التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 71

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 71

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 71، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ارتباط الأجر والثواب بنية العمل وإخلاصه

يشرح المقطع أن قبول الأعمال وترتب الأجر عليها مرهون بحسن القصد والإخلاص لله، مستدلاً بحديث «إنما الأعمال بالنيات» وآيات قرآنية تقيّد الأجر العظيم بالابتغاء لمرضاة الله، ويضرب أمثلة بالصدقة والإصلاح بين الناس مبيناً أن العملين قد يتساويان في الصورة لكن يختلفان في الأجر باختلاف النية.

مركزية النية والقصد في الأحكام الشرعية والمعاملات

يبيّن المقطع كيف أن النية والقصد هما المعيار الفاصل في أحكام الرجعة، والأيمان، والوصايا، وأخذ مال الزوجة، والتجارة، وكفالة الأيتام؛ فالزوج أحق بالرجعة إن أراد إصلاحاً، والحلف يُؤاخذ به القاصد، والوصية تبطل بنية الإضرار وتمضي بنية الإحسان، وأخذ المال حلال برضا طيب النفس، والتجارة تصح بالتراضي، والعمل في مال اليتيم يُقبل للمصلح ويُرد للمفسد.

القصد والنية معيار التفريق بين الخطأ والعمد في الأحكام

يوضح المقطع أن الله يحاسب العباد على أساس القصد والإرادة، فيفرق بين من يرتكب محظوراً نسياناً أو خطأً فيُعفى عنه، ومن يتعمد فيُؤاخذ، مستدلاً بآيات القتل خطأً وعمداً والصيد في الإحرام، وتكون القرائن الدنيوية دليلاً على العمد عند وجودها، وإلا فالمرجع إلى النية التي يعلمها الله.

إخلاص النية في الصدقة وأثره على الأجر

يشير المقطع إلى أن صدقة قليلة مخلصة لله تفوق أجر صدقة كبيرة غير مخلصة، ويؤكد أهمية القصد والإرادة في ترتيب الأحكام على الأعمال، مستعرضاً أدلة المؤلف على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وعلى الله قصد السبيل. هذه القاعدة: أن العبد لا ينال من الأجر في فعل الطاعات إلا بقدر نيته، وبقدر إخلاصه وإرادته العمل لوجه الله. ولا كذلك يعذر إن ارتكب محرماً إن كانت نيته سيئة. فكما ذكر أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان، هذه الأعمال صحتها وفسادها يترتب على حسن القصد والإرادة. حسن القصد والإرادة، وكذلك الوزر. الإنسان مثلاً قد في الظاهر يتظاهر أنه مثلاً قتل خطأً وهو قتل متعمد. فالآن إن قبل منه هذا القول البشر، فالله عز وجل يعلم بما في قلبه، يعلم بما في قلبه، فلا مفر له من عذاب الله. إن نجا من العذاب في الدنيا فسيلاقيه في الآخرة. فالأجر والثواب وكمال الثواب هذا كله مترتب على ماذا؟ على حسن القصد والإرادة والنية. ومثل على هذا بأمثلة كثيرة. أولاً ذكر حديث: «إنما الأعمال بالنيات». ومعنى «إنما الأعمال بالنيات» فسره بتفسيرين: يعني إنما قبول الأعمال بالنيات، فمن أخلص النية قبل منه، ومن أشرك في النية لم يقبل منه، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «قال عليه الصلاة والسلام: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». هذا قول. القول الثاني: إنما الأعمال بالنيات، أي في تمييزها، في تمييزها. فمن اغتسل تبرداً لا يرفع عنه هذا الغسل الجنابة، ومن صلى بنية النافلة لا تكفي هذه الصلاة في إسقاط الفريضة. واضح. فهو أراد المعنى الأول: إنما الأعمال بالنيات، أي ترتب الأحكام والأجور فلا يكون إلا بهذه النية. الله يعلم ما في القلوب. ثم مثل على هذا، قال: فمنه ما هو أعظم، أنه رتب حصول الأجر العظيم على الأعمال بإرادة وجهه. يعني كل ما كان العبد في عمله مخلصاً لله كان له من الأجر أوفاه، كان له من الأجر أوفاه. والعبد يجد من الأجر بقدر إرادته ونيته وإخلاصه. ومثل على ذلك بالصدقة، قال: لما ذكر الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فقيد هنا هذا الأجر بالإخلاص، يعني إرادة العمل وجه الله، فسوف نوتيه أجراً عظيماً. لكن من مثلاً يصلح بين الناس لكن رياءً وسمعة، هل يجد الأجر العظيم؟ لا، لأن الله عز وجل قيد الأجر العظيم بالإخلاص: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. إنسان تصدق لكن ما أراد بهذه الصدقة وجه الله، هل ينال هذا الأجر العظيم؟ لا. ولذلك رب متصدقين يتصدقا بنفس المال ويختلفان في الأجر، ذاك يجد من الأجر أضعاف أضعاف ما يجده الآخر. ما الذي فرق بينهما؟ ما الذي فرق بينهما؟ النية، القصد، الإخلاص. هذا هو قصد المؤلف رحمه الله. ثم مثل بمثال آخر: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، وفي مقابله قال: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾، الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس. الأول ليس كالثاني. هذا تصدق لوجه الله بمليون، وذلك تصدق رياء الناس بمليون. هل هما سواء في الأجر؟ لا، ليسا سواء في الأجر. ذاك يجد من الأجر ما لم يجده الآخر. نعم، واضح. ذاك يجد من الأجر ما لا يجده الآخر. ما الذي فرق بينهما؟ النية والإخلاص والقصد. وقال: ووصف الله نبيه وخيار خلقه من الصحابة رضي الله عنهم بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. وبهذا رفع الصحابة بماذا؟ رفع الصحابة بإخلاص العمل لله، لأنه قال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. وقال تعالى في الرجعة، والرجعة بمعنى المرأة التي طلقت ولم تنته عدتها، فلزوجها أن يراجعها إذا كانت الطلقة الأولى أو الثانية، لم يكن الطلاق بائناً. فهنا قال الله عز وجل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. البُعُولَتُهُنَّ يعني أزواجهن. الزوج أحق بهذه الزوجة من غيره طالما أنها في العدة. طيب، طالما أنها في العدة... لا، مع الصحة... مع الصحة... مع إيش؟ مع الصحة. الجوز... ثلاثة... ثلاثة... بعد الثالثة خلاص... ثلاثة... أيوة... مع الجوز محلل... محلل... كيف محلل؟ أقول: فم محلل؟ لا. لما أنت تزوج زوجة آخر واجلس معها وزوجها إلا إذا طلقها، بعد أن ترجع للأول أخذت... حتى تحل له. نعم، نعم، تمام. فقلنا: بارك الله فيكم. قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. الشاهد: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، يعني إن كان قصدهم الإصلاح ليس الإفساد. فهنا الزوج أحق بهذه المرأة. أما إذا لم يرد الإصلاح، سيردها ويسومها سوء العذاب ويكرر معها نفس القسوة والغلظة والمعاملة السيئة، فهذا غيره أحق بها، غيره أحق بها. فهذا معنى قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، أي القصد والإرادة الحسنة. وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي في الحلف على حسب القصد. جاء إنسان قال: أنا حلفت أنني ما أدخل بيت فلان. قل له: إذا عقدت النية وقصدت هذا الفعل فيلزمك الكفارة إن دخلت البيت. طيب، لكن إذا كان هذا الحلف في طرف لسانك، كل يوم أنت: والله أنا ما أفعلك، والله... يعني اتخذت الأيمان يعني عرضة لك دائماً تتعرض له، فهذا لا شيء عليك لأنك ما قصدت عقد اليمين. فهذا كله راجع إلى ماذا؟ إلى ما في القلب من القصد والإرادة. واضح، ما في القلب من القصد والإرادة. وكذلك ذكر من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار. بمعنى أن الموصي على حسب نيته. إنسان إذا أوشك على الموت أوصى بنية حرمان الورثة، الله أعلم بهذه النية. فإذا قالوا العلماء: إذا علمت هذه النية بالقرائن فإنها تبطل هذه الوصية. واضح. لكن إن كانت في نيته عدم الإضرار وإنما أراد الأجر وأراد أن يقدم له شيئاً من العمل الصالح، فهذا تمضى هذه الوصية. إذا ما الذي فرق بين المسألتين؟ القصد والإرادة، القصد والإرادة. ومنه قوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. زوج زوجته عندها مال، فيأخذ من مالها، فيقال له: اتق الله، ما يجوز لك أن تأخذ من مال هذه الزوجة. فيقول: هي راضية وهي طيبة نفسها بأخذ هذا المال. فنقول: إذا كان في إرادتها ونيتها ذلك فنعم، وإن لم يكن كذلك فلا يجوز لك أن تأخذ هذا المال. إذن إيش الذي فرق بين المسألتين؟ الإرادة والقصد. فهمتم هذا الآن. ومثل أيضاً: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. إنسان أخذ مال آخر، لماذا أخذت ماله؟ قال: هذا أنا يعني بيني وبينه بيعة. فهنا على حسب القصد: إذا كان حقاً وفعلا أخذ هذا المال بالبيع والشراء فهذا يجوز، أما إن أخذه بالحيلة وبطرق غير مشروعة فالله يعلم بهذه النية، فالعبرة بالنية والإرادة والقصد. نعم. وأيضاً مثل بقول: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُونَ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. فالمفسد يرد عمله والمصلح يقبل عمله. هذا في كفالة الأيتام والقيام بهم والإحسان إليهم. فالذي يتولى أمرهم هو المصلح، أما المفسد فلا. وكيف نعرف المفسد من المصلح؟ بالنية والقصد، بالنية والقصد. وفي دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فالله عز وجل يعلم هل فلان ارتكب هذا المحرم نسياناً وخطأً من غير قصد، أو أنه فعله متعمداً وقاصداً. فالله يعلم بذلك، فالله يعلم بذلك. فالعبرة بالقصد والإرادة. إن فعل ذلك خطأً ونسياناً فهذا يعفى عنه، وإن عمل ذلك قصداً وعمداً فهذا يؤاخذ عليه، فهذا يؤاخذ عليه. فما الذي فرق بين الأمرين؟ القصد والإرادة. قال الله: ﴿قَدْ فَعَلْتُ﴾، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. فكيف نعرف الخطأ من العمد؟ كيف نفرق بين الخطأ والعمد؟ بالقصد والنية. فإذا قتل شخص شخصاً آخر، فيقال له: هل قتلت قصداً وعمداً أو خطأً؟ فإذا قال خطأً وهو أراد العمد، ما يعفي هذا من العقوبة الدنيوية. فإن سلم منها في الدنيا لم يسلم منها في الآخرة، لأن الله يؤاخذ على الإرادة والقصد. وإذا وجدت هنا قرائن في الدنيا يؤخذ بالقرائن. إنسان يعني تشاتم مع آخر، تخاصم مع آخر، ذهب وأتى بالسلاح وقتله، هذا واضح أنه قتل ماذا؟ خطأ؟ رحت أنت إلى البيت وأتيت بالسلاح وضربت هذا، إيش معنى؟ معنى يعني خطأ أو عمد؟ هذا عمد. لكن إنسان يسوق سيارة، طلع عليه فجأة واحد وصدمه بالسيارة ومات، أو إنسان يعني يتدرب على يعني شيء، يضرب على شيء يتعلم، فجأة ظهر واحد والرصاصة وقعت عليه ومات، هذا خطأ أو عمد؟ هذا خطأ. هذه قرائن. لكن إذا لم يوجد قرينة، ما أحد بين هذا وذاك رأى ولا شيء، فهنا يكون بالقصد. قال الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ولذلك قال هنا وذكر الله قتل الخطأ ورتب عليه الدية والكفارة. هذا من يقتل خطأ. ومن يقتل متعمداً ماذا قال؟ على حسب النية والإرادة. قال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وأعد له عذاباً عظيماً. فإذا انفرق الله عز وجل بين حكم قتل الخطأ وحكم قتل العمد في الأحكام الدنيوية والأخروية، الدنيوية والأخروية. الدنيوية: موت الخطأ ما فيه القصاص، فيه الدية والكفارة. وموت العمد فيه القصاص، النفس بالنفس. وفي الآخرة: موت الخطأ ما فيه أن صاحبه جزاؤه جهنم خالداً فيها، واضح. لكن الخطأ العمد فيه هذا الحكم. كل ذلك بالنية والقصد. وقال في الصيد: ﴿وَمَن يَقْتُلْهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. إنسان أجد معه صيد وهو محرم، فقال: لا، أنا ما قتلته متعمداً، إنما كنت أمشي فوجدته ميتاً مثلاً. فالله عز وجل يعلم بقوله هذا. إن هو قتله فعليه هذا الحكم في الدنيا، إن هو اعترف فجزاؤه... فجزاؤه مثل ما قتل من النعم، يفدي بما يشبه هذا الصيد الذي قتله. طيب، فكيف نعرف أنه تعمد في قتله أو لم يتعمد؟ بالقصد والنية، بالقصد والنية. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾. وختم بهذه الآية لأن كل الأمثلة المتقدمة، وإن أخفى العبد شيئاً من عدم القصد والنية، فإن الله عز وجل يعلم ما في قلبه، يعلم ما في قلبه. فيعلم هل فعل هذا خطأ أو عمداً، هل فعل هذا مخلصاً أو مرائياً، هل عمل هذا لله أو لغير الله. كل ذلك يعلمه الله سبحانه وتعالى. قال: إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان صحتها وفسادها وترتب أجرها أو وزرها بحسب ما قام بالقلب. وهذا كله يدعون إلى الإخلاص لله عز وجل. ولذلك قال أحد السلف: رب عمل قليل تعظمه النية، ورب عمل كثير تصغره النية. فلو تصدق الإنسان بشق تمرة لكنه خالصاً مخلصاً لله، فإنه يجد من الأجر العظيم الذي ربما يفوق على أجر من تصدق بنخلة كاملة لكنه غير مخلص لله سبحانه وتعالى في صدقته. فالقصد والإرادة في ترتب الأحكام على أعمال العباد فيها أدلة كثيرة، وقد ذكر المؤلف كثيراً من هذه الأدلة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.