شرح أسماء الله الحسنى 54

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 54، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله المتكبر وآثاره

اسم الله المتكبر يعني تعالي الله عن صفات الخلق وتعظمه عن مماثلة خلقه، وهو المتفرد بوصف الكبرياء والتكبر. هذا الاسم له دلالات على تفرد الله بالكمال.

عقوبة التكبر في الدنيا والآخرة

المتكبرون يواجهون عقوبة شديدة في الآخرة، حيث لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويحشرون يوم القيامة أمثال الذر. كما يعاقبهم الله في الدنيا.

التكبر وآثاره على الإيمان والطاعة والدعاء

التكبر يمنع من قبول الحق والانقياد لأمر الله، ويسبب الوقوع في الذنوب وترك الطاعات. الإيمان باسم الله 'المتكبر' يحث على الذل لله ولرسوله، وينتهي المقطع بدعاء للوقاية من الكبر والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد ذلك، من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "المتكبر". فالمتكبر اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضع واحد في كتاب الله جل وعلا في سورة الحشر، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾. ومعنى هذا الاسم "المتكبر": المتكبر عن كل سوء، قال قتادة رحمه الله تعالى: أي المتكبر عن كل سوء. وقال رحمه الله أيضًا: المتكبر عن كل شر. وقال غيره من السلف: المتكبر عن الظلم. فاسم الله جل وعلا "المتكبر" اسم دال على تعالي الله جل وعلا عن صفات الخلق، وتعظمه عن مماثلة خلقه، وأن يماثله أحد من خلقه، وترفعه عن كل نقص وعيب. فهذا معنى اسم الله "المتكبر"، اسم دال على تعالي الله جل وعلا عن صفات الخلق، وتعظمه عن مماثلة أحد من خلقه، أو مماثلة أحد من خلقه له، وترفعه عن كل نقص وعيب. والمتكبر بمعنى الذي له وصف الكبرياء والتكبر، فالمتكبر أي الموصوف بوصف الكبرياء والتكبر. فالكبرياء والتكبر ليس لأحد إلا للمتكبر جل وعلا وحده لا شريك له. فالتاء في "المتكبر" هي تاء التفرد والاختصاص، ليس التاء التكلف، وإنما هي تاء التفرد والاختصاص. إنما تاء التكلف هي في حق العبد حين يتكبر، فهو يتكلف وهو يتنطع فيتكبر. أما التاء في حق الله جل وعلا في اسمه "المتكبر" فهي تاء التفرد والاختصاص، لأن المتكبر هو الذي تفرد جل وعلا بوصف الكبرياء والتكبر، وهذا ليس لأحد إلا للمتكبر جل وعلا سبحانه وتعالى. ولذلك من نازع الله جل وعلا "المتكبر" في الكبرياء أو في العز أو في العظمة، عذبه الله جل وعلا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: «العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما عذبته». وفي لفظ آخر: «والعظمة إزاري، والكبرياء ردائي». فالكبرياء والتكبر إنما هو للمتكبر جل وعلا وحده لا شريك له. ولذلك عاقب الله جل وعلا المتكبرين من عباده، كم عاقب الله جل وعلا من عباده ومن الأقوام والأمم المتكبرين الذين تكبروا والعياذ بالله. فعلى رأس هؤلاء المتكبرين إبليس، فهو زعيم المتكبرين وقائد المتكبرين. إبليس لعنه الله، فإبليس استكبر على رب العالمين جل وعلا حين امتنع عن السجود لآدم، قد أمره الله جل وعلا بذلك، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. فاستكبر والعياذ بالله. وهكذا الكبر والتكبر إنما هو من أوصاف المشركين الذين استكبروا عن قول الحق وعن الانقياد للحق وعن الإذعان للحق والخضوع للحق. قال جل وعلا: ﴿ذلك بأنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾. استكبروا عن قول كلمة التوحيد "لا إله إلا الله". فالتكبر من صفات المشركين، وهكذا من صفات أعداء الله. قارون خسف الله جل وعلا به لأنه تكبر والعياذ بالله، فخرج على قومه في زينته. قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾. وقال الذين أوتوا العلم: ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا وما يلقاها إلا الصابرون﴾. فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين. وهكذا وصف ربنا جل وعلا الوليد بن المغيرة، الوليد بن المغيرة الذي تكبر عن الحق وعن قبول الحق وتكبر عن الاعتراف بأن هذا القرآن كلام الله جل وعلا، حيث استكبر وزعم أنه قول البشر. قال جل وعلا: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ثم مهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر﴾. استكبر لم يعترف بأن القرآن كلام رب العالمين جل وعلا، بل قال: هذا سحر، وهذا من الاستكبار. ولذلك الكبر والاستكبار عدم قبول الحق. فمن أعظم الكبر وأعظم التكبر عدم قبول الحق. والنبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن مسعود حين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق ورده وعدم قبول الحق هذا من الكبر والعياذ بالله. فلذلك كان وعيد المتكبرين هذا الوعيد العظيم، فهم في جهنم والعياذ بالله، كما قال جل وعلا: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾. قال جل وعلا: ﴿قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين﴾. وقال جل وعلا: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾. فالله جل وعلا عاقبهم بهذا الوعيد العظيم، وهذا بسبب تكبرهم وبسبب منازعتهم للمتكبر جل وعلا. وهكذا ذكر ربنا سبحانه وتعالى عن قوم نوح على لسان نبيه نوح عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. دعوة عظيمة من نوح عليه الصلاة والسلام لقومه، لكن قوم نوح أبوا واستكبروا والعياذ بالله. ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا﴾. ما قبلوا الحق، ما قبلوا هذه الدعوة من هذا النبي الكريم. دعاهم إلى توحيد الله جل وعلا، دعاهم إلى كل خير يكون نافعا لهم في الدنيا والآخرة، ولكن استكبروا والعياذ بالله. وهكذا كذلك قوم هود، وهم عاد استكبروا كذلك عن قبول الحق والعياذ بالله، وردوا الحق. ﴿وأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق﴾. عاد وهم قوم هود استكبروا وكانوا من المتكبرين والعياذ بالله. فكان عقابهم في الدنيا العقاب العاجل قبل الآجل. وهذا كم من أمم استكبرت فعاقبها الله جل وعلا. فالحذر من أن يتكبر العبد، التكبر إنما هو للمتكبر جل وعلا. ويعظم الإثم وكذلك الوعيد إذا كان العبد فقيرا، إذا كان العبد فقيرا ومع هذا يستكبر، فهذا الوعيد أشد. وعيد المتكبرين شديد، لكن وعيد المتكبر من الفقراء أشد. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر». عائل مستكبر يعني فقير ومع هذا يتكبر. ما الذي يجعله يتكبر؟ ذلك الذي عنده الأموال وعنده التجارات نعم يتكبر بسبب الأموال التي عنده. لكن أنت أيها الفقير الداعي في وقوعك في التكبر ليس كداعي الغني في وقوعه في التكبر. ولذلك كان وعيد المتكبرين من الفقر أشد. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن وعيدهم أشد من وعيد المتكبرين من الأغنياء. وهكذا الشيخ الزاني، الشاب إذا وقع في الزنا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب وهو متوعد بوعيد عظيم، لكن إذا وقع الزنا من شيخ كان الوعيد أشد. لأن داعي الشهوة عند الشباب ليست كداعي الشهوة عند الشيخ. فكلهم متوعدون بوعيد الله جل وعلا، لكن لما كان الداعي في الوقوع في هذه الكبيرة يختلف من هذا إلى هذا، كان وعيد ذلك أشد، وهو الشيخ الزاني. وهكذا العائل المستكبر والعياذ بالله. وهكذا كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطأهم الناس. تكبروا في هذه الدنيا وأرادوا التعالي على الناس والترفع، فكان الجزاء من جنس العمل، فكانوا في الآخرة أمثال الذر. فالله جل وعلا يجعلهم على هذا الحال الحقيق وعلى هذا الذل وعلى هذا الصغار كأمثال الذر بسبب تكبرهم في هذه الدنيا ومنازعتهم للمتكبر جل وعلا والتكبر على الناس. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كما جاء في الصحيح أنه خرج في حلة أعجبته نفسه فتعالى وتكبر، فخسف الله جل وعلا به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة كما جاء في الحديث المتفق عليه إلى يوم القيامة وهو في عذاب مستمر العياذ بالله بسبب تكبره. فكان هذا العقاب العاجل قبل العقاب الآجل يوم القيامة. وهكذا كذلك الأحاديث كثيرة في وعيد المتكبرين. فكم قد عاقب الله جل وعلا أمم تكبرت وعتت، وهكذا كم عاقب أفرادا تكبروا وعتوا والعياذ بالله. وهكذا الوعيد الشديد يوم القيامة في حق المتكبرين. فالحذر الحذر من الوقوع في التكبر. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا "المتكبر" والتعبد له جل وعلا باسمه "المتكبر" أن يحقق العبد الذل والخضوع والانقياد والقبول لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام والحق. فإذا وقع في هذا وحقق هذا، جل هذا على إيمانه وصدق إيمانه بربه "المتكبر" جل وعلا. لأنه علم أن الله هو "المتكبر" جل وعلا، و"المتكبر" يحب من عباده أن يذل له وأن ينقادوا لأمره وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام وأن يقبلوا الحق من أي أحد كان. لأنهم ليس عندهم شيء من الكبر يجعلهم يردون الحق أو لا يقبلون الحق أو يتمادون في المعاصي أو يصرون على فعل المنكرات. لا، وإنما أهل الشرك وأهل الكفر هم الذين يتكبرون فلا يقبلون الحق. وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. يستكبرون عن عبادة الله جل وعلا، لماذا؟ بسبب تكبرهم العياذ بالله. عندهم كبر فتكبروا فلم يستجيبوا لأمر الله جل وعلا، بل تركوا دعاء الرب سبحانه وتعالى وعبادة رب العالمين سبحانه وتعالى. فكل من يقع في الذنوب والمعاصي، وكل من ترك أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، إنما هو بسبب كبر، بسبب كبر فيه ترك الطاعة نعم، وترك أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وإلا لو سلم من الكبر، لانقاد واستسلم لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. لكن الكبر الذي في قلبه يجعله معرضا عن أداء ما فرض الله جل وعلا عليه، ويجعله معرضا عن التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. تقول له: تعالى نتحاكم إلى كتاب الله، إلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: لا. من الذي يجعله لا يقبل التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإلى شرع الله؟ إنه الكبر والعياذ بالله، الكبر والهوى. فعنده هوى وعنده كبر والعياذ بالله. فلذلك استكبر عن الإذعان للتحاكم إلى شرع الله جل وعلا وقبول حكم الله وحكم رسوله عليه الصلاة والسلام. وما أعظم خطورة هذا الأمر، وقد تفشى تفشيا عظيما في مجتمعات المسلمين اليوم. والكبر له صور، والاستكبار له صور كثيرة. فمن نظر في أحوال المسلمين اليوم نسأل الله العافية والسلامة، وجدنا قد استكبروا عن شرع الله، واستكبروا عن أوامر الله وأوامر رسوله عليه الصهاة والسلام، وعن الحق وعن الصراط المستقيم وعن السنة. وكل ذلك بسبب ما وقع في قلوبهم من الكبر والعياذ بالله، وعدم التسليم للحق والقبول والانقياد. لما ضعف عندهم مثل هذه الأمور، حصل منهم ما حصل. وإلا لو كانوا على صدق في إيمانهم، وكانوا مؤمنين حقا، لانقادت قلوبهم، ولانقادت جوارحهم لأمر الله ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. لكن الكبر العياذ بالله هو الذي يحول بين العبد وبين فعل الطاعة. والكبر هو الذي يحول بين العبد وامتثال أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. ما الذي دفع إبليس إلى عدم السجود لآدم؟ إنه الكبر، التكبر هو الذي منعه من السجود. لما وجد هذا الكبر في قلبه، امتنع عن السجود لآدم. وإلا لو لم يتكبر على الله جل وعلا، وسلم قلبه من الكبر والتكبر، لانقاد لأمر الله سبحانه وتعالى. وهذا كل من وقع في ما وقع فيه من الظلم والاعتداء، وكذلك الاعتداء على شرع الله جل وعلا، تجد سببه ماذا؟ الكبر. لكن الناس يتفاوتون في هذا الكبر. لكن الذي سلم قلبه حقا من الكبر، تجده منقادا لشرع الله، لا يكثر الكلام إذا قلت له: كذا، قبل ذلك. لكن إذا وجد عنده كبر، تجده يتلون ويأتي من هنا ويأتي من هنا، ويبحث عن مخارج ويبحث عن تأويلات، ويبحث كذلك عن أقوال يقول: لعل هناك قول يجوز هذا الأمر. وهكذا يبحث عن الرخص ليترخص بها. وكل ذلك لعدم القبول التام والتسليم لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وسببه وجود شيء من الكبر والتكبر. لكن من أيقن أن الله جل وعلا هو "المتكبر"، والتكبر ليس إلا له جل وعلا، فتجده منقادا غير معرض، مستسلما. ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الذين آمنوا به جل وعلا، وأنه "المتكبر" سبحانه وتعالى، وأن يقينا من الكبر والكبرياء، واجعلنا من عباده المنقادين الطائعين له سبحانه وتعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.