التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 73

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 73

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 73، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

جبر الخواطر: البر بالوالدين وحقوق القربى وابن السبيل وتثبيت الأنبياء

استعرض المقطع مفهوم جبر الخواطر عملياً عبر الإحسان للوالدين بخفض الجناح، وإعطاء ذوي القربى والمساكين وابن السبيل حقوقهم، وكيف جبر الله قلوب أنبيائه عند الشدائد باستجابة دعائهم، داعياً لمواساة الإخوان عند المحن.

جبر الخاطر في السيرة النبوية وقاعدة الشورى أصل السياسة الشرعية

أشار المقطع إلى مواقف نبوية في جبر الخاطر كاحتضان جذع النخلة وبشارة فاطمة، ثم انتقل لإقرار القاعدة الثالثة والثلاثين بأن الشورى هي أصل السياسة الأعظم مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وآيات طاعة أولي الأمر لجلب المصالح ودرء المفاسد.

دلالة الشورى الشرعية وعموميتها في تحقيق المصالح ودفع المفاسد

بين المقطع دلالة الآيتين ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ و﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ على وجوب الشورى في كل أمور الأمة بعموم «ال» والإضافة، وأن اجتماع العقول يقي الزلل ويحقق الصواب في المصالح الدينية والدنيوية مع ضرورة الموازنة وتوفر القدرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فلا يزال المصنف يذكر أمثلة على جبر خواطر، أو جبر خاطر المنكسر قلبه، ومن تشوفت نفسه لأمر من الأمور. فأيُّ الشاهد من هذه الآية؟ الشاهد من هذه الآية أن الوالدين عند الكبر أحوج ما يحتاجان إلى جبر خواطرهما؛ لأن تضعف عندهما القوى، تضعف عندهما قوى الفهم، فإذا ما فهما خُذ بخاطرهما، ولا تعيرهما، ولا كذلك تنهرهما أو تتضايق منهما. وهكذا يضعف التفكير مثلاً والرأي منهما، فإذا أتيا برأي ليس بصواب فلا تسفه آراءهما، ولا كذلك تستهزأ بكلامهما وتضحك منهما. فهم في أمس الحاجة إلى جبر خاطرهما والأخذ بأيديهما، وكذلك بحاجة إلى خفض الجناح، التواضع، لا تتكبر عليهما وتظن أنهم قد كبروا وأسِنوا وخَرِفوا ونحو ذلك. وأيضاً في قوله: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ [الإسراء: 26]، فهذا أيضاً الطائفة والفئة في المجتمع بأمس الحاجة إلى جبر الخاطر؛ لأن المسكين لعله تتشوف نفسه إلى شيء من الطعام، أو إلى شيء من المال، أو إلى شيء من سد الحاجة. فتعطيه حقه، سواء كان الحق واجباً أو الحق مستحباً؛ يعني ليس المسكين يعطى الزكاة الواجبة فقط، لا، قد يكون فيه فيعطى كذلك من الصدقات المستحبة، وذلك لجبر خاطره. كذلك ابن السبيل، ابن السبيل يعني الغريب الذي انقطعت به السبل، مثلاً طريق، أو احتاج إلى من يأخذ بيده ومن يستضيفه. اتفق العلماء على أن ابن السبيل إذا انقطعت به النفقة في طريقه وأتى إلى بلد، فيكون إعطاءه نفقته فرض كفاية على أهل القرية، إذا لم يقم به البعض أثموا جميعاً، أثموا جميعاً. لماذا؟ وإن كان هذا عابر السبيل في بلده غنياً، ولو كان غنياً في بلده، لكن هو الآن ما استطاع أن يأخذ من ماله وانقطعت به النفقة، فمن باب جبر خاطره أوجب الشرع على أهل القرية أن يعطوه ما يكفيه، أن يعطوه ما يكفيه جبراً لخاطره. فلو لم يعطَ كيف سيكون حاله؟ إذا قال: يا ناس، انقطعت بي السبل، ما عندي ما أسافر به، أو ما عندي ما أتقوت به، نتركه هكذا؟ إذا تركنا هكذا أثمنا جميعاً، لابد أن نجبر خاطره وأن نكرمه بما يحتاج، وربما أيضاً وزيادة حتى يجبر خاطره. وهذا معنى قول المصنف في أول القاعدة: «إيجاباً أو استحباباً»، فقد يكون إعطاء ابن السبيل إيجاباً إذا انقطعت به النفقة، وقد يكون استحباباً إذا أعطي أكثر مما يحتاج في سفره، أكثر مما يحتاج في سفره. هذا كله من باب جبر الخاطر. ثم ذكر أيضاً، ولعل ما ذكره أخيراً: «من تشوف النفس لأمر من الأمور»، تشوف النفس، أيش قلنا معنى تشوف النفس؟ نعم، تتشوق النفس وتطمع النفس إلى هذا الشيء. فكذلك مما يذكر في هذا: جبر الله عز وجل لقلوب الأنبياء والأصفياء أوقات الشدائد، الشدائد يعني الشدائد. طيب، لو نظرت مثلاً في قصة نبي الله نوح، مرت به ابتلاءات عظيمة، شدة بعد شدة، يدعو قومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وهم يردون دعوته، وما آمن معه إلا قليل، ويصنع السفينة بعد أمر الله عز وجل، وهم يسخرون منه، وهم يسخرون منه. ومع هذا فدعا ربه: ﴿ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾ [القمر: 10]، نصره الله وفرج عنه هذه الشدة. وكذلك قل في نبي الله أيوب، كم ابتلي من مرض ثماني عشرة سنة، طيب، ثم دعا الله ففرج الله عنه. هذا أيضاً من باب جبر الخواطر، ومن باب التشوف إلى الفرج بعد الشدة، إلى الفرج بعد الشدة. كذلك إجابته لأدعية أنبيائه: زكريا كان يعني لا نسل له، فدعا الله أن يرزقه الذرية، فرزقه الله بيحيى. طيب، كذلك موسى دعا ربه فاستجاب الله له، وهكذا يوسف: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف: 33]، فاستجاب له ربه، فصرف عنه كيدهن، ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 34]. ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ [يوسف: 35]، هذا بدعاء يوسف. طيب، دعا ربه فاستجاب الله عز وجل. أيضاً دعا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذين قال لهم الناس: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. كذلك في غزوة أحد، دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه. نعم، في غزوة بدر كان يدعو حتى سقط الرداء من على كتفيه، وقد بالغ في الدعاء ورفع يديه عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل استجاب لدعوة أنبيائه، وهكذا أصفيائه وأولياته. استجاب الله عز وجل، وأمر عباده بانتظار الفرج عند الأزمات، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5-6]، وكما قال الله عز وجل: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، أو قال: ﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]. نعم، فهذا كله من هذا الباب. فهذا أصل قد اعتبره الله وأرشد إليه، فينبغي للعبد أن يكون على باله في وقت المناسبات، يعني إذا وقعت به شدة ليعلم أن الله عز وجل سيجبر خاطره متى ما أخلص له ودعاه. كذلك إذا وقعت مناسبات، بمعنى رأيت وشعرت أن أحد المسلمين وقع في ضائقة أو في شدة أو في محنة، فأنت تجبر خاطره إن استطعت أن تخفف عنه، أو كذلك ترفع عنه هذه الكربة أو هذه الشدة. إنسان يصاب بمرض، تقف معه، تواسيه، تزوره، ترافقه، تعطيه من مالك، هذا كله ماذا يجعل؟ يجعل هذا الشخص كأنه بين أهله، ما يشعر بغربة، ما يشعر بشدة، ما يشعر بتخلي إخوانه عنه. فهذا من هذه المعاني، ومن هذا الباب ينبغي للمسلم أن يحرص على ما دل عليه القرآن، والآيات في هذا كثيرة، وكذلك السنة مليئة بهذا الباب، مليئة بهذا الباب. النبي صلى الله عليه وسلم يجبر حتى خاطر الجماد، دليل على هذا: النخلة، النخلة الجذع، لما كان يخطب عليه، فصنع له منبراً من خشب، بترك هذا الجذع وخطب على المنبر، فحن الجذع وبكى حتى أصدر صوتاً. فهل قال: إيش هذا جذع تركه وشأنه يبكي إلى يوم القيامة؟ لا، جاء وضم هذا الجذع ومسح عليه حتى سكن. هذا من باب كذلك جبر الخاطر. كذلك حديث فاطمة، لما كانت جالسة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة جالسة في جهة أخرى، فأسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة فبكت، ثم أسر إليها ثانية فضحكت. فقالت عائشة: أخبريني ما أسرَّكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمر ثم بكيتِ، ثم أسرَّكِ ثم ضحكتِ، كيف اجتمع هذا الأمر، ضحك ثم بكاء أو بكاء ثم ضحك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم أخبرت به، قالت: أسرني في الأولى لأنه أخبرني أنه قد قرب أجله، يعني أنه سيموت، ولا شك أنها بابنته حزنت على هذا الأمر فبكت. ثم أسرني المرة الأخرى، وهذا من باب جبر خاطرها، طيب، أنها أول أهله لحاقاً به. طيب، فهذا من باب جبر خاطرها، وأنها تكون معه في الجنة، هذا أيضاً من باب جبر خاطرها. وهكذا كم من قصص في السنة، وهذا موضوع طويل، طويل جداً، أدلته كثيرة، وقد ألف فيه بعض العلماء. طيب، نقرأ قليلاً من القاعدة الثانية، القاعدة الثالثة والثلاثون: في طريقة القرآن في أحوال السياسة الداخلية والخارجية. طريقة القرآن بهذا أعلى طريقة وأقرب إلى حصول جميع المصالح العامة وإلى درء المفاسد. ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلا قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، وإضافته عن المؤمنين من أمر الشورى بينهم، والأمر المفرد مضاف إلى المؤمنين. وفي الآيات الأخرى قد أغنت عن التمثيل للأمة والاستقرار. يعني أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم، واستجلاب مصالحهم، ودفع مضارهم، معلق بالشورى والتراوُد على تعيين الأمر الذي يجرون عليه، يجرون عليه، يجرون عليه بمعنى يمشون عليه. أنت سمعت شيء غير هذا؟ نعم، يجرون عليه بمعنى يمشون عليه. والتراوُد على تعيين الأمر الذي يجرون عليه. وقد اتفق العقلاء أن الطريقة الوحيدة للصلاح الديني والدنيوي هو طريق الشورى. فالمسلمون قد أرشدهم الله لأن يهتدوا إلى مصالحهم وكيفية الوصول إليها بأعمال أفكارهم مجتمعة. وإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوا، وإذا تعينت المضرة في طريق تركوا، وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة نظروا أيها أقوى وأولى وأحسن عاقبة. وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاستعداد من كل الحادثة واختراع الباهرة، تتعون لذلك بحسب اقتدارهم. طيب، نقف هنا، يكفي هذا. طيب، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: هذه القاعدة كذلك، لو نظرت في القرآن لرأيت القرآن قد نبه عليها في مواضع كثيرة، وهي في أحوال السياسة الداخلية والخارجية. المراد بالسياسة: أي سياسة الناس في مصالحهم الدينية والدنيوية. فقد جاء في حديث أبي هريرة في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم». ما معنى «تسوسهم»؟ يعني تدلهم على مصالحهم الدينية والدنيوية، الأنبياء وهم تبع للأنبياء، كلما مات نبي خلفه آخر، ألا إنه لا نبي بعدي. فالمراد بالسياسة هنا من الساسة، والساسة هم القيادة أو الرعاية أو كذلك تحقيق المصالح، مصالح الناس العامة، من الأمن أو الخوف، أو كذلك الحروب أو نحو ذلك. فالقرآن قد ذكر في هذا الأمر قواعد وأصول، فبدأ المؤلف رحمه الله بأول أصل من أصول السياسة وهو الشورى. الشورى هذا أعظم أصل من أصول سياسة المجتمعات، ولا شك أن أصحاب الشورى هم أصحاب العقول الزكية والفهوم النقية من أهل العلم ومن أهل الفضل ومن أهل الفطنة والذكاء. فلذلك ربنا سبحانه وتعالى في كتابه أمر المؤمنين في أمورهم العامة أن يردوا أمرهم إلى أولي الأمر، وهم الأمراء والعلماء، وأمر عباده بطاعتهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النساء: 59]. فسر أولي الأمر بالأمراء والعلماء. وفي قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 83]، أولي الأمر منهم هنا فسر قولاً واحداً بأهل العلم، بأهل العلم. فإذا من أصول السياسة المشاورة، وقد جاء في القرآن الحث على هذا الأصل في آيات كثيرة، في قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، هذا أمر من الله عز وجل نبيه أن يشاور أصحابه، وهذا النبي هو رسول يوحى إليه، ومع هذا أمره الله عز وجل في أمور سياسته أن يشاور الصحابة، أن يشاور من الصحابة. فهذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على أهمية هذا الأصل. طيب، بعدين، بعد الدرس، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن هذا الأصل أصل عظيم، فمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمشاورة. إذا كان هذا رسول الله الذي يوحى إليه قد أمر بمشاورة غيره، فكيف بمن هو دونه؟ واضح هذا الآن. وأمّا قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]، هذا من صفات أهل الإيمان، أمرهم شورى بينهم، لا ينفرد أحد. ثم بين أن في قوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، الأمر هذا دخلت عليه «ال»، وال «ال» هذه تفيد ماذا؟ «ال» تفيد العموم والاستغراق، هذا معروف، قاعدة معروفة. تقول على سبيل المثال مثلاً: تقول مثلاً: أريد أن أجتهد في العلم، «العلم» دخلت عليه «ال» صح؟ فأنت تريد أي علم نافع، أي علم نافع، فـ «ال» هنا تفيد ماذا؟ الاستغراق والعموم، الاستغراق والعموم. وهكذا في هذه الآية: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وإن كان الأمر هنا مفرد صح، لكنه محلى بـ «ال»، فدخلت عليه «ال» تفيد العموم والاستغراق، فيدل هذا على أن المشاورة تكون في كل أمر يتعلق بالأمة، لا تكون المشاورة في شيء دون آخر، بل في كل شيء يتعلق بمصالح الأمة. وفي الآية الثانية قال: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾، أمر مفرد لكنه أضيف، والقاعدة عندهم أن المفرد إذا أضيف يفيد العموم. قال الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، هل نعمة واحدة؟ لا، نعم كثيرة. من أين استفدنا هذا العموم؟ من إضافة المفرد، من إضافة المفرد، فالمفرد إذا أضيف يفيد العموم، يفيد العموم. هذا معنى قوله: فالأمر مفرد مضاف إلى المؤمنين، أي أنه يفيد العموم، فأمرهم شورى في كل أمر مما يتعلق بمصالح الأمة. طيب، ثم قال: إن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم، واستجلاب مصالحهم، واستجلاب مصالحهم، ودفع مضارهم، معلق بالشورى. لأن الأمر إذا صدر من واحد، فهذا الواحد عرض للزلل، وعرض للغفلة، وعرض لقصر الفهم، فلربما إذا تصرف تصرفاً فردياً يخطئ، فهذا الخطأ يضرب الأمة. لكن لو اجتمع عدة عقول، مش عقل واحد، عدة عقول، فلا شك أن العقول تتفاوت، هذا أعلم من وهذا أفهم من هذا. طيب، فلما يتراوَدون هذا الأمر ويتشاورون في هذا الأمر، كل واحد يضع رأيه، فتتقارب الأفهام، تتقارب الأفهام، وربما بعضهم ما كان فاهماً يفهمه أخوه، فلذلك يهتدون إلى ماذا؟ إلى الصواب، وإلى ما فيه مصلحة للأمة، ما فيه مصلحة للأمة. هذا معنى قوله: أن جميع أمورهم وشؤونهم واستجلاب مصالحهم ودفع مضارهم معلق بالشورى، والتراوُد على تعيين الأمر، التراوُد بمعنى التداول، تداول الأمر على تعيين الأمر الذي يجرون عليه، يعني الذي يتخذونه ويمشون عليه. وقد اتفق العقلاء أن الطريق الوحيد للصلاح الديني والدنيوي هو طريق الشورى. الصلاح الديني مثلاً في الجهاد في سبيل الله: هل نجاهد، هل نجاهد هذه البلد أو لا نجاهد؟ هل نضرب هذه البلد أو لا نضربها؟ هذا في أمور الدين يتشاورون في ذلك. طيب، تشاوروا كذلك في مثلاً كما فعل الصحابة في جمع القرآن، تشاوروا في ذلك حتى اتفقت الكلمة على ذلك، هذا أمر ديني. طيب، صلاح ديني. وأما الدنيوي فقد يكون في تجارة، قد يكون في أمر يعود على المسلمين بالأموال، يعني الازدهار بالتطور، من مثلاً أمور السياسة من حيث يعني الصناعات، أو من حيث كذلك حفر الآبار أو نحو ذلك، هذا من أمور الدنيا، من أمور الدنيا، فهذا أيضاً يحتاج إلى تشاور. حتى الإنسان إذا يريد أن يقدم على تجارة أو على سفر أو على أمر يختص به، لا بأس أن يشاور إخوانه، لأن قد يكون اتخاذ الرأي من تلقاء نفسه فيه شيء من الخطأ، فلما يشاور ذوي الخبرة وذوي الفهم وذوي العقل، فلربما يشيرون إليه بما هو أصلح له، بما هو أصلح له. فهذا الأمر لا شك أنه أمر جليل. قال: فالمسلمون قد أرشدهم الله إلى أن يهتدوا إلى مصالحهم برسول الله، بأعمال أفكارهم مجتمعة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوا، إذا رأوا باجتماع أفكارهم أن المصلحة يفعل هذا، سلكوا، مشوا فيه. وإذا تعينت المضرة في طريق تركوا، إذا قالوا: لا، هذا الأمر فيه مضرة، يتركون، يبتعدون عنه، ففي ذلك يكون الخير. وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة، نظروا أيهما أقوى وأولى وأحسن عاقبة، يعني النظر في المصالح والمفاسد. أرادوا أن يقدموا على شيء، فهناك توجد مصالح وهناك توجد مفاسد، فإذا بقي الآن يعني ماذا؟ التشاور في أيهما أصلح، أهل الأصلح أو الأكثر المصالح أو المفاسد. إذا كان الأكثر المصالح فعلوا هذا الشيء، إذا كان الأكثر المفاسد تركوا هذا الشيء. هذا كله يحتاج إلى عقول نيرة، ويحتاج إلى علم، ويحتاج إلى أناس عقلاء. وإذا رأوا أمراً من الأمور هو المصلحة، ولكن ليست أسباب معتادة عندهم، ولا لهم قدرة عليها، نظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب. ومعنى هذا: يعني أمر فيه مصلحة لكن ما عندهم الأسباب التي توصلهم إلى هذا الأمر، الأسباب قاصرة. كما الآن اختلف العلماء فيما فعلت حماس الآن من ضرب اليهود، فكثير من العلم يرى أن ما في مصلحة لأن المسلمين عُدَّتِهم ضعيفة، ما عندهم أسباب القوة، ما عندهم أسباب القوة، ولذلك الآن اليهود قتلوا كثير من المسلمين، آلاف الأطفال والنساء. فهذا هذا مفروض يحتاج إلى مشاورة، يحتاج إلى يعني ناس عقلاء وقادة، قادة دول وقادة يقدرون المصالح والمفاسد، ثم ينظرون إلى الأسباب: هل عندهم أسباب يستطيعون بها دفع هذا العدو والتغلب على هذا العدو؟ هذا رأي بعض أهل العلم في مثل ذلك، فهذا كمثال. ومعنى «ليست أسباب معتادة» يعني قوية ومقنعة وكافية في الوصول إلى هذه المصلحة، ولا لهم قدرة. لنظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب، يعني سعوا إلى تحقيق الأسباب أولاً قبل الإقدام على هذا الشيء، قبل الإقدام على هذا الشيء، وبأي حال تنال على وجه لا يضر. طيب، ننتبه للوقف، نقف هنا ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم، يعمل خط على هذا. طيب، إلى هنا والله أعلم.