التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 69

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 69

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 69، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة وقواعد ترجيح المصالح والمفاسد الثلاث

يستهل الدرس بذكر ثلاث قواعد أصولية قرآنية حاكمة لتعامل مع تزاحم المصالح والمفاسد: تقديم أعلى المصلحتين، وارتكاب أهون المفسدتين، ومنع الفعل إذا غلبت مفسدته على مصلحته، مع الإشارة إلى أمثلة تطبيقية إجمالية لكل قاعدة.

تفصيل قاعدة تقديم أعلى المصلحتين وأهون المفسدتين بالأدلة

يفصل المقطع في القاعدتين الأوليين مستدلاً بالقرآن والسيرة؛ فيضرب أمثلة لتقديم أعلى المصلحتين كتقديم الإنفاق والجهاد على عمارة المسجد الحرام، ولتقديم أهون المفسدتين كقتال الأشهر الحرم لدفع الصد عن سبيل الله، مستشهداً بصلح الحديبية نموذجاً تطبيقياً.

تفصيل قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وتطبيقاتها المعاصرة

يشرح المقطع القاعدة الثالثة القاضية بتقديم درء المفسدة على جلب المصلحة عند التعارض، مستعرضاً أدلة شرعية كترك قتال مكة وكف الأيدي في المرحلة المكية وصلح الحديبية، ثم يطبقها على واقع معاصر كتحريم سب آلهة المشركين والخمر والميسر والقمار لرجحان مفاسدها.

التفريغ النصي الكامل

نعم، نعم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فمعنا هنا ثلاث قواعد، في الحقيقة هذه ثلاث قواعد. القاعدة الأولى: إذا تعارضت مصلحتان، فالقرآن جاء في الحث على أعلى المصلحتين، يعني تعمل بأعلى المصلحتين. فمثلا، على سبيل المثال: الآن معك وقت ساعة، زمان، ما تدري هل تقرأ فيها القرآن أو تدعو فيها؟ طيب، فهنا تستطيع أن تعرف أعلى المصلحتين فتفعله. فمثلا، على سبيل المثال: إذا كنت في وقت في آخر ساعة من الجمعة، أيهما أفضل؟ وأي المصلحتين أرجح: أن تدعو أو أن تقرأ القرآن؟ أن تدعو؛ لأن الآن الوقت هذا وقت إجابة. صح. طيب، أنت الآن في الثلث الأخير من الليل، أو في وقت الأسحار، معك عشر دقائق أو ربع ساعة، ما تدري هل تستغفر في هذا الوقت أو تقرأ القرآن؟ فأيهما أفضل: تقرأ القرآن أو تستغفر؟ الاستغفار؛ لأن هذا الوقت وقت أثنى الله عز وجل فيه على المستغفرين فيه، وهذا الوقت ينزل الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفرين فأغفر له؟ فهنا الاستغفار أفضل، الاستغفار أفضل. فأمت هذا، الآن أنت الآن مثلا في يوم الجمعة، أو مثلا في يعني أي يوم، يوم السبت مثلا، وفي وقت مثلا عندك مثلا رمضان، وقت رمضان. طيب، وأنت الآن في نهار رمضان، أيهم الأفضل: تدعو أو تقرأ القرآن؟ تقرأ القرآن؛ لأن رمضان شهر القرآن. إذن المصالح هذه كما ذكر هنا تكون في الأعمال المفاضلة في الأعمال، أيهم تفضل؟ هذه القاعدة الأولى. القاعدة الأولى تتعلق بتزاحم العملين الصالحين، هما عملان صالحان، لكن لا تستطيع أن تجمع بينهما، لابد أن تقدم أحدهما على الآخر، فهنا تقدم ماذا؟ أعلى المصلحتين. تقدم أعلى المصلحتين. واضح هذا الآن. ومثله أيضا في العبادات الأخرى: أنت الآن مثلا مخير بين أن تصلي صلاة النافلة أو أن تحضر درسا علميا، أيهم الأفضل؟ حضور الدرس العلمي؛ لأن العلم أفضل من نوافل العبادات. فهمتم هذا؟ كله تفاضل في ماذا؟ في الأعمال الصالحة. إذا تعارض أو ازدحم فلابد أن تقدم أحدهما، فتقدم أعلى المصلحتين، تقدم أعلى المصلحتين. هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: تقديم أهون المفسدتين. هذه قاعدة لوحدها، وهذه المسألة هي في تزاحم المفاسد. أنت لابد أن ترتكب إحدى المفسدتين، لابد أن ترتكب إحدى المفسدتين، فلابد أن ترتكب أهون المفسدتين، ترتكب أهون المفسدتين. على سبيل المثال، مثلا على سبيل المثال: أنت الآن تريد أن تدعو إلى الله، تريد أن تدعو إلى الله عز وجل في قوم عندهم شرك، في قوم عندهم شرك. فأنت بين أمرين، وكلاهما مفسدة: إما أن تسكت عن الشرك وتأتيهم بأي موضوع آخر، وإما أن تتكلم عن الشرك وربما تمنع من هذا المسجد مرة أخرى. أيهما تقدم؟ كلاهما مفاسد. سكوتك عن الشرك مفسدة، وكلامك في الشرك مفسدة. أيهما تقدم؟ السكوت؛ لأن كونك تتكلم مرة واحدة وهم أصلاً غير قابلين، ربما ما يكون فيه ذاك النفع وذاك الأثر، لكن لو تكلمت في موضوع آخر ثم مع الوقت تدرجت معهم بحكمة وأسلوب لعلك تصل إلى المقصود. إذن إذا تزاحمت مفسدتان تقدم ماذا؟ أهونهما. تقدم أهونهما. أنت الآن في طلب العلم، طيب. أنت بين أمرين: إما أنت تقبل على العلم وتكون عالة على غيرك، وإما أن تعمل ويعني ربما يعني تحرم بعض الدروس. الآن كلها مفاسد، تمام. فأيهم أهون: أنك تطلب العلم وتكون عالة على غيرك، أو أنك تعمل عملاً يسيراً تعف به نفسك وتستمر في طلب العلم؟ أيهما؟ الثاني، الثاني أهون؛ لأن الأول قد يدعوك إلى ترك طلب العلم لما ترى الذل ولما ترى الجوع والتعب، وآه، ربما هذا يجعلك تترك طلب العلم. لكن الثاني نقص في طلب العلم لكنه استمرار، وقليل دائم خير من مستمر، خير من كثير منقطع. وقس على هذا. وهذه القاعدة أيضا جاء في القرآن أمثلة كثيرة عليها، وسيدكر المؤلف بعض تلك الأمثلة. هذه القاعدة الثالثة... القاعدة الرابعة: منع ما كانت مفسدته أرجح من مصلحته. يعني تريد أن تعمل عملاً فيه مصالح وفيه مفاسد، يعني مختلط فيه تحقيق مصالح وفيه الوقوع في مفاسد. طيب، فهنا القاعدة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وهذا معنى قوله: منع ما كانت مفسدته أرجح من مصلحته. على سبيل المثال، على سبيل المثال: مثلا الجوال هذا فيه مصالح وفيه مفاسد، صح؟ فأنت تنظر إلى حالك، إذا رأيت أن مفاسد هذا الجوال أكثر من مصالحه فالأولى أن تترك هذا الجوال، تدفع المفسدة التي ستقع فيها. أما إذا رأيت أن المصالح أكثر من المفاسد فأنت تعمل بالمصالح. وهذا ما جاء في القرآن في الخمر وفي الميسر: فيه منافع لكن مفسدته أعظم من ماذا؟ من مصلحته. فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فأنتم هذا الآن، فهذه في الحقيقة ثلاث قواعد وهي من القواعد الفقهية الأصولية التي دل عليها القرآن، وسيمثل المؤلف على بعضها، كما في القاعدة الأولى في الحث على أعلى المصلحتين، فذكر من أمثلة ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ﴾. نعم، يعني معنى هذا: أن من أنفق قبل الفتح، من أنفق قبل الفتح يعني قبل فتح مكة، هذا عمل صالح. طيب، فمصلحة هذا الإنفاق أعظم من مصلحة من أنفق من بعد الفتح. لماذا؟ لأن من أنفق قبل الفتح كان المسلمون في أمس الحاجة إلى نفقته لوجود الكفار واحتياج المسلمين إلى جهادهم وإلى إعداد العدة في الجهاد في سبيل الله، بخلاف الإنفاق بعد الفتح، فإن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجاً، وقد كثر عدد المسلمين وعدد المنفقين، وحاجة المسلمين يعني ليست بعد الفتح كحاجتهم قبل الفتح. واضح هذا الآن. فهنا الله سبحانه وتعالى جعل الأجر العظيم لمن أنفق قبل الفتح، واضح؛ لأن هذا فيه أعلى المصلحتين، لأن هذا فيه ماذا؟ أعلى المصلحتين. واضح. مثال آخر: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. سقاية الحاج يعني توفير المال والإتيان بالمال، هذه عبادة مصلحة، وأيضا عمارة المسجد الحرام بالصلاة فيه والمكوث فيه والعبادة فيه، هذا عبادة جليلة. لكن هذه العبادات ليست في الأجر والفضل والنفع كعبادة الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله. فهمتم هذا الآن؟ فمن تعارض أمره بين أن يتعبد لله في الحرم وبين أن يذهب ويجاهد في سبيل الله، أيهما أفضل؟ الجهاد في سبيل الله؛ لأن فيه ماذا؟ فيه النصر على الأعداء، وفيه قوة للإسلام والمسلمين، وفيه عبادة متعدية. أما العبادة عمارة المسجد الحرام فهو عبادة ماذا؟ مقصورة، عبادة مقصورة على العابد فقط، ما تتعدى غيره. لكن الجهاد في سبيل الله فيه نصر للإسلام والمسلمين، وفيه عز للإسلام والمسلمين، وفيه كذلك نفع للمسلمين عامة. واضح هذا الآن. فإذن هنا تقدم أعلى المصلحتين. هذا حتى الآن في العمرة مثلا، بعض المشايخ ربما ما يذهب إلى العمرة، يقول: لأن في رمضان يعني يكون أمر الدعوة يعني أمر خصب، الناس متهيؤون للدعوة، ويرى أن دعوته الناس ويعني يلقى الدروس والمحاضرات أفضل من الذهاب إلى العمرة؛ لأن الذهاب إلى العمرة شيء يتعلق بنفسه خاصة، أما الدعوة إلى الله فأمرها متعدٍ، فيقدم مصلحة الدعوة إلى الله عز وجل على مصلحة الذهاب للعمرة؛ لأن الذهاب للعمرة إنما هي عبادة لنفسه، أما الدعوة إلى الله عز وجل فهو نفع لغيره. هذا اجتهاد من بعض أهل العلم، خصوصا من وجوده فيه نفع عظيم للإسلام والمسلمين. نعم، ومثل، نعم، ومثل أيضا بمثال ثالث: ﴿ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. لا يستوي القاعدون من المؤمنين، يعني القاعد الذي في البلد يعبد الله وربما يعلم، وربما، لكن هذا ما يستوي مع المجاهد في سبيل الله. فالجهاد في سبيل الله كما تقدم معنا فيه فضل عظيم، وفيه أجر كبير، وفيه ماذا؟ أجر كبير. نعم، فضلاً ومن الثاني. قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾. بين تعالى أن ما نقمه الكفار على المسلمين من قتال في الشهر الحرام، أنه إن كان مفسدة، ما أنتم عليه من الصد عن سبيل الله والكفر بالله، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أكبر عند الله من القتل. وقوله: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ ﴾، فكفهم الله عن قتال في المسجد الحرام مع وجود المحتسبين من الكفار، خوف المفسدة المترتبة على ذلك من إصابة المؤمنين والمؤمنات من معرض الجيش ومضارباته. وكذلك جميع ما جرى في الحديبية من هذا الباب، من التزام تلك الشروط التي ظاهرها الضرر على المسلمين، ولكن صارت عين المصلحة لهم. ومن هذا أمره بكف الأيدي قبل أن يهاجر الرسول إلى المدينة، لأن الأمر بالقتال في ذلك الوقت كان ضرراً أعظم من الصبر والإخلاد إلى السكينة. ولعل من هذا المضمار قوله: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾، يعني فإن ضر فترك التذكير الموجب للقرى الكثير هو المتعين. والآيات في هذا النوع كثيرة جداً. نعم، هذه أمثلة لتقديم أهون المفسدتين، كلاهما مفاسد، ولكن يقدم أو تقدم أهون المفسدتين. مثل هنا، الحمد لله. إذن الله صلى الله عليه وسلم مثل هنا بعدة أمثلة، منها قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾. هذه الآية ينكر الله عز وجل فيها على الكفار الذين يقاتلون، أو إنكار من الكفار على المسلمين الذين يقاتلون في الأشهر الحرم، في الأشهر الحرم. طيب، فأيهما طبعا القتال في الأشهر الحرم مفسدة لأنها أشهر معظمة. طيب، لكن أيهما أعظم مفسدة: القتال في الأشهر الحرم، أو الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام وإخراج أهل الحرم من بلدهم؟ أيهما أعظم؟ الثاني، الثاني أعظم. طيب، ففيه تقديم أهون المفسدتين، وهو ماذا؟ القتال في الأشهر الحرم، القتال في الأشهر الحرم. هذا معنى قوله: بين تعالى أن ما نقمه الكفار على المسلمين من قتال في الشهر الحرام، يعني المشركون قالوا: كيف أنتم تقاتلون في الشهر الحرام؟ ها، وهذه أشهر معظمة، ثم تعظمونها؟ لا يعظمها المسلمون. لكن قدموا أهون المفسدتين، أيهما أعظم مفسدة: القتال في الأشهر الحرم، أو ما تفعلونه أنتم من الصد عن سبيل الله، ومن كذلك إخراج أهل الحرم من بلدهم، وكذلك الصد عن المسجد الحرام؟ أيهما أعظم؟ لا شك الثاني أعظم، فقدم المسلمون أهون ماذا؟ أهون المفسدتين، وهو القتال في ماذا؟ في الأشهر الحرم. فهمتم هذا الآن؟ هذا مثال. مثال آخر: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ ﴾. هذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يضربوا الكفار في مكة، لماذا؟ مع أن الآن المفسدة موجودة وهي مفسدة الكفر والصد عن سبيل الله ونحو ذلك، هذه موجودة في الحرم وفي مكة. لكن لو ضرب المسلمون مكة، يوجد من المؤمنين في مكة ممن ضعف عن الهجرة أو لم يستطع الهجرة، في مؤمنون يكتمون إيمانهم في مكة، فلو ضرب المسلمون مكة لقتل هؤلاء المؤمنون، وهذه مفسدة، وهذه ماذا؟ مفسدة. فالله عز وجل اختار للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أهون المفسدتين، وهو ماذا؟ عدم ضرب أهل مكة حتى لا يقتل المؤمنون، حتى لا يقتل ماذا؟ المؤمنون. هذا معنى الآية، هذا معنى هذه الآية. فإذا فيه تقديم أهون المفسدتين، تقديم أهون المفسدتين. وذكر أيضا من أمثلة ذلك ما جرى في صلح الحديبية. صلح الحديبية، الشروط ظاهرها ماذا؟ ظاهرها فيه الغضاضة على المسلمين، يعني من يأتي من الكفار... من يأتي من المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرد إلى الكفار، ومن يأتي من يعني المؤمنين إلى الكفار لا يرد، هذا ماذا فيه؟ فيه يعني ظاهره فيه شيء من المفسدة. شطب من الشروط الحديبية أن "محمد رسول الله"، قالوا: اكتب هذا "معاهد عليه محمد"، هذا أيضا فيه مفسدة، صح؟ لكن النبي صلى الله عليه وسلم تنازل عن كل هذه المفاسد، لأن في عقد هذا الصلح مصالح عظيمة، مصالح عظيمة، فهو دفع أهون المفسدتين لتحقيق... دفع أعلى المفسدتين لتحقيق أدناها، واضح. فهذا أيضا من هذه الأمثلة. ومن ذلك أيضا ذكر أمره بكف الأيدي قبل أن يهاجر رسول المدينة، يعني الله عز وجل نهى نبيه وهو في المرحلة المكية عن جهاد الكفار بالسيف والسنان، وهذا مفسدة، عدم قتال الكفار مفسدة، لكن قتاله مفسدة أعظم؛ لأن المسلمين في ضعف، لأن المسلمين في ضعف لا يزالوا في مرحلة الضعف. واضح هذا الآن. فمن دفع أهون المفسدتين ألا يقاتل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه القاعدة يعني يعمل بها كثيرا في الأحداث الجارية في الأمة الإسلامية، حتى ما قامت به الآن حماس في فلسطين، كثير من أهل العلم ينتقدون هذا، قالوا: ليس الآن الوقت، وقته لأن أنت تقتل ألف من اليهود يبيدون مدينة كاملة، قوتهم أعظم وقدرتهم أكثر، والمسلمون في ضعف وفي ذل، ما يستطيعون المواجهة، ما يستطيعون الاتحاد والاتفاق لوجود الضعف في الأمة الإسلامية، لم تنضج بعض بعد هذه الأمة، فبعض أهل العلم يرى أن هذا من الخطأ، من الاستعجال. لكن قد وقع، ندعو لهم ونسأل الله عز وجل أن يعني ينصرهم، وأن يعني يدفع عنهم، وأن كذلك يحفظهم. فهذا أيضا من هذا الباب، فهذا من هذا الباب. ومن ذلك أيضا قول الله سبحانه وتعالى، لم يذكره هنا: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾. يعني سبوا الكفار هذا مصلحة، والسكوت عنهم مفسدة. طيب، ووقوعهم في الكفر والسب مفسدة، فأهون المفسدتين ماذا؟ أن يسكت عنهم وأن لا يسبوا؛ لأنه لو سبوا، لو سب المؤمنون الكافرين لزاد شرهم وسبهم، فهذه مفسدة أعظم. وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة. فهمتم هذا الآن؟ نعم. اقرأ من الثالث: قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾. هذا كالتعليل العقلي: أن كلما كانت مضرته وإثمه أكبر من نفعه، فإن الله من حكمته لابد أن يمنع منه عباده ويحرمه عليهم. وهذا الأصل المعقول كما أنه ثابت شرعاً، فإنه هو المعقول بين الناس المفتونين على استحسانه والعمل به في الأمور الدنيوية والدينية، والله أعلم. نعم، هذا أمثلة للقاعدة الثالثة، في هذه القاعدة: ما كانت ومنع ما كانت مفسدته أرجح من مصلحته. شيء فيه مصالح وفيه مفاسد، طيب، فإذا كانت المفاسد أكثر من المصالح فتدرأ المفاسد، تدرأ ماذا؟ المفاسد. وهذا المثال واضح في تحريم الخمر والميسر. الخمر قد يقول قال فيه فائدة كما ذكر الله عز وجل، فمثلا من فوائده مثلا المتعة، الإنسان يتمتع بشربه، يرى لذة، يرى نشوة، ولا لماذا هم يفعلون هذا؟ هذا من المنافع. مثلا، طيب، من المنافع مثلا يقولون مثلا قتل بعض الأمراض أو نحو ذلك، يعني يذكرون أشياء، لكن هذه لا تسوى شيئاً مع كثرة مفاسده. فإن إذا تخمر العقل صار الشارب مثل المجنون، ربما يقتل، ربما يعني ماذا، ينخلع من ثيابه، صح، ربما يترك الصلاة. ولذلك في أول الأمر نهى الله عز وجل المؤمنين أن يأتوا إلى الصلاة وهم سكارى، لماذا؟ لأن السكرى ما يعون ما يقولون، ما يعون ما يقولون. فإذا مفاسد الخمر أكبر من منافعه، ولذلك حرمه الله. وهذه قاعدة لو جينا مثلا الآن عند القات، كثير ناس جادلون، تعرفون القات، استخدموا أهل اليمن، هذا هذا بعضهم يجادل يقول: هذا ما هو حرام، هذا ما هو مسكر. طيب، قلنا: هب أنه ما هو مسكر، انظر إلى المصالح والمفاسد. الآن من مفاسد القات يعني غلاء سعره، يعني الواحد في اليوم يشتري بخمسة آلاف يمني، بستة آلاف يمني، ويترك أهله في جوع، ما يأتي لهم بالأكل الضروري فضلاً عن الأكل الزائد، هذا من المفاسد. من المفاسد إضاعة الوقت، لأن القات يحتاج الإنسان يتكلم ويكون عند جماعة، وما يكون الوحدة هكذا، لا، أبدا يكون مع جماعة يتكلم وهكذا، هذا مفسد، إضاعة الوقت، إضاعة المال، إضاعة الأسر. وليس بصحيح أنه ليس مسكر، بل هو مسكر، ولذلك لو امتنع عنه المدمن لا رأى نفسه غير طبيعي، لا بد أن يتعاطى، لا بد أن يتعاطى. فهذه مفاسد واضحة، وقس على ذلك. وما ذكره هنا من أن يعني هذا حتى في أمور الدنيا أيضاً، ومما يعني وبين الناس مفطورين عليه، هذا كلام صحيح. حتى في الحلال: إنسان مريض بمرض السكر إذا يضره السكر، هل من المصلحة أنه يستمر في أكل السكر؟ لا، يمتنع، يمتنع، فيقدم يدرأ المفسدة، وإن كان في السكر مصلحة تلذذ بالطعام وكذا، لكن يضره. وقس على هذا. فإذا تعارض مفاسد مع مصالح، فتدرأ المفاسد إذا كانت أكثر من المصالح. هذه قاعدة جليلة، ومثل لها بالخمر والميسر، وبغيرها من الأمثلة الأخرى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا.