شرح أسماء الله الحسنى 22

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في أسماء الله الحسنى

يبدأ الدرس بشرح أسماء الله الحسنى، خاصة الحفي والحق، ويتناول معانيها ودلالاتها على صفات الله تعالى. يُظهر أهمية فهم هذه الأسماء في تحقيق التوحيد.

استحقاق الله للعبادة وحده

يتناول هذا الفصل استحقاق الله للعبادة وحده دون سواه، مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحداث التاريخية التي تبرز عجز الآلهة الأخرى. يُبرز أهمية إقامة الحجة على العباد من خلال الرسل والآيات الكونية.

مقتضيات الإيمان باسم الله الحق وتطبيقها

يشرح هذا الفصل مقتضى الإيمان باسم الله الحق، ويشمل ذلك قول الحق ودعوته ونصره، واليقين بوعد الله واتباع الحق في الأقوال والأفعال. يُظهر أن الله يحب القائلين بالحق والموقنين بوعده.

الدعاء بالنصر للحق والختام

يختتم الدرس بدعاء إلى الله بالنصر للحق والثبات عليه حتى الممات، ويطلب حسن المصير يوم القيامة. يُظهر الرغبة في البعث مع الصالحين ويختتم بحمد الله والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن الأسماء التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله الحفي، وذكر -رحمه الله تعالى- هذا الاسم، وقال مع تردده في هذا الاسم، أي: عندي تردد في إثبات هذا الاسم لله جل وعلا؛ وذلك لوروده مقيدًا، لأن الله جل وعلا قال كما في سورة مريم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، فذكر مقيدًا، والقاعدة في أسماء الله جل وعلا الحسنى أن تكون مطلقة، أن تكون الأسماء مطلقة، وهذا وجه كونها حسنى. ومع هذا من أهل العلم من عد هذا الاسم من أسماء الله الحسنى، فقد ذكره القرطبي -رحمه الله-، وعده من الأسماء الحسنى، وكذلك ابن العربي، وابن حجر، وكذلك أيضًا ابن الوزير، وجماعة من أهل العلم. ومعنى الحفي، قال ابن كثير -رحمه الله- كما في تفسيره: ذكر عن ابن عباس في تفسير الحفي، أي: اللطيف، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، ذكر عن ابن عباس، أي: لطيفًا. وذكر عن مجاهد وقتادة في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، أي: عوده الإجابة، أي: عود نبيه الإجابة كلما دعاه أجابه. وذكر السعدي -رحمه الله- في تفسيره عند هذه الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، قال: رؤوفًا رحيمًا. وهكذا ذكر بعض أهل العلم معنى الحفي: البار والمجيب للدعوة، والمهتم بعبده، إلى آخر ذلك من هذه المعاني. وسيأتي معنا من أسماء الله جل وعلا: اللطيف، والرؤوف، والرحيم، وكذلك المجيب، وتتضمن معنى الحفي. ثم ذكر -رحمه الله تعالى- من أسماء الله جل وعلا الحسنى: الحق، فالحق اسمه من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ذكر في كتاب الله جل وعلا في مواضع، وهكذا في سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، في كتاب الله جل وعلا في سورة يونس، قال جل وعلا: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، وذكر كذلك في سورة الحج، قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وكذلك ذكر في سورة المؤمنون، قال جل وعلا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وذكر في سورة النور، قال جل وعلا: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، وغير ذلك من المواضع في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في استفتاحه -عليه الصلاة والسلام- صلاة الليل. فكان -عليه الصلاة والسلام- حين يستفتح صلاته بالليل يقول -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- حق، والساعة حق، اللهم إني أسلمت لك، اللهم إني لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما تقدم، فاغفر لي ما قدمت وأخرت، وأسررت وأعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». ففي هذا الدعاء العظيم الذي أثنى نبينا -عليه الصلاة والسلام- فيه على ربه، وأقر له جل وعلا بالحق في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وأقواله وأخباره، وأحكامه جل وعلا، يدل على عظيم هذا الاسم لله سبحانه وتعالى: اسم الله الحق. ومعنى الحق: الذي لا شك فيه ولا ريب، الحق الذي لا شك فيه ولا ريب، فالله جل وعلا حق لا شك فيه ولا ريب، حق في ذاته جل وعلا، حق في أسمائه وصفاته، حق في ربوبيته وألوهيته، حق في أقواله جل وعلا، وفي وعده سبحانه وتعالى ووعيده، وأحكامه وأخباره، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق» إلى آخر ما ذكر -عليه الصلاة والسلام-. فالله سبحانه وتعالى هو الحق، وهو المعبود الحق جل وعلا، الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فمن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الحق أن يحقق العبد التوحيد لله جل وعلا، إذا علم أن الله جل وعلا وحده الحق، فإذن هو وحده الذي يستحق العبودية، ويستحق العبادة جل وعلا، فلذلك لا يصرف العبادة إلا لله سبحانه وتعالى. وقد نوع الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الدلائل والحجج والبراهين الشرعية والعقلية والكونية الدالة على استحقاقه جل وعلا لهذا الحق، وأنه لا يشارك أحد في هذا الحق، وهو العبودية، وأنه سبحانه وتعالى المعبود الحق جل وعلا، عشرات الآيات ذكر الله جل وعلا فيها تفرده بالربوبية، وأنه متفرد بالربوبية جل وعلا، بأنه الخالق وحده، المالك، الرازق، المدبر، المحيي، المميت، المجير، الرازق. فمقتضى ذلك أن يعبد وحده سبحانه وتعالى، وأنكر على المشركين في عشرات من الآيات الذين أقروا بالخلق لله والرزق والإحياء والإماتة والإجارة والنعم، ومع هذا عبدوا مع الله جل وعلا غيره، فأنكر الله سبحانه وتعالى عليهم، وعلى رسل رسله، وكم حاجج رسل الله هؤلاء في إثبات الحق لله جل وعلا في هذا الأمر، وفي العبودية. فهذا إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- كما قال جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتْخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فالذي فطر والذي خلق هو الذي يستحق أن يعبد جل وعلا، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والآيات كثيرة ذكر الله جل وعلا فيها نعمه التي أنعم بها على عباده، ثم بعد ذلك يذكر حقه جل وعلا عليهم بأن يعبدوه وحده جل وعلا، ولا يشركوا به شيئًا، وأنه لا رب سواه، ولا إله مشارك له جل وعلا. وهكذا قهرهم الله سبحانه وتعالى، فتفرد بأسماء الحسنى وصفات العليا، وقهر عباده، فقهره جل وعلا لعباده من أعظم البراهين الدالة على أنه المعبود الحق جل وعلا. وهكذا بينا ربنا -عز وجل- عجز الآلهة التي سُخر لها العبادة؛ لأنها حقيرة لا تستطيع أن ترد شيئًا ولو حقيرًا إذا أخذه الذباب، أخذ طيبًا من هذه الآلهة، وهذه الأسلَم ما استطاعت هذه الآلهة رد ذلك. فبين الله جل وعلا في آيات كثيرات عجز هذه الآلهة التي توجه إليها العبادة، وذلك من البراهين الدالة على استحقاقه جل وعلا له العبادة. وهكذا الله سبحانه وتعالى أيد رسله بالآيات والبراهين الدالة على صدق ما جاءوا، أنزل المائدة على نبيه عيسى -عليه الصلاة والسلام-، وفلق البحر لموسى -عليه الصلاة والسلام-، وأحيا الموتى لإبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وأبرأ الأكمه والأبرص كذلك لعيسى، وشق القمر لنبيه محمد -عليه الصلاة والسلام-. وأعظم البراهين لرسالة نبينا -عليه الصلاة والسلام- هذا القرآن العظيم الذي أعجز كفار قريش أهل البلاغة والفصاحة. فهذه المؤيدات وهذه البراهين وهذه الآيات التي أيد الله جل وعلا بها أنبياءه ورسله وعباده الصالحين من أعظم البراهين الدالة على استحقاق الله جل وعلا للعبادة، وأنه المعبود الحق وحلًا جل وعلا. وهكذا كذلك كم أهلك الله جل وعلا ممن ادعى الربوبية، ومن ادعى هذا الحق، فهناك من ادعى هذا الحق مع الله جل وعلا، وأنه رب مع الله، وأنه إله، فعاجله الله سبحانه وتعالى بالعقوبة في هذه الدنيا. وكم أهلك الله جل وعلا أقوامًا وشعوبًا وأفرادًا تمردوا على الرب جل وعلا، ولم يأتوا بهذا الحق الذي أجابه الله سبحانه وتعالى عليهم. وكم أراهم الله جل وعلا من الآيات العظيمة الكونية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فالله جل وعلا أرى عباده من الآيات الكونية العظيمة في ملكوته ما يدل على أنه المعبود الحق جل وعلا وحده لا شريك له. حكم على أبي لهب وهو حي، وما استطاع أن يخرج عن هذا الحكم، مع أنه كان من أشد أعداء النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان من أشد الناس عداوة على هذا الدين، ومع هذا حكم الله جل وعلا عليه بأنه في النار وهو حي، ما استطاع أن يخرج من ذلك الحكم، قهره الله جل وعلا، وهذا يدل على برهان عظيم من البراهين الدال له على أنه جل وعلا الرب وحده، والمعبود الحق وحده جل وعلا لا شريك له. والله جل وعلا إنما نوع البراهين والحجج والبينات في كتابه الكريم، وعلى ألسنة رسله؛ ليحق هذا الحق، ليحق هذا الحق، كما قال جل وعلا: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾، قال جل وعلا: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾، فالله جل وعلا نوع هذه الأدلة والبراهين والآيات الدالة على استحقاقه جل وعلا العبادة؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل، وكما قال جل وعلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. وهكذا أيضًا لإقامة الحجة البالغة على العباد، فالله جل وعلا له الحجة البالغة، ولإقامة الحجة كذلك على العباد رسل مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فما أكثر الأدلة التي نوعها الله جل وعلا في كتابه الدالة على استحقاق العبادة، وهذا فيه الحجة البالغة العظيمة. والحجة قامت على العباد إذا هم لم يعبدوا الله سبحانه وتعالى، وأشركوا به، ومعه غيره سبحانه وتعالى. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحق تحقيق العبودية للحق الواحد جل وعلا. وهكذا الله سبحانه وتعالى هو الحق، وقوله الحق جل وعلا. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا، والتعبد لله جل وعلا باسمه الحق: أن لا يقول العبد إلا الحق، أن لا يقول العبد إلا الحق، وأن لا يدعو إلا إلى الحق، ولا ينصر إلا الحق، فيدعو إلى الحق، ويقول الحق، وينصر الحق؛ لأن الحق جل وعلا يحب من عباده القائلين بالحق، كل عباد يقولون التي هي أحسن. والله جل وعلا قد قال في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، فالله جل وعلا قوله الحق سبحانه وتعالى، ويحب من عباده أن يقولوا الحق، وأن ينصروا الحق، وأن يدعوا إلى هذا الحق العظيم. وهكذا الله سبحانه وتعالى الحق، وعده الحق، فمن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الحق: أن يتيقن العبد بوعد الله جل وعلا، فالله الحق، وعده الحق، لا يتخلف، وكان من دعاء الصالحين في كتاب الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. فالله جل وعلا الحق، وعده الحق، لا يخلف وعده جل وعلا، لا يخلف وعده سبحانه وتعالى، وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟ ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فوعد الله جل وعلا حق لا يتخلف، فعل العبد أن يتيقن بوعد الله جل وعلا. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده الموقنين بوعده جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، مثنيًا على عباده الموقنين بوعده: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. فالله جل وعلا هو الحق، ووعده الحق، فعلى العبد أن يوقن بوعد الله جل وعلا، فالله جل وعلا يحب الموقنين بوعده سبحانه وتعالى، فوعد الله لا يتأخر، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾. فالعبد أن يتيقن وعد الله جل وعلا له، وما عليه إلا أن يدعو إلى الله جل وعلا، ويصبر، فوعد الله سبحانه وتعالى لا يتخلف، فهو سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد. وهكذا أيضًا الحق جل وعلا سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يتبعوا الحق، وأن يكون الحق ضالتهم. فلابد للعبد أن يكون في هذه الدنيا على حق، على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وعلى منهج صحيح، قويم، مستقيم؛ لأن الله جل وعلا الحق، إنما أرسل رسله بالحق، قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَقُولُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا سَاحِرٌ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَقَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. فالله جل وعلا أرسل رسوله بالحق، وأنزل كتبه كذلك بالحق، قال جل وعلا: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، فالحق جل وعلا أرسل رسله بالحق، فعلى العباد أن يأخذوا ما جاء به هؤلاء الرسل، فالحق إنما هو ما جاءت به رسل الله -عليه الصلاة والسلام-، والحق إنما هو في كتاب الله جل وعلا الذي أنزله بالحق سبحانه وتعالى، وسمه الحق جل وعلا. والله سبحانه وتعالى قد أيد رسوله محمدًا -عليه الصلاة والسلام- بأعظم البراهين الدالة على صدق رسالته -عليه الصلاة والسلام-، وما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد بين الحق بيانًا واضحًا، ترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من أمر يقرب الأمة إلى الجنة وإلى ربها جل وعلا إلا ودلها عليه، وما من أمر يقربها إلى النار ويبعدها عن ربها جل وعلا إلا وحذرها منه -عليه الصلاة والسلام-. وشهد له ربنا جل وعلا بذلك في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وهكذا الله جل وعلا خلق الخليقة بالحق سبحانه وتعالى، فالحق من أسماء الله جل وعلا العظيمة التي مقتضاها التعبد له جل وعلا بالحق في الأقوال، وفي الأعمال، وفي العبادات، وفي شؤون العبد كلها. فيكون العبد هو منفذًا لأمر الله وأمر رسوله -عليه الصلاة والسلام- بالحق، فلا يكون معه الباطل، ولا ينصر الباطل، وإنما يكون الحق هو ما يريد أن يعليه، وأن يظهره، وأن يدعو إليه، وأن يموت ويحيا عليه. نسأل الله سبحانه وتعالى من الذين أيقنوا باسم الله جل وعلا الحق، وبوعده الحق سبحانه وتعالى، وأن يجعلنا من عباده الناصرين للحق، المدافعين عنه، القائلين به جل وعلا، نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونبعث يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.