الدرس في شرح مسائل الجاهلية 120، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن كتمان الحق وآثاره السلبية، مشيرًا إلى أن هذه الصفة كانت سائدة عند أهل الجاهلية وأهل الكتاب، ويحذر من اتباعهم فيها. نشر العلم وتبليغه أمران مهمان كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام.
يجب على العلماء تبليغ العلم ولا يكتمونه، حيث أن لتبليغ العلم أجرًا عظيمًا، بينما كتمانه يسبب لعنة الله وملائكته والمؤمنين. العلماء الذين يكتمون الحق يتعرضون لعذاب شديد.
يشرح حالات يجوز فيها كتمان العلم أو السكوت عن بيان الحق، مثل عندما يؤدي النشر إلى فتنة أو إزهاق النفوس، مستشهدًا بآثار السلف الصالح وأقوال العلماء. كما يبين مراتب العالم في التعامل مع الأحكام الشرعية.
اشتركوا في القناة، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة عشر بعد المئة، كتمان الحق مع العلم به. كتمان الحق مع العلم به مر معنا، إخواني، في درس أمس، ما يتعلق بهذه الفقرة، وذكرنا أن من أعظم أسباب إضلال الغير -كما ذكر ذلك أهل العلم- يكون على حسب الرجل إزاء بلوغ الحق إليه، فمن بلغه الحق فليمكن إضلاله إلا عن طريق التشويش، ومن لم يبلغه العلم فليكن إضلاله إلا بمنعه من الوصول للحق، هذه طريق، وهذه طريق. فمن بلغه الحق عنده شيم الحق، فأردت أن تضله، فعليك أن تشوش عليه من ذلكم إلباس الحق بالباطل، وأما من لم يبلغه الحق وأردته أن يستمر على الضلالة، فما عليك إلا أن تمنع الحق أن يصل إليه، وهذا كذلك سبب من أسباب الضلالة. ولعظم هذين السببين، فإن الله سبحانه وتعالى قد جمع بينهما: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾، نهى عن إلباس الحق بالباطل، وهذا من باب التشويش، ونهى كذلك عن كتمان الحق، وهذا فيه منع الوصول للحق. ومر معنا ما يتعلق بإلباس الحق بالباطل، وصور ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتمان الحق، وهذه المسألة الثانية من أسباب الضلال، وهذه كانت خصلة وجدت في أهل الجاهلية أنهم يكتمون الحق، وكان أهل الكتاب لهم الحظ الأوفر من هذه الخصلة الذميمة. أهل الكتاب كانت لهم الحظ الأوفر من هذه الخصلة الذميمة، إذ كانوا يكتمون الحق الذي يعلمون أن الله سبحانه وتعالى أراده، ومن أعظم الكتمان الذي ابتلي به أهل الكتاب ما كان من كتمانهم لبعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلا صور الكتمان عنهم كثيرة وكثيرة جدًا، لكن من أشهرها ومن أوضحها والتي جاء النص عليها كتمان ما كان فيه صحة نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد كان اليهود، وكان النصارى لما في أيديهم من التوراة والإنجيل، ولما عندهم من المبشرات، كانوا يعتقدون ببعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، إلا أنهم ما صارحوا بهذا، وما نشروا ذاك، وإنما كتموا هذا الحق الذي بين أيديهم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾، وهم يعرفون رسول الله كمعرفتهم لأبنائهم وأولادهم، بل أشد من ذلك لمن عندهم من الصفات والمواصفات التي جاءت ببشارة نبينا عليه الصلاة والسلام، فكتموا وتجاهلوا هذا الحق. ولما فعلوا ذلك أهل الكتاب، وأهل الجاهلية كانوا يكتمون الحق لأمور، إما لمصالح دنيوية، لحظ من حظوظ النفس يشترون به ثمنًا قليلًا، فكانوا يتبايعون بآيات الله وبشرع الله، وذلك بكتمانه، أو أنهم يفعلون ذلك خوفًا على أنفسهم، وعلى مناصبهم، وهكذا على وجاهتهم. فالحاصل، إخواني في الله، فإن من خصال أهل الجاهلية أنهم يكتمون الحق الذي بين أيديهم وهم يعلمون، ليسوا كانوا عن جهالة، إنما كان عن علم، وكان ذلك منهم عن عمد. ومن هنا نعلم، إخواني في الله، أن من كان هذا حاله من أهل الإسلام، أنه يعلم الحق ثم كتمه، فإن فيه خصلة من خصال أهل الجاهلية. وبعض الناس، إخواني في الله، قد حباهم الله سبحانه وتعالى من العلم، وحباهم الله سبحانه وتعالى من الفضل، بل ميزهم ربنا سبحانه وتعالى من بين سائر الناس، أن الله عز وجل مكن لهم الوصول العلم، وجعلهم من أهل العلم، وهم بعد ذلك لا يؤدون حق الله سبحانه وتعالى في العلم. العلم، إخواني في الله، حقه أن ينشر، حقه أن يوضح، حقه أن يبث بين الناس، وكمية الآيات وكمية الأحاديث الآمرة والدالة على عظم هذا المقام، مقام التبليغ. إن كان أهل الكتاب قد كتموا الحق، فإن بالمقابل أهل الإسلام طولبوا بأن يبلغوا الحق، وأن ينشروا الحق، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية»، تربية من الشريعة الإسلامية لأبناء هذه الأمة، وأن لا تتسلل إليهم هذه الخصلة الذميمة من خصال أهل الجاهلية. وكتمان الحق، أمرهم نبينا بأن يبلغوا كل شيء: «بلغوا عني ولو آية»، وأطلق الإبلاغ لكل أحد، لا يتعلق بزيد أو عبيد، لا يتعلق بصغير أو كبير، من كان عنده شيء من العلم عليه أن يبلغ ذلك. «بلغوا عني ولو آية»، ولو آية واحدة، فشرع ربي أهل الإسلام على التبليغ، وعلى إظهار شرع الله عز وجل. وقال عليه الصلاة والسلام: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار»، عندك علم، يا عبد الله، وسئلت عن هذا العلم، فسكت وكتمت، ولم تجب، فإن الله سبحانه وتعالى سيعذبك، سيلجم يوم القيامة بلجام من نار، الجزاء من جنس العمل. وقد قال العلماء في شرح لهذا الحديث: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه»، هل من شرط الوجوب أنك تسأل فتجيب؟ هل لابد أن يكون سؤال أصلا؟ لأنه يقول بعض الناس: أنا سأأخذ بظاهر الحديث، ما هو ظاهر الحديث أني إذا سئلت سأجيب، إذا لم أسأل ما سأجيب؟ لدلالة النص: «من سئل عن علم يعلم»، قال العلماء: لا، ليس هذا مفهوم الحديث. قال العلماء: السؤال الذي سيطرع عليك وعلى صورتين اثنين، إما سؤال بالمقال، أن تسأل: يا فلان، ما تقول في كذا؟ هذا سؤال عن طريق المقال، وهذا ينبغي أن تجيب. وأحيانًا يكون السؤال عن طريق الحال، أحيانًا -كما قال العلماء- يكون السؤال عن طريق الحال، أي واقع الناس، حال الناس، وقد وقعوا في مشكلة، هنا ينبغي عليك أن تجيب، ولو لم تسأل، ولو لم تسأل بسؤال المقال، لكن حال الناس مستشكلين هذه المسألة، وقع أمر عظيم من بعض المحارم أو المحرمات التي قد طرأت في هذه المجتمعات، وقع، ودبت بين الناس لجهلهم، وقعوا في هذه المحرمات، مثل ما يقع في بعض المعاملات الربوية، أو بعض البيوع المشبوهة، وكثير من الناس ما يفطن لها، وشاعت بين الناس، وأنت عندك علم بهذا، أن هذا لا يجوز، وأنك مرجع للفتوى، هنا هل تسكت؟ تقول: الله، أنا ما سئلت، لا، قل: لا، يا عبد الله، واقع الناس كأنه يفرض عليك سؤال، عليك أن تجيب الآن، هذا من السؤال، لكنه بلسان الحال، لا بلسان المقال. وعلى كل، إخواني في الله، من سئل عن علم، هنا إما سؤال بالمقال، أن تسأل شخصيًا، وإما سؤال الحال، أن تكون مشكلة في الواقع، مشكلة في المجتمع، وأنت عندك إجابة، عليك أن تجيب. وأيضًا، إخواني في الله، لمعظم المقابل التبليغ، شرعنا العظيم قد جعل في هذه المسألة المناقب العظيمة، وكل ذلك من حرص الدين على أن المسلم يتربى على تبليغ دين الله، على تبليغ دينه، وأنك لا تكتم شيئًا. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض، حتى النمل في جحرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على معلم الناس الخير»، تخيل هذه العوالم العلوية والسفلية، وكيف أن الله جل في علاه يصلون جميعًا على معلمي الناس الخير، ما مفاد هذا الحديث؟ مفاده أنك، يا عبد الله، حاول أن تبث كل حق عندك، ما كان من العلم شرعي، تبث، يا عبد الله، فإنك تتحصل على هذه المنقبة العظيمة. وانظر، يا عبد الله، بين هذا النص، والذي فيه أن الله سبحانه وتعالى جعل جميع الكائنات وجميع الدواب وجميع العوالم السفلية والأرضية كيف أنها ترضى عنك، وكيف أنها تصل عليك، متى ما بثثت العلم. لكن انظر على خلاف ذلك، انظر متى ما كتمت العلم، متى ما كتمت الحق، ما الذي يكون مآلك؟ هذه العوالم كلها تنقلب عليك، تنقلب عليك، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾، تنقلب. قال قتادة رحمه الله تعالى: أي تلعنهم الملائكة، ويلعنهم المؤمنون. انظر الفرق، عندما كتم ما أنزل الله من البينات والهدى، فإذا بربنا جل فعلًا، وجميع العوالم تتوجه إلى هذا الصنف باللعن، لكن لما كان ذاك معلمًا للناس الخير، يبث الحق، جعل ربنا هذه العوالم تترضى عنك. فانظر، يا عبد الله، الفارق بين كتمان الحق وبين تبليغ الحق. فإخواني في الله، علينا أن نعلم أن المسلم في هذه الدنيا عليه أن يعرف دين الله سبحانه وتعالى، وأنك، يا عبد الله، لا تتقاعس، وليكن حالك حال علماء السوء في هذه الأزمان، علماء السوء هم علماء، نعم، مدهم الله سبحانه وتعالى بالعلم، ويسر لهم أمور العلم، وجعلهم أهل العلم، لكنهم رضوا بالدنية. عطاهم ربنا جل وعلا هذا العلم لأن يقوموا به، ومن أعظم قيامهم بالعلم البث، النشر، الإضاح، الاستظهار، البيان، لكن ما الذي فعلوا؟ سكتوا، كتموا، امتنعوا من إظهاره، إما بعضهم يفعل ذلك حبًا في وجاه، أو حبًا في مال. وأعظم، إخواني في الله، ما يقع من كتمان الحق، وكتمان العلم، ما كان من كتمان أمر الشرك. بعض العلماء يكون في مجتمع، وهذا المجتمع يطفح بالشرك، القباب، القبور، الدعوة إلى الشرك بالله، الأولياء والأضرحة، وهناك عالم أعطاه الله العلم، يعلم أن هذا كله لا يجوز، وأن هذا من الشرك المبين، وما عندهم مانع يمنعهم من الإنكار، لكنه يسكت، لماذا يسكت؟ دنيا في دينه، إما إرضاء للناس، كما يفعل بعضهم، أنه يجاري المجتمع، يجاريهم: يا شيخ، ما تقول في الزيارات؟ هل عندك شيء؟ لا، الله، طيب، طيب، يستمروا، هذا أمر طيب، يجاري المجتمعات. أو أنه يريد حظًا من حظوظ الدنيا، كما سمعنا من بعضهم، لربما كان في أرض الدعوة وأرض التوحيد، إن كان عند تربى على أهل السنة، فإذا جاء في قرية ورأى فيها الشركيات، وعلم أنه بإظهار دعوة التوحيد والسنة لا يشار إليه بالبنان، وأن الناس سيعتزلونه، وأن الناس ما سيعوا من قدره، يقول: هذا ما ينفع، هذه السوق ضعيفة، فيستبدل السوق السنة بسوق البدعة، ويترك دعوة التوحيد، ويأتي بدعوة الشرك، ويجاريها أولًا حتى يرتفع ويرتفع. نعم، ارتفع مقامه، سمعنا عن بعض، ارتفع مقامه، مع أن هذا قد تربى عند أهل التوحيد، ويعلم الشرك من التوحيد، لكنه آثر حظ الدنيا، أراد أن يشار إليه بالبنان، أراد أن يتوصل إلى المناصب، المسؤولية، والوجاهة، فماذا؟ دعا إلى الشرك، وسكت عن دعوة التوحيد، وسكت عن دعوة التوحيد. وهكذا قصة عبد الله، وهذا من أشد الناس عذابًا عند الله عز وجل، الذي يعلم الدعوة الصحيحة، دعوة التوحيد، وبعد ذلك يؤثر ما على نفسه، ومصالحه الشخصية، ومآثر الدنيا على ما أراد الله سبحانه وتعالى. إذن، إخواني في الله، فإذن هذا هو الأصل، الأصل أنك، يا عبد الله، تبلغ دين الله سبحانه وتعالى، وأن من أعطاه الله جل وعلا علمًا، ومن بصره الله سبحانه وتعالى بالحق، عليه أن يبلغ، هذا هو الأصل. بقي، يا إخواني في الله، لكن أحيانًا، أحيانًا أن بعض الناس، وهكذا من أهل العلم، من يكون في موقف لا يحسد عليه، بحيث يضطر إلى أن يسكت، يضطر إلى أن يسكت، فالأصل عدم السكوت، الأصل عدم الكتمان، الأصل في دين الله جل وعلا البلاغ، الأصل الدعوة، الأصل النشر، الأصل البث، هذا الأصل، وهو ركن الدين في دعوة دين الله سبحانه وتعالى. لكن أحيانًا أن العالم، العلماء قد يعتريه من الأمور ما تضطره إلى أن يسكت، إلى أن يسكت، وهذه آثار موجودة في الكتاب والسنة، وكذلك عن سلفنا الصالح، أنه تسكت أحيانًا، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «إنكما أنت محدثا قوما حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»، يعني أحيانًا أنت عندك علم، وعندك حق، لكن البيئة التي ستنزل فيها هذا الحق ما يستوعب عند الناس، قد يكون عند بعض الفتنة. وكم هي الأحاديث، وكم هي الآثار، وكم هي الدلائل الصحيحة التي قرئت وتليت وذكرت ونشرت في بيئة ما تستفهم، هذا ما عندها فهم لخلفية هذه الآثار، فإذا بهذه الآثار الصحيحة تنقلب على أهلها فتنة، تنقلب على أهلها فتنة. من هنا كان العالم ينبغي أن ينظر إلى بيئته، فأحيانًا بعض الأحاديث والآثار، بل بعض العلم ما يستحسن أن يذكر في هذا المقام، فهذا تسكت، فهذا من الكتمان، لكن لمصلحة. كما قال ابن مسعود: «إنك ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، فإذا توقعت، يا عبد الله، أن هذه المقالة التي ستأتي بها توجب على الناس فتنة وارتباك، فدع، فاسكت، يا عبد الله، فإن هذا من دين الله سبحانه وتعالى. قال نبينا لمعاذ بن جبل عندما بشره نبينا بتلكم البشارة: «يا رسول الله، ألا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم، لا تبشرهم، اسكت، اكتم هذا»، أليس هذا من كتمان الحق والخير؟ نعم، كتمان، لكن لمصلحة، وهو أننا سيتكلوا، يعطيهم الاتكاء بهذه الفضائل المذكورة في «لا إله إلا الله»، فقال: «لا تبشرهم». وهكذا آثار كثيرة عن سلفنا الصالح في هذا المنع. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «حدث الناس بما يعقلون، أو بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» فأنت، يا عبد الله، حاول أن تحدث الناس بما تعقل، وبما تفهم. إذن، أحيانًا، إخواني في الله، قد تضطر إلى أن تسكت عن العلم، أحيانًا، وأن تسكت عن بيان الحق، بل حتى قال بعض العلماء: من مشايخنا، الفوضى لا ذكر مسألة، قال: أحيانًا يأتيك السائل، وهذا السائل يسألك عن شيء، فأنت الآن في إيجاب الفتوى ستجيب. لكن قال العلماء: فإن كان هذا الذي يطلب منك السؤال ما أراد الانتفاع أصلًا، وإن مثلًا أراد أن يضرب أقوال العلماء بعضها في بعض، فقالوا حينها: لا تجيب، تسأل مثل مسألة أن تدار في مسائل منهجية، أو مسائل عقدية، ما هي جنس الأعمال؟ وما هي الأعمال؟ وشرط الكمال، وشط الصحة؟ وأنت ستجيب بما تعرف، لكن تخشى أن إجابتك هذه سيأخذها فلان ويرمي بها عند فلان، حتى أن فلان سيضرب قولك بقوله، وهكذا يقوم بعض الناس من الأفاكين من أهل الفتن، يأخذون الفتاوى هنا إلى هنا، وهنا إلى هنا. فأنت إذا علمت أن هذا الصنف من هذا الصنف، فلا تجيب، أعرض عنه، اعرض عنه. ومن هؤلاء كذلك أهل البدع، كما قال علماء: أسئلة أهل البدع للتحدي، وأسئلة أهل السنة للتحري، ففرق بين الذي يسأل يتحدى، وبين الذي يسأل يتحرى، فالذي يتحرى حري بأنك تجيبه، وأما الذي يسأل التحدي، فإن هذا تعرض عنه، يا عبد الله. وأيضًا، يا عبد الله، من الأشياء التي تسوق كتمان العلم، إذا كان فيه إزهاق للروح، مضر عليك أو على جماعة المسلمين، فإن كان إجابتك لسؤال مثلًا، أو إدلالك بعلم، وهذا العلم يجر عليك فتنة، بحيث تذهب النفوس، تذهب النفوس، فإنك تسكت. روى الإمام البخاري في صحيحه من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «حفظت وعائين عن رسول الله، أي وعاء من أوعية العلم، حفظت وعائين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بثثت بأحدهما، أحد الجراب، أحد العلم من أوعية قد بثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»، وأشار إلى رقبته. وأما الآخر فلو بثثته لذهب هذا البلعوم، وأشار إلى رقبته، أي أن هناك من العلم ما سكت عنه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فما تكلم فيه، وما خاض فيه، وما نشره، وما أظهره، لماذا؟ لعلمه رضي الله تعالى عنه أن هذه الآثار إذا خرجها للناس، فإن منفعتها محتملة، مقابل أن المهلكة مؤكدة، سينقطع هذا الحلقوم. فبهذا علمنا، إخواني في الله، إذا كان بعض الحق يجر على الناس إزهاق النفوس، وأن السكوت في ذلك إحقان للدماء، فتسكت، تسكت عن بعض الخير. وعلى هذا فتاوى العلماء. قال إمام الذهبي رحمه الله تعالى في «سير أعلام النبلاء»، وهو مبينًا لأثر أبي هريرة الذي جاء في البخاري، قال رحمه الله تعالى: «قال هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة»، قال: «وهذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم». فإذا كانت تحرك فتنة، فلك، يا عبد الله، أن تكتم العلم، وهذا خروج عن الأصل، وهذا خروج عن الحاضر، إخواني في الله، أن العالم ومن أعطاه الله علمًا، فهو أبصر بنفسه، أبصر بما ينفعه عند ربه سبحانه وتعالى. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والعالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة، هذه كلها مدارج ومراتب تكون عند العالم، يشتهد فيها». فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.