الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 147، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كفر النفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، والمنافقون أخطر على الإسلام والمسلمين، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن تحذر منهم وتفضح أمرهم.
المنافقون يظهرون الإيمان بألسنتهم لكنهم ليسوا مؤمنين حقا، يخادعون الله والمؤمنين، ويحاولون إبطال دين الله باسم الدين، وهم أشد خطرا من الكافرين.
يُنبه الخطيب إلى صفات المنافقين المذكورة في القرآن ويحذر من التشبه بهم، ويشرح عقابهم يوم القيامة والفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما كفر النفاق من أقسام الكفر الذي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل بحثه حول مسألة ما هي أقسام الكفر، فخلص رحمه الله تعالى إلى أربعة أقسام: كفر الجهل والتكذيب، وقد مر معنا، وهكذا كفر الجحود، وهكذا كفر العناد والاستكبار، والآخر وآخر الأقسام وهو كفر النفاق. قال رحمه الله تعالى: ما كفر النفاق؟ قال: هو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله مع الإنقياد ظاهرا، وهذا هو النفاق، وهو أن يظهر الإنسان الدين والملة والإسلام، وهو في باطنه وفي قرارة نفسه قد أبطن الكفر والشر. وكلمة النفاق والمنافق، كما يقول العلماء، هو مصطلح إسلامي لم يكن العرب يعرفون كلمة النفاق بهذا المصطلح. وأصل النفاق، كما يقول العلماء، مأخوذ من النفق، والنفق هو السرب الذي يكون تحت الأرض. ومنه النافقاء، ما هي النافقاء؟ النافقاء عبارة عن موضع، وقيل: هي حفرة يصنعها حيوان اسمه الجربوع، يشبه الفأر الصحراوي. وهذا الحيوان الجربوع له نفق يختبئ فيه، لكن من خديعته أنه يصنع لنفسه مخرجا آخر، يصنع لنفسه مخرجا آخر، قيل: مخرج، أو أنه يرقق محل يجعله مهيئا للخروج فقط يهيئه. وقيل: أنه يحفر. ما الذي يستفيد هذا الحيوان؟ هذا الحيوان يرى أن الخطر لو هجم عليه من هذا المدخل الرئيس، وهذا المدخل الأساس، إن هجم عليه عدو أو صائل أو مانع، فإنه يتسلل من الباب الخلفي. هذا الباب الخلفي يسمى نافقا، ولهذا يقال: نافق الجربوع، معنى نافق الجربوع: أي أخذ من طريق النافقاء. هذا أصل النفاق في اللغة، أصله في الذي كان من أمر هذه الحفرة، ثم أطلق هذه الصورة على النفاق، ووجه الشبه واضح، إذ كان هذا الحيوان قد جعل لنفسه مخرجا آخر يخرج منه. وهكذا المنافق، فإنه يظهر للناس أنه على هذا الباب، وهذا هو الباب الذي يدين الله به، لكن في حقيقة نفسه، وفي قرارة أمره، قد اتخذ بابا آخر يخرج منه. وهذا هو المنافق. وظاهرة النفاق، إخواني في الله، من أخطر الظواهر خطورة على الإسلام والمسلمين، ولا أدل على ذلك من كثرة الآيات التي حذر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق. بل وجدت سورة بكاملها وتمامها تتعلق بالمنافقين. وانظر إلى فواتح سورة البقرة، إذ أن الآيات الأولى تكلمت عن أهل الإيمان، ثم بعدها آيات في بيان حال الكفر، ثم استفاضت الآيات بعد ذلك واسترسلت في بيان حال المنافق، آيات كثيرة جعلت في حق بيان وفضح المنافقين. وما ذاك إلا لخطورتهم. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من صور الكفر هو كفر النفاق، فالمنافق كافر، بل ليس كافر، بل هو من أشد الناس كفرا. ولهذا كانت عقوبته، عقوبته عند ربه مغلظة. قال ربنا جل وعلا: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾، في الدرك الأسفل من النار، في القاع، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، في القاع، في قاع جهنم، هناك يستوطن المنافقون نار جهنم، والعياذ بالله، وذلك لشدة خبثهم وخطورتهم. قال مؤلف رحمه الله تعالى: هو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله مع الإنقياد ظاهرا. وبعضهم يأتي بالتعريف الأيسر، قال: هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، يستر كفره ويظهر إيمانه، يظهر الإيمان على أنه مسلم مثلنا، فلربما تلفظ بالشهادتين، ولربما أتى بشعائر الدين، هذا في الظاهر، لكنه في الباطن قد أبطن الكفر، غير مقتنع، غير مقتنع بهذا الدين أصلا. قال رحمه الله تعالى: ككفري ابن سلول وحزبه. ابن سلول رأس من رؤوس النفاق، وكان ذلك في العهد المدني، فهو عبد الله ابن أبي بن سلول، هو رأس النفاق، كان في المدينة، أظهر الإسلام وأنه من أحد المسلمين، لكنه كان خبيث الطوية، كان كافراً بالله ورسوله، غير مؤمن بالدين، لكن يتظاهر يتظاهر بالإسلام. قال: «الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر﴾». وتأمل إلى وصف ربنا إلى حال المنافق، قال ربنا: ﴿ومن الناس﴾، الآيات تشير إلى المنافقين. وانظر كيف وصفهم الله، قال: ﴿ومن الناس﴾، قال العلماء: أسر في هذا اللفظ، قال: على العلماء، لأن المنافق ليس مؤمن، فلا يقال: يا أيها الذين آمنوا، وكذلك ليس كافر، لأنه ما أظهر الكفر، فلم يقل: الذين كفروا، وإنما هو مذبذب، كما قال ربنا: «المذبذبين»، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لا إلى هؤلاء، فليس أنه أظهر الإيمان قلبا وقالبا، وإنما أظهر الإيمان في الظاهر، وفي السر أطل الكفر، وليس وكافر في الظاهر والباطل، لأنه في الظاهر خالف الكفار، لكن في الباطل معهم، فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فوصفهم ربهم بقوله: ﴿ومن الناس﴾، وصفوا بالناس. قال: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر﴾، هذا إيمانهم، إنما كان بألسنتهم، فلا عجب يا عبد الله أن تجد من أهل الكفر من لربما يذكر الله، يذكر الله ويشهد بوحدانية الله، لكنه من أشد الناس كفرا، كحال المنافقين. هذا كان فعلهم، إذا جاءك المنافقون قالوا: «نشهد إنك لرسول الله»، والله يعلم إنك لرسول، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، فهم يصرحون بالشهادة وبنبوة نبينا وبالرسالة، لكنهم في قرارة أنفسهم كذبة، ففضحهم ربنا جل وعلا، قال: ﴿وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾، وهذا دليل على أن المنافق ليس بمؤمن، ليس من أهل الإيمان، وإنما هو يحشر مع الكفرة. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعا﴾، فربنا سيجمعه، فالمنافق يحشر مع الكفرة، فما هو بمؤمن، وليس هو من أهل الإيمان. قال: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾، يخادعون، وهذه الصفة العامة في المنافق، المراوغة، المراوغة والكذب والحيل، هذه من صفة المنافق، فهو يخادع الله. وقد يقول قائل: وهل أحد يستطيع أن يخدع الله؟ حاشا، ما هناك أحد من خلق الله يتجرى ويقدر على خداع ربنا سبحانه وتعالى جل شأنه، لكن يحكي ربنا ما يكون في تصورهم هم، هم يظنون أن بأفعال ماذي فعلوا قد خادعوا الله، وأن الله غير مطلع على حقيقتهم ولا على سرائرهم، لكن هذا من جهلهم، ومن عدم تعظيمهم لربهم سبحانه وتعالى. لأنه ما آمنوا بالله، والذي لا يؤمن بالله لا يعطي الله قدره، ولا يعطي لربنا حقه، فالمؤمن هو الذي يعطي ربنا جل وعلا حقه وقدره تعظيما وإجلالا. أما الكافر والمنافق، فقد استخفى بربه سبحانه وتعالى، كالمنافق، فهم يظنون أن بفعلهم ومراوغتهم أنه قد خادعوا الله، وأن الله ما يدري عما يفعلونه في الدسائس والسرائر وفي الخفايا. لكن الله يعلم بحالهم سبحانه وتعالى، فهو يخادعون الله ويخادعون الذين آمنوا. قل: أنظر لها أولا نخدعهم. والمنافق، أخوانا في الله، المنافق له أسباب، وهذا مجاله طويل جدا حول أسباب النفاق، ما الذي يجعل الشخص يعتنق النفاق؟ لعدة أمور منها: لو ربما حفاظا على نفسه، حفاظا على ماله، له محلات، له دكاكين، له مناصب، له عقارات، له دولة، له صولة، له جولة، ويعرف أنه إذا أظهر ما في قلبه من الكفر لبصق الناس في وجهه، وقيم حد شر الله عليه، فقتل حد الردة، فذهبت دنيا وذهبت أخرى، وذهبت نفسه وماله. يقول: لا، لا طاقة لي بهذا، لا طاقة لي بأن أعلن بالذي أعتقده، فإن هذا سيزول به ملكي ومالي، وقير لي أني أظهرها، أظهر الدين، أفرحها أولا، لكن إنما أظهر دينه وأظهر هذا الدين لمصلحته نفسه، حفاظا على نفسه وعلى ماله وعلى منصبه، هذا فعل. وأيضا من فعل المنافقين، ومن أسباب النفاق، الدخول في صفوف الإسلام لكي يراضغ، لكي يمزق، لكي يفتن، فالكافر مثلا إذا تحيل، لو أن كافرا ما نزل بيانا وقرارا وأمر الناس مثلا بالتبرج والسفور، وبالزنى والخنى، لا، قال الناس: أسكت قبحك الله يا كافر، يا ماجن، يا يهودي، يا نصراني، فمقته الناس، بغض النظر عما تلفظ به. لكن لو جاء رجل وهو قد لبس لباس أهل الإسلام، وتسمى بأسماء المسلمين، وعاش بينهم، ويتكلم كذلك باسم الدين، ودعا إلى الزنى والخنى، لاستجاب له أناس، كما نرى الآن، تجد أن الكثير من الشهوات والشبهات أصبحت لها رواجا عندما ناد بها طائفة من الناس، هم في الحقيقة من أهل النفاق، ما دخلوا في دين الله جل وعلا إلا لإبطال دين الله، لكن باسم الدين. فلهذا هم أشد الناس خطرا، فالكافر والمنافق، أخواني في الله، من فعله يخادع، يخادع المؤمن، يقول: هؤلاء أغبياء، يظنون أني معهم. ولهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وإذا خلوا إلى بعضهم البعض، وإذا خلوا إلى شياطينهم، قالوا: إن معكم، إن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: نستهزئ بهؤلاء الحمقى من المسلمين. وانظر لقوله تعالى: ﴿يخادعون﴾، بصيغة المبارع، دلال على أن خداعهم كان ولا زال، كان ولا زال، كانوا نعم في الصدر الأول، منذ أن ظهر العهد المدني، وهم يخططون ويحيكون الدوائر على الإسلام والمسلمين، وانتهى أمرهم، لا زالوا، ولهذا وصد ربهم خداعهم بالمبارع، يخادعون، أي: استمرار، فهم لا زالوا حتى في هذه الأزمان يخادعون الله ويخادعون الذين آمنوا. نحن لا ندعي بأن النفاق قد انقطعت عنقه، لا، لا زالت له عنق تشرئب بين الفينة والأخرى، متى ما وجدت مرتعا خصبا ظهرت، لكن القليل من يطفطن لهم. ولهذا قد يقول: قال، فما أدراني كيف أعرف أن هذا من أهل النفاق؟ كما قال: «وليت أعرف أنه في لحن القول»، بقوله، بأفعاله. فإن رأيت رجلا مثلا يتكلم عن الدين دفاعا وحماية وحبا وتعظيما وإجلالا، ثم بعد ذلك تسمع له مقالات بالسر والخفاء والباطن، أنه يذم الدين، يذمه، ويهوم من أمره، ويحتقره، قل: هذا منافق، هذا منافق. ولهذا يا عبد الله ارجع إلى ما ذكره ربنا جل وعلا في حق صفات المنافقين، أهم صفات عظيمة. وللأسف تجد أن من المسلمين من لربما يتتبع قفى قفى المنافق، وذلك بأخذ شيء من صفاتهم، انتبه يا عبد الله، لا ترك لها أولا، وكن على حذر من صفاتهم، وهم من أخبث خلق الله، ويكفيك ذما في أمرهم أن الله قال في حقهم: «هم العدو»، فاحذرهم، هم العدو، ليس فقط أنك تعترف بالعداوة. فاحذرهم، فهم لا زالوا بيننا يعيشون في مجتمعاتنا، لكن تسعرفهم يا عبد الله بأقوالهم وأفعالهم، أين هي؟ موجودة في كتاب الله، ذكرها لنا ربنا جل وعلا واضحة، مبينة، مبينة بيانا جليا، من صفاتهم كذا وكذا، الاستهزاء بدين الله، الاستهزاء بشرع الله، التخذيل لأهل الإسلام، التعظيم لشأن الكفار، دواليك من هذه الصفات المبثوثة في كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾، وهم بخداعهم هذا في الحقيقة يخدعون أنفسهم، إذ أن خداعهم سينجري عليهم هم، ولن يضروا الله شيئا أبدا، لن يضروا الله شيئا، وسيعاقبهم ربنا جل وعلا من جنس عقوبتهم، إذ أنهم كما أنهم تسللوا بين المسلمين باسم الإسلام حتى يطعنوا في دين الله. فإنهم يوم القيامة كذلك، فإن المنافق يوم القيامة سيسير مع المسلمين مع المؤمنين، يريد أن يلتمس من نورهم، فيقال لهم: «ارجعوا وراءكم»، ارجعوا يا أهل النفاق، لو سمحتكم، فإذا رجعوا ضرب بينهم بسور، بسور يفصل بيننا وبينهم، خديعة كما خادعوا أهل الإيمان، سيعاملون بمثل هذه العقوبة، الجزاء من جنس العمل. فهم في ساحات العشر سيرون مع أهل الإسلام فرحين بما آتهم الله من خديعة، إلى أن يحق الله الحق، «ارجعوا»، فإذا رجعوا ضرب بينهم بسور، ففصل وميز بين المؤمن والمنافق، ينادونهم: «ألم نكن معكم؟» قالوا: «بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الآمال» إلى آخر الآيات. فذكرهم بصفاتهم الذي أخفوها في الدار الدنيا، فيفرحهم الله جل وعلا يوم القيامة، فهم في الحقيقة إنما بفعلهم خادعوا أنفسهم، وما خدعوا الله، وما كان لأحد أن يخدع ربنا سبحانه وتعالى. قال جل في علا: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾، ﴿في قلوبهم مرض﴾، وهو مرض الشبهة، مرض الشبهات، وهو مرض النفاق، ﴿في قلوبهم مرض﴾، قال: ﴿فزادهم الله مرضا﴾، عاقبهم الله من جنس مرضهم. وبهذا نعلم، كما يقول العلماء، إذ أن العقوبات من الله ما تنزل إلا لسبب، عقوبات الله ما تنزل إلا لأسباب، هؤلاء ابتلاهم الله بمرض في قلوبهم، فزادهم نفاق فوق نفاقهم، حتى تقبض أرواحهم وهم لا زالوا على هذا الكفر الغريض، حتى يعاقبهم الله العذاب الشديد. طب لماذا ابتلاهم الله بمرض؟ لأنهم هم الذين مرضوا أنفسهم، هم الذين أمرضوها، تخيل منافق يعيش في كنف المسلمين، بين المسلمين، الكافر، الكافر بعيد، بعيد عن أهل الإسلام، لو ربما ما يتعلم شيء من دينهم، وما ينظر إلى صفاتهم، ما يسمع شيء من قرآنهم، ولا يستمع إلى وعظهم وإلى إرشاداتهم، الكافر بعيد، يعيش في مجتمع غارق بالشهوات والشبهات، فالحج عنده ضعيفة. لكن منافق تعيش بين أهل الإسلام، منذ نعومة أظفارك، تعيش معهم وتنام معهم، وتبيت معهم، وتقيل معهم، وتأكل معهم، وتشرب معهم، وتعمل معهم، وتسمع آيات القرآن تتلى عليك ليلة نهار، ومع هذا كله ما نفع ذلك، هذا إيش معناه؟ مرض، مرض، أنت الذي أصدت، فلما كان هذا أمرك، ابتلاك الله من جنس فعلك، فزادك الله مرضا. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، إنما جاء الزيغ من عند أنفسهم، قال سبحانه: ﴿فزادهم الله مرضا﴾، ﴿ولهم عذاب أليم﴾، بمعنى عذاب مؤلم، بما كانوا يكذبون، لأنهم كذب، كذب في ادعائهم، وكذب فيما يدعونهم من الإسلام والإيمان. فهذا، أخوانا في الله، الآيات العظيمة، من الآيات الكثيرة التي فضحت وبيّنت ما يتعلق بأهل النفاق وبصفة المنافقين. وهذا، أخوانا في الله، إنما يتعلق بالكفر الاعتقادي، هذا الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الأكبر المخرج من الدين والملة، وهو الذي يظهر الدين ويبطن الكفر. وهناك كفر عملي، وهو كفر أصغر، وبالك أن تفعل أفعال يا عبد الله، وهو متعلقة بالعمل، أن تعمل أعمال يظنها الناس أنها على الدين، وإذ بك أنت تبطن الشر. ولهذا جاء في الحديث: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمنا خان»، هذا من الكفر الأصغر، وهذا ليس مخرج من الدين، وليس مخرج من الملة، لكن يعاب عليه صاحبه، وهي تعتبر من الذنوب العظيمة، من الذنوب العظيمة، لما فيها من التشبه بالكفرة في اعتقادهم. وأنت هذا بفعلك تشبهت في باب الأعمال، فالخلاص، إخوانا في الله، أن كفر النفاق من أنواع الكفر، وهو أن يقوم الرجل، ذكرا كان أو أنثى، فيظهر الدين والملة، وفي نفسه وفي قلبه قد أبطن الكفر والشرك، وذلك لمصالح يرجوها في نفسه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.