرى عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. حقق الأمنية التي أرادها لأنه صاحب همة، همة معها عمل. ما هو أنت تتمنى أن تكون مثل فلان وفلان وأنت جالس بيتك وتريد أن تكون مثل فلان وأنت جالس بيتك؟ لا، نافس، اعمل. أما «سوف وسوف» هذه كما يقال فهي رأس مال المفاليس. كما يقولون: هذه الأماني التي ليس معها عمل وليست معها جد والاجتهاد، هذه رأس مال المفاليس، هذا رأس ماله، هذا رأس مالهم. عروة بن الزبير، عروة بن الزبير تمنى الحديث والفقه في الدين، قال: أتمنى الفقه في الدين والحديث، أن ينقل عني الحديث، حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. هل جلس في بيته؟ جد واجتهد وثابر، ما من ديوان من دواوين الإسلام اليوم إلا ويذكر فيه عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، وذلك لهمة هذا الرجل رحمه الله تعالى. عبد الملك بن مروان تمنى الخلافة ونال الخلافة. عبد الله بن عمر تمنى الجنة. عبد الله بن عمر تمنى الجنة وهو صحابي، وهو من أشد الناس متابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام وتأسيا برسول الله عليه الصلاة والسلام، ويرجى له ذلك وأنه من أهل الجنة، ويكفي أنه من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. هكذا همم هؤلاء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. أما اليوم: ضعفة الهمم. ابن جرير الطبري رحمه الله يقول: تامدته في كم تنشطون في كتابة التاريخ؟ كم تريدون؟ كذا وذكر لهم وقتاً. قالوا: هذا تذهب معه الأعمار، يعني عند جلسنا نكتب التاريخ في هذه الفترة ذهبت أعمار. ماذا يبغي من الأعمار؟ فقال: ضعفة الهمم، ضعفة الهمم. يذكرون عن ابن عقيل من أئمة الحنابلة أنه ألف كتابه الفنون في ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد كتاب الفنون لابن عقيل، ثمانمائة مجلد. في كم كتبه؟ ثمانمائة مجلد، كم يحتاج همة هذا؟ ربما يقول شخص: هذا ما إذن قد قصر في حق أهله، قد قصر في عمله. لا، أبداً، يؤدون الحقوق إلى أهلها، ما يقصرون، لكن عندهم نية وهمة، ما كانوا يضيعون الأوقات فيما لا ينفع، كانوا يجمعون بين العلم والعمل. الإمام النووي رحمه الله تعالى يجعل وقت الأسئلة ووقت الكلام ووقت الضيوف يستقله في بري الأقلام، يحتاج أنه يكتب، يحتاج أنه يكتب. نعم، فإذن هذه الأقلام تحتاج إلى بري، تكون جاهزة بدلاً من بريها في وقت آخر. الآن يجمع، يتكلم وعنده الأقلام يبريها، كما يقال: ضرب عصفورين بحجر. أنت نعم، كن هكذا. ما نقول: ضرب عصفورين، اضرب عصافير إذا استطعت بحجر واحد. نعم، استغلال الوقت، وخاصة إذا كان في زمن فاضل كرمضان. فهكذا على العبد المسلم، وكما قال القائل: بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي ومن رام العلا بغير كد أضاع العمر في طلب المحال هذا الذي يريد العلا من غير كد يضيع عمر في طلب شيء محال، ما يمكن. ومن طلب العلا من غير كد أضاع العمر في طلب المحال. تروم العزة ثم تنام ليلاً يغوص البحر من طلب اللآلي الذي يريد اللآلي أين يذهب؟ يذهب في بحر كذا قريب، ولا يدخل في بحر ستين ولا في بحر سبعين ولا أكثر، يريد اللآلي يغوص أعماق البحار. وأنت تريد ماذا؟ تريد جنة عرضها السماوات والأرض. تريد جنة عرضها السماوات، انظر إلى هذه السماوات الدنيا، سماء واحدة، الجنة عرضها السماوات، هذه السبع، عرض الجنة ما هي؟ هذه السماوات تراها فقط، تريدها بنوم، تريدها بكسل، تريدها بتضييع أوقات، تريدها بتفريط؟ يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لثناني يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأرامل بين الأنامل بين الأرادل بين الأرادل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن لو لأنها حجبت بكل مكاره الإنسان ما كان عنها قطم متخلف وتعطّلت دار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي وتنالها الهمم التي تسمو إلى رب العلا بمشيئة الرحمن فأنت تريد جنة عرضها السماوات والأرض، فلعليك أن تكون صاحب همة عالية. وكما قال القائل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم العزائم ما هي؟ العزائم الأكل؟ لا، هم بعض الناس يقول: يعني العزومة على قدر أهل العزم، إذا كان صاحب العزومة نعم من الأثرياء من أصحاب المال، فالعزومة على قدر أهل العزم. نعم، لا، العزائم في طلب العلم، في الجد والجهاد في الخير، على قدر عزمهم تأتي العزائم. نعم، الصحابة فتحوا المشارق والمغارب، عندهم همم عالية. فهكذا على قدر هؤلاء وعلى قدر عين العزائم. أما إذا كان همك بطنك، أكل وشرب، فهمتك على قدر ذلك. وقال: من كانت همته ما يلج في بطنه فقيمته ما يخرج. تبا لنفسك، من كانت همته ما يلج في بطنه، يعني ما يدخل في بطنه، قيمته ما يخرج. قيمة هذا الإنسان ما يخرج. ماذا يخرج؟ تعلمون ماذا يخرج؟ يعني قيمتك ترضى أن تكون قيمتك هذه فيما تخرجه؟ إذا صرت ما عندك إلا هذا الهم، كيف تأكل وكيف تشرب وكيف تدخل المال؟ همة ضعيفة والعياذ بالله. والمسلم صاحب همة، صاحب همة عالية، يريد ما عند الله، ولا ينال ما عند الله إلا بطاعة الله، ولا ينال بالأماني. فنحن في رمضان، فحري بنا أن نقوي عزائمنا وأن نشيد هممنا. كان يشيد همم الصحابة، ما يقول لهم وما يدلهم على أمر بسيط، لا، بل يدلهم على معاني الأمور، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، سألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». فهكذا كان عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه على تحصيل هذه الأمور العالية. أما صاحب همة الضعيفة فهو الذي يقول: أنا أكفيني، أكفيني أن أكون في حوش الجنة. صاحب همة ضعيفة: أنا أكفيني في حوش الجنة، وكأنه قد علم أن في الجنة حوشاً يجلس فيه الناس ويدخل فيه الناس. هذا صاحب همة ضعيفة. لا يا عبد الله، أنت اسأل أن تكون، اسأل الله أن تكون من مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، أن تكون من أهل الفردوس. نسمع من بعض الناس يقول: لو دخلنا طرفها يكفي، أو دخلنا الطرف يكفي. لا، لا تكون بهذه الهمة ضعيفاً، كن صاحب همة عالية، قل: أريد مع الأنبياء، أريد مع النبي عليه الصلاة والسلام، أريد الفردوس الأعلى، وعمل، خذ بالأسباب. نسأل الله جل وعلا أن يقوي عزائمنا وهممنا، وأن يوفقنا لكل خير، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.