شرح أسماء الله الحسنى 70

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 70، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله 'السبوح' والتسبيح الصحيح

اسم الله 'السبوح' يعني تنزيه الله عن النقائص وإثبات الكمالات له، والتسبيح الصحيح يختلف عن تسبيح المعتزلة الذي ينفي صفات الله. العبد عليه أن يكون مسبحا لله جل وعلا لأن الله يحب عباده المسبحين له.

مقتضيات التسبيح وأهميته في الإسلام

التسبيح يتطلب تنزيه الله عن كل نقص وعيب وإثبات الكمالات له، وهو عبادة عظيمة أمر الله بها عباده. وردت آيات كثيرة تأمر بالتسبيح وتثني على المسبحين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من التسبيح.

ختام الدرس وتحميده

المقطع الختامي يتضمن تنزيه الله تعالى عما يصفونه وتحية على المرسلين، وحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. الدرس ينتهي بالثناء على الله وذكره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "السبوح". فالسبوح اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبوح قدوس رب الملائكة والروح". فهذا الحديث فيه ذكر اسم "السبوح" اسما لله جل وعلا. ولذلك، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر من أسماء الله جل وعلا الحسنى هذا الاسم مما ورد في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. ومعنى اسم الله جل وعلا "السبوح" أي المسبح، بمعنى المنزه والمبرأ عن كل نقص وعيب. المنزه المبرأ عن كل نقص وعيب، فكل ما ينافي كماله جل وعلا المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله، فذلك مما ينزه الرب جل وعلا عنه. وهكذا كذلك ينزه عن مماثلته جل وعلا لخلقه أو مماثلة خلقه له تبارك وتعالى وتقدس عن كل مثيل ونظير، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وبهذا يتبين لنا أن تنزيه الرب جل وعلا وتسبيح الرب جل وعلا لابد فيه من أمرين: الأمر الأول أن ينزه الرب جل وعلا عن كل ما ينافي كماله المطلق، وعن كل ما يضاد كماله المطلق جل وعلا. والأمر الثاني إثبات الكمالات لله جل وعلا، ونفي كل النقائص والعيوب، فينفى عنه ما ينافي كماله المطلق، وينفى كذلك عنه مماثلته جل وعلا لخلقه ومماثلة خلقه له، مع إثبات كل الكمالات وكل أوصاف الكمال والجمال والجلال له جل وعلا. أما التسبيح الذي هو التنزيه الذي ليس معه إثبات المحامد، وليس معه إثبات الكمالات لله جل وعلا، فهذا ليس بتسبيح. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "دقائق التفسير" أن التسبيح الذي أمر الله جل وعلا به إنما هو تسبيحه جل وعلا مع إثبات المحامد له جل وعلا. أما التسبيح من غير إثبات الكمال ومن غير إثبات أوصاف المحامد له جل وعلا، فهذا ليس بتسبيح. وذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في تفسيره لسورة النصر عند قوله جل وعلا: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، قال: "التسبيح هو الذي معه إثبات الحمد لله جل وعلا، إذ ليس كل تسبيح بمحمود". ثم قال: "فتسبيح المعتزلة ليس هو بتسبيح"، تسبيح المعتزلة الذين نزهوا بزعمهم الرب جل وعلا ليس بتسبيح؛ لماذا؟ لأن فيه نفي صفات رب العالمين جل وعلا، وتعطيل صفات رب العالمين جل وعلا، فهذا ليس بتسبيح لله جل وعلا، وإنما التسبيح الذي ورد في الشرع وأمر الله جل وعلا به أن ينزه عن النقائص والعيوب مع إثبات أوصاف المحامد، ومع إثبات الحمد له جل وعلا من كل وجه. وأما التنزيه الذي معه التعطيل لصفات رب العالمين جل وعلا، فإنما هذا هو تسبيح الجاحدين، هذا هو تسبيح الجاحدين المعطلين، وليس تسبيح المؤمنين، فهو تسبيح المعطلين الجاحدين الذين نزه الله جل وعلا نفسه عن قولهم بقوله جل وعلا: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾. فنزه جل وعلا وسبح نفسه عما قاله فيه أعداء الرسل الذين وصفوه جل وعلا بالنقائص والعيوب. وهكذا كل من وصف الله جل وعلا بوصف فيه نقص وعيب، فالله جل وعلا قد سبح نفسه عن هذه الأوصاف التي وصفها بها أعداءه وأعداء الرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه في الله جل وعلا. والرسل قالوا في الله جل وعلا ما وصفوه به جل وعلا من صفات الكمال والجمال والجلال، ونزهه عن كل نقص وعيب. ولذلك، الجهمية لن يسبحوا الرب جل وعلا، والمعتزلة والمعطلة والممثلة، فالذين لن يسبحوا الله جل وعلا كثر من الناس، المشركون لن يسبحوا الله جل وعلا؛ لماذا؟ لأنهم صرفوا العبادة لغير الله جل وعلا، عبدوا اللات والعزة وهبل وهبل ومنات الثالثة الأخرى، وهكذا ذلك نسبوا إلى الله جل وعلا البنات، وهكذا نسبوا إلى الله جل وعلا الولد، فما سبحوا الله جل وعلا وما نزهوه. وهكذا كذلك الكفار من اليهود وغيرهم الذين من اليهود والنصارى ممن نسب إلى الله جل وعلا الولد، وقالوا: "عيسى ابن الله"، وهكذا اليهود قالوا: "عزير ابن الله"، فلم يسبحوا الله جل وعلا. وهكذا كذلك الفرق المخالفة للكتاب والسنة، فكل فرقة خالفت سواء كانت وقعت في المخالفة في الاعتقاد أو وقعت في المخالفة في الابتداع في الدين في عباداتها وفي أمورها الأخرى، فقد لم تنزه الله جل وعلا ولم تسبح الله جل وعلا ولم تنزه الله سبحانه وتعالى ولم تسبحه بهذا. فالجهمية والمعتزلة والخوارج والمرجئة، وكذلك سائر الفرق المخالفة كلهم وقعوا في النقص في حق الله جل وعلا، ولم ينزه الله سبحانه وتعالى بين مقل ومستكثر. وهكذا الابتداع في دين الله جل وعلا، ذلك من عدم التسبيح، فمن ابتدع في دين الله جل وعلا لم ينزه الله جل وعلا ولم يسبح الله سبحانه وتعالى حق تسبحه؛ لأن ابتداع في الدين اتهام بعدم إكمال الرسالة وبعدم إكمال ما هو حسن. فمن استحسن في دين الله جل وعلا لم يسبح الله، وهكذا من شرع في دين الله جل وعلا لم يسبح الله جل وعلا حق تسبيحه. فدل هذا على أن التسبيح حقا بإثبات كل ما ثبت في الكتاب والسنة وما ثبت كذلك، ونفي ما نفي في الكتاب والسنة، والسير على ذلك على الصراط المستقيم، فهذا هو التسبيح الصحيح، سواء كان ذلك في الاعتقاد أو كان في العبادات أو كان في المعاملات أو كان في المنهج والسلوك وغير ذلك. فالتسبيح موافقة الشرع، وعدم الموافقة تنقيص في حق الله جل وعلا، لكن منهما يكون كفرا ومنهما لا يكون كذلك بحسب تلك المخالفة وبحسب ذلك النقص والعيب الذي وقع فيه من وقع ونسبه إلى الله جل وعلا إذا كان بلسان الحال أو على لسان مقال وهو لا يريد ذلك لشبهة عنده وغير ذلك من هذه الأمور. فإذن، التسبيح لابد فيه من الإثبات والنفي بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة لا بالأهواء ولا بالعقول ولا بالعواطف، وإنما بموافقة الكتاب والسنة. ومن ثمار الإيمان باسم الله جل وعلا "السبوح" ومقتضى تعبد الله جل وعلا باسمه "السبوح" كما تقدم: تسبيحه أولا وتنزيهه عن كل نقص وعيب. والثاني أن العبد عليه أن يكون مسبحا لله جل وعلا؛ لأن "السبوح" سبحانه وتعالى يحب عباده المسبحين له. فالله جل وعلا "السبوح" وصف نفسه بهذا الوصف العظيم، وهو "السبوح" وصف لله جل وعلا عظيم. وقال ذلك جل وعلا في كتابه الكريم في مواضع، وصف نفسه بذلك في مواضع، منها قوله جل وعلا: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾. وقال جل وعلا: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾، وقال جل وعلا: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾. فسبح الله جل وعلا نفسه عن ما يقوله الظالمون فيه جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿فسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾، وقال جل وعلا: ﴿سبحانه عما يقولون وسبحانه عما يقولون﴾. وهكذا سبح نفسه سبحانه وتعالى عما يشركون، سبحانه وتعالى عما يصفون. فكل ذلك من التسبيح منه جل وعلا لنفسه؛ لأن هؤلاء نسبوا إليه جل وعلا هذه النقائص وهذه العيوب وهذه الأمور التي هو جل وعلا منزه عنها ومسبح وبرأ منها سبحانه وتعالى. وكذلك "السبوح" جل وعلا يحب من عباده أن يسبحوه، ولذلك أمر بالتسبيح في كتابه الكريم في آيات كثيرات. كم هي الآيات في كتاب الله جل وعلا التي فيها الأمر بتسبيح الله جل وعلا؟ آيات كثيرات لا تحصى لكثرتها، وذلك إن دل على شيء يدل إنما يدل على عظيم هذا الوصف لله جل وعلا. فأمر الله جل وعلا بتسبيحه بكرة وعشية، وهكذا بكذلك الليل، قال جل وعلا: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾، وقال جل وعلا: ﴿ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾. وهكذا أمر الله جل وعلا العباد بأن يسبحوه سبحانه وتعالى، أمر أنبياءه وأمر كذلك عباده. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام قال الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾. حينما طلبوا منه أن ينزل لهم كذا وأن يفعل لهم كذا، وذلك إنما يطلب من الله جل وعلا، فنزه الله جل وعلا أن يطلب من غيره مثل هذه المطالب، وإنما هو بشر ورسول بعثه الله سبحانه وتعالى. وهذا قال جل وعلا: ﴿ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾. فأمر بتسبيحه أدبار السجود، وأمر بتسبيحه عند إدبار النجوم، وبالعشي والإبكار، وإلى آخر ذلك من الآيات الكثيرة التي بها الأمر من الله جل وعلا "السبوح" لعباده بأن يسبحوه. ولذلك، أثنى "السبوح" جل وعلا على أنبيائه وأثنى على ملائكته وأثنى على المؤمنين الذين سبحوه جل وعلا. فقال عن ملائكته الكرام: ﴿كيف تجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك﴾، فأثنى عليهم جل وعلا لتسبيحهم له سبحانه وتعالى. وقال الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿وإن لنحن المسبحون﴾، وقال جل وعلا عنهم: ﴿سبحون الليل والنهار لا يفترون﴾. وهكذا أثنى على المؤمنين الذين سبحوه جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾. فسبحوا الله جل وعلا، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم. وقد ضرب نبينا عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في تسبيح الله جل وعلا، فكان يذكر الله جل وعلا على كل أحيانه، كما في حديث عائشة في صحيح مسلم. وهذا منه تسبيح عليه الصلاة والسلام بربه جل وعلا. وكان أحد أدعية الاستفتاح: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك". وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من التسبيح في ركوعه وسجوده، حين أنزل عليه قوله جل وعلا: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾. فكان يكثر في السجود والركوع أن يقول عليه الصلاة والسلام: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". ولذلك قالت عائشة: "يتأول القرآن"؛ أي يعمل بما جاء من الأمر في كتاب الله جل وعلا. فكان يكثر التسبيح عليه الصلاة والسلام. ومن أدعية التسبيح التي كان عليها صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: "سبحان ذي الجبروت والكبرياء، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". فهذا يدلنا على أنه عليه الصلاة والسلام كان دائم التسبيح لله جل وعلا، وهكذا كان الأنبياء، وهكذا الملائكة، "وهكذا عباد الله الصالحون، فهم يكثرون من التسبيح لله جل وعلا؛ وذلك لعظم هذه العبادة، فالتسبيح عبادة عظيمة وطاعة عظيمة لله جل وعلا يحبها "السبوح" سبحانه وتعالى. ولذلك، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فالله جل وعلا أثنى على المسبحين، أخبر عن تسبيح الخلائق، أخبر في كتابه أن الرعد يسبح بحمده، وكذلك أخبر أن الملائكة تسبح بحمده. وهكذا أخبر أن ما من شيء إلا وهو يسبح بحمده، «وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم». نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده المسبحين، من الذين سبحوا في ذاته وأقواله وصفاته ودينه وعباداته وحكمه وقضائه وشرعه، وأن يجعلنا ممن أثنى عليه جل وعلا بما يستحق. سبحانك سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.