الدرس في شرح الورقات للجويني 8، ألقاها
يدخل المؤمنون والكفار في خطاب الله تعالى بخصوص فروع الشرائع، بينما لا يدخل الساهي والصبي والمجنون لعدم التكليف أو العقل. الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ويعذبون على تركها.
الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ويجب عليهم اعتناق الإسلام لأنه الدين الحق، ولا تصح منهم الأعمال إلا بالإسلام. يجب عليهم الدخول في الإسلام لتجنب العذاب.
الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده إذا كان له ضد واحد. المذاهب الفقهية اختلفت في تفسير هذه المسألة وتطبيقاتها.
الصلاة على النبي تعتبر من الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى، ولها فضل عظيم وتُعد من أسباب نيل الرحمة والمغفرة. يُدعى بالصلاة على النبي وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: بيان من يدخل في الأوامر ومن لا يدخل. قال: يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، الساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب، والكفار مخاطبون بفروع الشرائع، ومما لا تصح إلا به وهو الإسلام. لقوله تعالى: ﴿قالوا لم نكن من المصلين﴾، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. قوله: "يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون" يعني في خطاب الله، وما يرد في كتاب الله جل وعلا من أوامر ونواهي، فإنها تتوجه إلى المؤمنين؛ لأنهم عقلاء يفهمون الخطاب. فمثل قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وهكذا أيضا: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولا تقربوا الزنا﴾، وغيرها من الأوامر والنواهي، فإنها توجه إلى أهل الإيمان. وهكذا: ﴿يا أيها الناس﴾، فإن كذلك أول من يدخل في هذا الخطاب هم المؤمنون. وصيته ما يتعلق بتوجيه الخطاب إلى الكفار، ومثل هذه الخطابات العامة، كذلك يدخل فيها الكفار. "يا أيها الناس" هذا الخطاب يشمل المؤمن والكافر. الساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب. الساهي: الذاهل عن أمر من الأمور لعارض عرض له، فالإنسان قد يذهل ويسهو وينسى، يغفل عن شيء هو معلوم، لكن يذهل عنه وينساه ويغفل عنه. ففي حال سهوه، وفي حال نسيانه هو غير مخاطب. بقول الله جل وعلا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. فالساهي ربما يترك واجبا لكن ساهيا، أو يرتكب محرما لكنه ساهيا، لذلك لا يتعلق به الإثم بسبب سهوه ونسيانه. لكن متى ما تذكر، صار هنا مخاطبا، ووجب عليه أن يأتي بما ترك، أن يأتي بما ترك من واجبات. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». فإذا ذكر وذهب النسيان، هنا وجب عليه أن يأتي بما أمر به، وصار مخاطبا وموجه إليه الخطاب. لكن في حال السهو والنسيان لا يؤاخذ. قال: "والصبي" الصبي كذلك غير داخل في الخطاب؛ لأنه غير مكلف. والصبي على ثلاث أنواع: الصبي الصغير، من كان دون سن التمييز، فهذا لا يدخل في الخطاب؛ لأنه لا يعقل الخطاب ولا يفهم الخطاب. والنوع الثاني: من كان مميزا، طيب فهذا كذلك غير مكلف، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم». والصبي حتى يحتلم أو يبلغ، بعض الروايات. طيب هذا قلنا ماذا؟ المميز. وكذلك القسم الثالث نجعله الصبي الذي لا يعقل شيئا، ما عنده عقل ولا إدراك، فهذا أيضا غير مكلف. وسن التمييز قيل: سبع سنوات، وقيل: إذا فهم الخطاب ورد الجواب فهو مميز، وهذا أقرب. يعني بتحديد التمييز من فهم الخطاب ورد الجواب. طيب إذن صبي عندنا على ثلاثة أقسام: صبي لا يعقل ولا يفهم شيئا، هذا غير مكلف؛ لأنه عدم وجود العقل. وصبي ماذا؟ عنده شيء من الفهم، لكنه لم يبلغ سن التمييز، لم يبلغ سن التمييز، فهذا أيضا غير مكلف. والنوع الثالث: الصبي المميز، المميز الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، وهذا أيضا غير مكلف؛ لعدم البلوغ. قال: "والمجنون" طيب هنا مسألة، قبل ذلك: هل يكلف الصبي من سن التمييز إلى البلوغ إذا صار مميزا وقارب سن البلوغ أو ما بعد التمييز؟ هل يصير مكلفا؟ الصحيح أنه غير مكلف، هذا قول الجمهور: أنه غير مكلف، لعموم الحديث: «والصبي حتى يحتلم». لكن قد يوجه الخطاب إلى وليه، فيأمره بالصلاة وبالصيام حتى يتعود على هذه الطاعة والعبادة. قال: "والمجنون" كذلك المجنون غير داخل في الخطاب؛ لعدم العقل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والمجنون حتى يعقل، القلم عنه مرفوع»، فهو غير مكلف. فليوجه إليه الخطاب بالصلاة والصيام أو غيرها من الواجبات. وهذا يعني الجنون على قسمين: جنون مطبق، وجنون غير مطبق. الجنون المطبق: أن يكون في سائر أحواله مجنونا لا عقل له، فهذا لا تكليف عليه. وهناك جنون غير مطبق: يعني يجن أحيانا ويعقل أحيانا، فهذا في حال العقل يكون مكلفا، وفي حال الجنون يكون مجنونا. طيب يبقى هذا التكليف وعدم التكليف فيما يتعلق بالأحكام الشرعية التكليفية. أما في الأحكام الوضعية، فإنهم ماذا؟ فإنهم يعتبرون مؤاخذين بما يحصل منهم من إتلاف. فإنهم يضمنون في أموالهم. فمثلا إذا أتلف الصبي شيئا ضمن من ماله أو ضمن وليه، وهكذا المجنون إذا أتلف شيئا. كذلك أيضا ما يتعلق بوجوب الزكاة في المال، إذا كان عندهم مال فإنه يجب فيه الزكاة؛ لأن وجوب المال في الزكاة هذا من الأحكام الوضعية التي لا يشترط فيها التكليف. فإذا كان الصبي عنده مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، فيه الزكاة، لا يقال: بسبب صغره أو بسبب جنونه لا يجب فيه الزكاة، بل فيه الزكاة في قول جمهور أهل العلم، هو الصحيح. قال: "والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام". الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، الموضوع بالفروع الشرائع يعني الأحكام الشرعية العملية كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها من العبادات العملية، فهم مخاطبون بها ومكلفون بها. ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل أنهم يعذبون ويعاقبون على تركها، كما بقوله جل وعلا: ﴿ما سلككم في سقر، قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أن من أسباب عذابهم ودخولهم النار، مع كفرهم، عدم الصلاة وعدم الزكاة، يدل ذلك أنهم يؤاخذون بتركهم لهذه الواجبات والفرائض. لكن لا تصح منهم إلا بالإسلام، لا تصح منهم إلا بالإسلام. لو أراد أن يصلي وهو كافر ما صحت صلاته ولا قبلت، أو أراد أن يزكي وهو كافر ما ينفعه ذلك. لابد أولا أن يأتي بالإسلام، ثم بعد ذلك يأتي بقية الفرائض والواجبات. لهذا قال: "وما لا تصح إلا به وهو الإسلام" يعني ما لا تصح به العبادة إلا، لا تصح إلا بالإسلام. فهم مخاطبون كذلك بالإسلام، ويجب على كل كافر أن يسلم؛ لأن هذا الدين هو الدين الحق الذي أوجب الله سبحانه وتعالى على سائر العباد اعتناقه، وأن من ابتغى دينا غيره فهو خاسر. ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. فهم مخاطبون بالإيمان بهذا الدين العظيم. وقوله: "ما لا تصح إلا به وهو الإسلام" كان أولا أن يقول: "وهو أصل الإسلام". أصل الإسلام يعني الشهادتين، وإلا فالإسلام يدخل فيه الشهادتان ويدخل فيه الصلاة والصيام والزكاة إلى آخره. لكن إذا قال: "بما لا تصح إلا به وهو أصل الإسلام" وهو الدخول في دين الإسلام، ثم بعد ذلك يأتي بقية أركان الإسلام وبقية الفرائض والشرائع. قال: لقوله تعالى: ﴿قالوا لم نكن من المصلين﴾. طيب قال: "والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده". الضد هو الشيء الذي لا يمكن اجتماعه، أو الشيئان الذي لا يمكن اجتماعهما في وقت واحد، لا يمكن أن يجتمعا في وقت واحد، وإن أمكن ارتفاع أحدهما أو ارتفاعهما معا. مثلا الطول والقصر، الطول ضد القصر، فلا يمكن أن يكون الشيء في نفس الوقت طويلا وقصيرا من جهة واحدة، لكن ممكن أن يكون لا طويل ولا قصير. القيام والقعود، طيب فيقول: الأمر بالشيء نهي عن ضده. الأمر بالشيء نهي عن ضده، مثلا إذا قال: "قم"، هذا أمر ماذا بالقيام؟ فهو نهي عن ضد القيام، فيكون نهي عن الجلوس ونهي عن الاضطجاع وغيرها من الأضداد. طيب الأمر بالصلاة نهي عن كل ما ينافي الصلاة، نهي عن كل ما يمنع من وجود الصلاة أو إقامة الصلاة. فالأمر بالشيء نهي عن ضده. طيب هذا ماذا يسمى؟ الضد. قلنا: الضدان الشيءان الذي لا يمكن أن يجتمعا، وإن أمكن ارتفاعهما. طيب وأما النقيضان، النقيضان هما الذي لا يمكن أن يجتمعا ولا يمكن أن يرتفعا، مثل الحركة والسكون. الحركة والسكون، فالشيء لا يمكن أن يكون متحركا وساكنا في وقت واحد، ولا يمكن كذلك رفعهما معا، يعني أن يكون الشيء لا متحرك ولا ساكن، بل لا بد أن يكون إما متحركا وإما ساكنا، هذا يسمى ماذا؟ يسمى نقيضين. فإذا قلت مثلا: "لا تتحرك"، فهذا النهي عن ماذا؟ هذا أمر أو قول مثلا: "تحرك"، إذا قلت: "تحرك" هذا أمر بالحركة، فهو نهي عن نقيضها، وهو السكون، وهو السكون. وهكذا أيضا الأمر بالشيء أو النهي عن الشيء أمر بضده. النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا أمر بضده إذا كان له ضد واحد. وأما إن كانت له أضداد متعددة، فهو أمر بأحد أضداده. مثلا النهي عن الزنا: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾، النهي عن الزنا هل هو أمر بالنكاح والزواج؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه يمكن ترك الزنا بغير النكاح، بالتعفف، بالصيام، بالنكاح الإيماء مثلا، طيب فيمكن ترك الزنا بغير النكاح، إذا لا يكون النهي عن الزنا أمرا بالنكاح، لكن أمر بأحد أضداده. طيب النهي عن القيام: "لا تقم"، هل هذا أمر بالقعود؟ الجواب: لا. قد يكون أمرا بالقعود أو بالاضطجاع؛ لأن عندنا أضدادا متعددة، فيكون أمرا بأحد هذه الأضداد، إما بالقعود وإما بالجلوس إلى آخره. إذا النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، أو بأحد أضداده إذا كان له أضداد متعددة. طيب هذه المسألة، مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده، فيها ثلاثة أقوال. فمذهب أهل السنة أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، هذا من باب المعنى، من باب المعنى، يعني يكون بداءة الالتزام. ولهذا التعبير الأولى أن يقال: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بأحد أضداده، يكون التعبير بالالتزام، يكون هذا هو الأصوب، وهذا هو القول الصحيح. المعتزلة قالوا: إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده. الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، قالوا: لأن الأمر قد يأمر بالشيء وهو غافل عن ضده، قد يأمر بالشيء وهو غافل عن ضده، فلا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده. طيب وبنوا على هذا على أن الأمر يشترط فيه الإرادة الكونية، على أن الأمر يشترط فيه الإرادة الكونية، وإلا لم يكن أمرا. وهذا ليس بصحيح. فالأمر الشرعي مثلا لا يشترط فيه الإرادة الكونية، لا يشترط فيه الإرادة الكونية، بمعنى أن الأمر قد يكون مرادا شرعا، ولكن غير مراد كونا، يعني لا يقع. كالصلاة بالنسبة للكافر، الكافر ماذا؟ مراد منه الصلاة شرعا، ولكنها لم تقع منه، فهي غير مراد كونا. طيب هنا حصل الأمر مع عدم تعلقه بالإرادة الكونية، حصل الأمر مع عدم الإرادة الكونية. فلا يشترط في الأمر الإرادة الكونية، هذا معنى قولنا: أنه لا يشترط في الأمر الإرادة الكونية. فقد يؤمر أو يراد فعل الأمر، لكنه شرعا، ولا يراد كونا، كحال الصلاة من الكافر، فهي مراد منه شرعا، لكنه لم يأت بها، فلم تقع كونا. طيب المذهب الثالث، مذهب الأشاعرة، مذهب الأشاعرة قالوا: أن الأمر بالشيء ناه عن ضده من طريق اللفظ والمعنى، من طريق اللفظ والمعنى. كيف هذا؟ يعني إذا قلت: "تكلم"، فهو عين قولك: "لا تسكت". وإذا قلت: "لا تسكت"، فهو عين قولك: "تكلم"، هو عين قولك: "تكلم". لماذا قالوا بذلك؟ قالوا: لأن الكلام معنى في النفس، أن الكلام معنى في النفس. طيب فهذا المعنى النفسي ليس في أصوات ولا حروف، وهذه الألفاظ إنما هي عبارة أو حكاية عن ما في النفس. فلا فرق بين الأمر والنهي، فلا فرق عندهم بين الأمر والنهي. والصواب هو قول أهل السنة والجماعة: أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده إذا كان له ضد واحد. تعال نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.