التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 12

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 12

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح مسائل الباب الأول من كتاب التوحيد

يستعرض المقطع سبع مسائل أساسية في مقدمة كتاب التوحيد، منها حكمة خلق الثقلين وهي التوحيد، وأن العبادة هي توحيد الألوهية الذي قامت عليه الخصومة مع قريش. كما يبين أن من لم يأت بالتوحيد لم يعبد الله، وحكمة إرسال الرسل للدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة، وعموم الرسالة لكل أمة، واتفاق دين الأنبياء في التوحيد واختلاف الشرائع، مع التنبيه على ضوابط التكفير.

أحكام التكفير والفرق بين الحكم العام والمعين وعظم التوحيد في القرآن

يشرح المقطع الفرق بين الحكم العام بالكفر على أفعال الشرك والحكم على المعين الذي يشترط فيه إقامة الحجة وانتفاء الموانع. ويستعرض مواضع عظمة التوحيد والنهي عن الشرك في سور الأنعام والإسراء والنساء، ويبين حق الله على العباد وهو توحيده، وحق العباد عليه تفضلا منه.

فوائد فقهية من حديث معاذ في حق الله وحق العباد

يستعرض المقطع ثماني فوائد فقهية مستنبطة من حديث معاذ، منها جواز كتمان العلم للمصلحة المؤقتة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ، واستحباب بشارة المسلم بما يسره. كما يشمل النهي عن الاتكال على رحمة الله أو القنوط، وآداب قول "الله ورسوله أعلم" في الحياة النبوية، وجواز تخصيص بعض الناس بالعلم، وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم في ركوب الحمار وإرداف معاذ، وجواز الإرداف على الدواب والدراجات النارية بشروط، وعظم شأن التوحيد.

فضيلة معاذ بن جبل ومكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم

يُبرز المقطع مكانة الصحابي معاذ بن جبل حيث خصه النبي صلى الله عليه وسلم بعلمٍ لم يعلمه لأحد سواه، وأردفه معه في السفر. وتُعد هذه الخصوصية دليلاً على فضله وعلمه العظيم، ويُختتم الباب بالإشارة إلى انتهاء الحديث عن هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد وقفنا عند مسائل هذا الباب، الباب الأول من كتاب التوحيد. وهذه المسائل: هل هي من كتاب التوحيد؟ ليست من كتاب التوحيد، وإنما أحسن من وضع المؤلف فجعل هذه المسائل كالشرح لكتابه. قال فيه: المسائل. الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. وما هي الحكمة في خلق الجن والإنس؟ توحيد الله عز وجل. التوحيد، لا أن يتمتعوا بالمآكل والمناكح. فالتمتع بالمآكل والمناكح هذه من حياة البهائم، فيشترك الإنسان مع هذه البهائم في ذلك. وميزه الله عز وجل، أي ميز الإنسان بأن فضله على هذه البهائم بما أعطاه من العقل والعلم والإدراك والفهم، فأمر أن يوحد الله عز وجل في هذه الحياة. الثانية: أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه، والمراد به توحيد الألوهية. وقوله: «الخصومة فيه»، أي بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش. وقريش ما كانوا ينكرون توحيد الربوبية، كما أخبر الله عز وجل عنهم في القرآن: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فإذا لا يقال: لماذا تنكرون على من خالف في هذا النوع من أنواع التوحيد؟ بل ننكر عليه ونشنع عليه، لأن الخصومة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه من قريش كانت في هذا النوع من أنواع التوحيد. وكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة. الثالثة: أن من لم يأتي به لم يعبد الله. ففيه معنى قوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. ومن أين استنبط المؤلف هذه الفائدة؟ أن من لم يأتي به، أي بالتوحيد، لم يعبد الله. لم يعبد الله، من أين أخذ هذا؟ من الآية التي مرت، من الأدلة التي مرت. من أين نأخذ هذا؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. أحسنت. فمن لم يأتي بالتوحيد لم يعبد الله، لأنه عبر بالعبادة عن التوحيد. عبر بالعبادة عن التوحيد. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾. فسمى الدعاء الذي هو من توحيد الله عز وجل، أي دعاء الله وحده، سماه عبادة. سماه عبادة. فكل عمل يقوم به الإنسان يتقرب به إلى الله عز وجل لا بد أن يصحبه التوحيد. فإذا لم يكن صاحبه موحداً رد عليه هذا العمل، ولم يكن عملاً متقبلاً. وهذا فيه معنى قوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. فمن عبد غير الله فلا يمكن أن يحقق التوحيد، ومن عبد الله وحده هو الذي حقق التوحيد. هذا معنى قوله: أن من لم يأتي به لم يعبد الله. الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل. ما هي الحكمة في إرسال الرسل؟ تقدمت معنا في الآية، وهي الدعوة إلى التوحيد. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. يعني هذه هي الخوايا والحكمة من إرسال الرسل، من إرسال الرسل، وهي أعظم غاية من أجلها بعث الرسل. وهناك حكم أخرى، تقدم التنبيه عليها من كلام العلامة ابن العثيمين، ومنها الإنذار. نعم، لأن لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة، أي طائفة. وهذا من باب قيام الحجة على الخلق. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، حتى نبعث رسولاً. فالله عز وجل ما من أمة على وجه هذه الأرض إلا وأقام عليها الحجة، وذلك بإرسال الرسل، بإرسال الرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾، أي في كل طائفة. السادسة: أن دين الأنبياء واحد، أصل الدين واحد، والشرع العملية تختلف باختلاف الأمم والأماكن والأزمنة. يعني أن التوحيد كل الأنبياء دعوا إليه، وهو توحيد واحد، ما يختلف. التوحيد الذي دعا إليه نوح هو التوحيد الذي دعا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. التوحيد الذي دعا إليه موسى هو التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم عليه السلام، وهكذا. فالدين الذي دعا إليه الأنبياء وهو الدعوة إلى التوحيد. وأما الشرائع فتختلف من أمة إلى أخرى، ومن رسول إلى آخر، كما قال الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، وديننا واحد». أبناء علات، يعني أبناء شرائع مختلفة، مثل يعني الإخوة الذين من أب واحد ومن أمهات مختلفة. فالمراد بالعلات هنا تنوع الشرائع، تنوع الشرائع. وديننا واحد، المراد هنا به التوحيد، الدعوة إلى التوحيد. السابعة: المسألة الكبيرة، أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت. ففيه معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾. يعني ما يكفي أن يقول قائل: أنا أعبد الله وأوحد الله، لكن لا أكفر بالطاغوت ولا أنكر على من يعبد الطاغوت. فهذا دينه ليس بصحيح، وتوحيده ليس بصحيح، لأنه لا بد من اجتماع الأمرين: وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة، والكفر بالطاغوت الذي هو كل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وقال ابن العثيمين: وجعلها كبيرة، علم ألف في قوله: «المسألة الكبيرة». لماذا جعلها كبيرة؟ قال: أن كثيراً يجهلها. كثيراً يجهلها، بمعنى أنه ربما يقتصر على إفراد الله عز وجل بالعبادة في أفعاله، لكن في معتقداته لا يكفر بالطاغوت، لا يكفر بالطاغوت. فلا بد من اجتماع الأمرين، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»: النفي والإثبات. وقال: ولا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئاً من ذلك، لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع. يعني هذا من باب التنبيه، فليس كل من لم يكفر بالطاغوت يكفر، وإنما يجلس معه وتقام عليه الحجة. لأن تكفير المعين لا بد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع. لا بد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع. فأهل السنة مثلاً لما يقولون: من يستغيث بغير الله فهو كافر، فهو مشرك، ليس معنى ذلك أنهم يكفرون الأعيان. لأن بعض الناس ربما يكونوا جاهلين، ربما يكونوا جاهلين بهذا الحكم، فلا يكفر المعين إلا بعد أن تقام عليه الحجة، يبين له حكم هذا الفعل الذي يفعله أو الذي يعتقده، وتنتفي في حقه الموانع كالجهل مثلاً، أو عدم وصول أو قيام الحجة عليها ونحو ذلك. فإذا لا بد من مراعاة هذه الأمور في الحكم على المعين، في الحكم على المعين. أما الحكم العام فتقول: من عبد غير الله فهو مشرك، من دعا غير الله فهو مشرك، من ذبح لغير الله فهو مشرك. فليس كل من ذبح لغير الله يحكم عليه بالشرك. لماذا؟ لأنه قد يكونوا جاهلين، قد يكونوا جاهلين بالحكم. قد يكون مثلاً ما أقيمت عليه الحجة، وليس هو بمعاند، وليس هو بمستكبر، وإنما وجد في مجتمع يعني يعمل هذه الأعمال، فتح عينيه على مجتمع يفعل هذه الأفعال ويعمل هذه الأعمال، ولم تصله دعوة التوحيد، أو نحن ذلك. فهنا ينبغي عليك أن تقيم عليه الحجة، أو قد يكون يعني يوجد في مجتمع فيه من دعاة الحق لكن ما يعرف الحجة، وما يعرف الدليل، وما أحد جلس معه يبين له حكم الإسلام في هذه الأفعال التي يعملها. فإذا لا بد من التفريق في هذه المسائل. الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. وقد مر معنا كلام ابن القيم في تعريف الطاغوت، وأن كل ما عبد من دون الله، أو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. التاسعة: عظم شأن الثلاث آيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وفيها عشر مسائل. أولها النهي عن الشرك. نعم، وهذه ما تسمى بالوصايا العشر: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآيات. العاشرة: وذكر النهي عن الشرك في أول هذه الوصايا يدل على أنه أول ما ينبغي أن ينهى عنه، وهو أعظم المنهيات، الشرك بالله سبحانه وتعالى. الحادية عشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثمانية عشرة مسألة. بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، وختمها بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾. ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. وهذه الآيات، انظر: بدأها الله عز وجل بالنهي عن الشرك، واختتمها كذلك بالنهي عن الشرك، ليدل ذلك على عظم هذا الأمر. فقد يقول قائل: إذن، إذن ما اختتمها بالنهي عن الشرك دل على أن الشرك ليس هو من أعظم المنهيات. يقال: بل، أو يقال: بل النهي عن الشرك من أعظم المنهيات، لأن الله عز وجل قد ذكر النهي عن الشرك في أول الآيات، في أول الآيات. فتكرار النهي في آخر الآيات يدل على التوكيد، يدل على التوكيد. متى نقول أن الشرك إذا ذكر مؤخراً لربما يكون أهون من غيره من المنهيات؟ إذا لم يذكر في أول الآيات. طالما أنه ذكر في أول الآيات فهذا دليل على عظم هذا الأمر، إذ أن الله عز وجل أعاد النهي عن ذلك تأكيداً، وأكد كذلك كما ذكر هنا المؤلف، ونبه على عظم هذه المنهيات بقوله بعد ذكرها: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾. مع أنها قد ذكرت في القرآن، والقرآن هو الحكمة. لأن الحكمة هو ماذا؟ هو العلم من القرآن والسنة. ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. لكن لماذا هنا ذكر أن هذه الآيات مما أوحى الله عز وجل لنبيه من الحكمة؟ لينبهنا على عظم هذه المنهيات. فجاء في هذا النهي عن الشرك، والنهي عن عقوق الوالدين، وكذلك النهي عن قتل الأولاد بغير حق، والنهي عن كذلك الزنا، والنهي عن أكل مال اليتيم بغير حق، والنهي عن الخوض فيما لم نعلم به، وهكذا عن الكبر ونحوها مما جاء في هذه الآيات في سورة الإسراء. فهذه الآيات ابتدأها بالنهي عن الشرك، واختتمها بالنهي عن الشرك، ليدل ذلك على أن الشرك من أعظم المنهيات. الثانية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشر. بدأها الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فحق الحقوق حق الله تعالى. انظر: كل هذه الآيات في سورة الأنعام، وفي سورة الإسراء، وفي سورة النساء، كلها ابتدأها الله عز وجل إما بالأمر بالتوحيد أو بالنهي عن الشرك، ليدل ذلك على أن أعظم واجب أوجبه الله عز وجل على عباده، وحقه سبحانه وتعالى على العباد، توحيد الله عز وجل. وهكذا أعظم ذنب حذر الله عز وجل منه هو الشرك به سبحانه وتعالى. الثالثة عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته. وهذا قلنا: استنبطها ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإلا فليست هناك وصية مكتوبة أو وصية معهودة من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولأمته، وإنما استنبطها ابن مسعود كما تقدم معنا. ولذلك يقول ابن عثيمين: ولكنه لم يوص بها حقيقة، أي النبي صلى الله عليه وسلم، بل أشار إلى أننا إذا تمسكنا بكتاب الله فلن نضل بعده. وهذه الآيات المتقدمة كلها فيها دعوة إلى التمسك بكتاب الله، لأن الله عز وجل قال في آخر هذه الآيات: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. الرابعة عشرة: معرفة حق الله علينا. وما هو حق الله علينا؟ أن نعبده ولا نشرك به شيئاً. هذا هو حق الله على العباد، هذا هو حق الله على العباد. فينبغي للمسلم أن يوليه اهتمامه، وأن يجعله من أعظم مقاصده وأهدافه في هذه الحياة، أن يحقق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، فهو حق الله عز وجل عليه. الخامسة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. وهو حق تفضل كما تقدم معنا، وإلا فالله عز وجل لم يوجب أحد عليه شيئاً، لم يوجب أحد عليه شيئاً، وإنما هو الذي أوجب ذلك على نفسه تفضلاً وتكرماً منه سبحانه وتعالى. السادسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة، وهي ماذا؟ حق الله على العباد، وحق العباد على الله. ولذلك قال معاذ: «أفلا أبشرهم؟» ومعاذ أيضاً لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الله ورسوله أعلم»، قال: «الله ورسوله أعلم». قال ابن العثيمين عند هذه المسألة: وذلك أن معاذاً أخبر بها خروجاً من إثم الكتمان عند موته، بعد أن مات كثير من الصحابة، وكان صلى الله عليه وسلم يخشى أن يتكلوا، ولم يرد صلى الله عليه وسلم كتمها مطلقاً. يعني لما نهى معاذاً عن إخبار الصحابة بهذه الوصية أو بهذه البشارة، لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كتمان العلم أو كتمان هذه المسألة، وإنما أراد الكتمان المؤقت، الكتمان المؤقت. وإلا لو أراد كتمانها لما أخبر بها معاذاً أصلاً، لما أخبر بها معاذاً أصلاً. فإنما أخبر معاذاً لأنه يعلم أن معاذاً سيخبر بها فيما بعد. قال: لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذاً ولا غيره. السابعة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. هذه ليست على إطلاقها، يعني إذا كان هذا العلم فيه مفسدة، كما في هذا الحديث مثلاً. على سبيل المثال، على سبيل المثال: ما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تركه لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم. هو يعلم أن قريشاً قصرت به من نفقة، فلم يكملوا بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فتركوا جزءاً منها. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قادراً على فعل ذلك، لكنه ترك ذلك لماذا؟ خشية المفسدة، أنهم حديثو عهد بجاهلية، أو بإسلام، فيخشى أنهم يفتتنون بذلك بجهلهم وقرب إسلامهم ونحو ذلك. وهكذا في زماننا هذا: أنت طالب علم مثلاً، لو تكلمت مثلاً على سبيل المثال في بلد يكثر فيها التصوف، فلو تكلمت صراحة على التوحيد لربما ضربت، أو لربما منعت من الدعوة إلى الله عز وجل. فهنا يجوز لك أن تكتم شيئاً من العلم من أجل هذه المصلحة. أيهما أفضل: أن تتكلم كلمة واحدة ثم تمنع، وتشوه صورتك، وتحرم من بث العلم ونشر العلم، أو أنك تنشر العلم بالحكمة والتي هي أحسن، وتتجاوز الألفاظ والكلمات أو المسائل التي تثير حفيظة هؤلاء الجهلة؟ فالأفضل لا شك مراعاة المصالح من المفاسد، مراعاة المصالح من المفاسد. فأحياناً قد يضطر العالم إلى كتمان شيء من العلم للمصلحة، مثل ما فعل بعض السلف في عدم بيان بعض أعمال الولاة الظلمة، الولاة الظلمة، من أجل المصلحة، من أجل المصلحة في ذلك. الثامنة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. وهذه من أحسن الفوائد، يقول ابن عثيمين: هذه من أحسن الفوائد. فلو مثلاً قرأت في كتاب ما، فاطلعت على مسألة فيها بشارة للمسلمين، أو قرأت كلاماً لأحد العلماء فيه بشارة للمسلمين، فبشر إخوانك بهذا الحديث، وتلوه عليهم، واقرأه عليهم، وأخبرهم به، حتى يفرحوا، حتى يفرحوا ويسروا بذلك. وهكذا في أمور الدنيا: يعني معك بشارة لأخيك المسلم في نصر، أو فتح، أو يعني شيء يسر أخاك، فبشره بذلك، بشره بذلك. وهذا من أحسن الفوائد كما ذكر الشيخ ابن عثيمين. التاسعة عشرة: الخوف من الاتكال على السعة، رحمة الله، وكذلك القنوط. يعني صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبشرهم فيتكلوا»، فيتكلوا. فالإنسان لا يتكل على رحمة الله، ولا يغلب جانب الرجاء، وإنما يكون ويسير إلى الله عز وجل في هذه الدنيا بين جناحي الخوف والرجاء، يرجو رحمة الله ويخاف عقاب الله عز وجل. العشرون: قول المسؤول عما لا يعلم: «الله ورسوله أعلم». قال: تقال في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأمور الشرعية التي علمها صلى الله عليه وسلم. نعم، كما تقدم معنا. أما في الأمور القدرية فلا يقال: «الله ورسوله أعلم»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب. الحادية والعشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. خصوصاً إذا كان هذا المخصص، يعني الذي خصص بالعلم، ممن يحمل هذا العلم بحق، ويدعو إليه، ويعتني به. فهنا تخصص بعض الناس عن بعض، إذا كان هذا العلم مما لا يتحمله إلا عقلاء الطلاب، إلا عقلاء الطلاب. لأن بعض العلوم وبعض المسائل ربما إذا وضعت على عامة الناس، أو على عامة الطلاب، يكون لبعضهم فتنة، يكون لبعضهم فتنة. ﴿وَمَا أَنتَ بِمُحْدِثٍ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لَّا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لَهُمْ فِتْنَةً﴾. وحدث الناس بما يعلمون، أو بما يعرفون. نعم، فلا بأس من جواز تخصيص بعض الناس بعلم من العلوم، إذا كان هذا العلم من العلوم التي لا يستطيع أن يتحملها كل أحد. الثانية والعشرون: تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار مع الإرداف عليه. وهذا تقدم معنا. الثالثة والعشرون: جواز الإرداف على الدابة بشرط أن لا يشق عليها. واستدل العلماء المعاصرون بهذا أيضاً: جواز الإرداف على الدراجة النارية. يجوز الإرداف، لكن بما لا يكون فيه يعني ازدحام أو التصاق. فبعضهم ربما يردف على الدراجة أربعة أو ثلاثة، فهذا يكون فيه شيء من التضييق، وفيه شيء من الملاصقة، وفيه شيء كذلك من الاحتكاك ونحو ذلك، فيترفع المسلم عن مثل ذلك، ولا يفعل ذلك إلا إذا اضطر إليه. بل أجاز العلماء في بعض الأحاديث الذي جاء فيها إرداف النساء على الدابة، أو على الجمل، أو نحو ذلك، جواز إرداف المرأة، فلا شيء في ذلك، إلا إذا كان هذا المجتمع يعد إرداف المرأة من خوارم المروءة أو نحو ذلك، فيجتنب طالب العلم هذا. بعض المناطق عندهم عيب يعني أن المرأة تكون خلف الرجل على دراجة، وهذا كان عندنا هنا في الزمن القديم، يعني يستحى منه. كنا إذا رأينا أحداً أردف امرأة نتعجب ونضحك عليه، لكن الآن صار الأمر عادياً جداً، لكثرة الدراجات، ولحاجة الناس إلى ذلك، ووجود كذلك السهولة أو اليسر في مثل هذا الفعل، فلا بأس بذلك إن شاء الله. الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة، وهي مسألة وجوب التوحيد. الخامسة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم خصه بهذا العلم، خصه بهذا العلم، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه معه، وعلمه هذا العلم الذي لم يعلمه أحداً غيره. فهذا لشك أن فيه فضيلة لهذا الصحابي الجليل. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، إن شاء الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.