شرح أعلام السنة المنشورة  131

شرح أعلام السنة المنشورة 131

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 131، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم القدر وعلاقته بالعمل

يتناول هذا الفصل مفهوم القدر وعلاقته بالعمل، حيث اتفقت الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل. يجب على الإنسان أن يعمل ولا يتكل على القدر السابق لأنه لا يعلم ما كتب عليه.

الجد والاجتهاد في ضوء القدر

يشرح هذا الفصل أهمية الأخذ بالأسباب والجد والاجتهاد في ضوء الإيمان بالقضاء والقدر. يجب على الإنسان أن يجتهد في فعل الخيرات ويأخذ بالأسباب لتحقيق مصالح دينه ودنياه.

الإيمان بالقضاء والقدر وتطبيقاته العملية

يناقش هذا الفصل أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وتطبيقاته العملية مثل التداوي والأخذ بالأسباب. يجب الإيمان بالقضاء والقدر دون الاحتجاج به لترك الأعمال.

ختام وتأكيد على أهمية الدعاء والصلاة

يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «معارج القبول» رحمه الله تعالى: ماذا يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة؟ ماذا يقتضيه؟ أي ما الذي يستلزمه سبق المقادير، أي المقادير السابقة. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر لنا المقادير التي قدرها الله على العباد، والتي كتبت، فمنها المقادير التي أخذت وكتبت في اللوح المحفوظ، ومنها الميثاق، ومنها الكتاب العمرية، ومنها ما كان في الأجنة، ومنها الحولية، ومنها اليومية. وقد أطنب المؤلف رحمه الله تعالى بذكر هذه المقادير والأدلة عليها. وهذه المقادير كما قلنا فيها قدر ربنا على العبد ما يكون من حالته من سعادة أو شقاوة. ما الذي يقتضيه هذا؟ إذا علم العبد أن هذا قد قرر بأن الله قدر له حاله سعادة وشقاوة وهو في الأزل، فما الذي يقتضيه هذا المقام؟ فقال هنا بهذا السؤال: ماذا يقتضيه سبق المقادير بالشقاوة والسعادة؟ قال رحمه الله تعالى: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل. الآن المؤلف رحمه الله تعالى سيجيب على هذه المسألة التي طرحها بإجابة وافية شافية مختصرة. وهذه الإجابة هي في الحقيقة مأخوذة ومنتزعة من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في كتابه الفذ «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليم». إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الحافظ الحكمي رحمه الله، سار على ما سار عليه ابن القيم، إذ أن ابن القيم رحمه الله تعالى هو الذي ذكر لنا هذه المقادير الحولية والعمرية واليومية وما كان في الميثاق، إلى أن وصل رحمه الله تعالى إلى هذا الفصل. فالحكمي سار مع ابن القيم، فقسم لنا المقادير إلى أن وصل إلى هذه النتيجة المهمة. إذا فما نسمعه من كلام المؤلف رحمه الله تعالى، وفي الحقيقة مأخوذ من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في «شفاء العليل». قال رحمه الله تعالى: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل. هذا واجب ينبغي أن يفهمه الجميع، الخلق. القدر السابق وما كان في الأزل، ما كتب عليك، ما قرر لك، هذا ليس ذريعة يا عبد الله إلى أن تترك العمل بحجة بأن الله قد قدر عليك. طب ما الذي قدره ربنا عليك؟ لو سألنا سائلًا -مثلًا- ممن يحتج بالقدر فترك الأعمال الصالحة -مثلًا-، ما نسمع من تلك الإسطوانة المملة من بعض أهل السذاجة: إذا رجل نصح عن سبب تركه للصلاة، عن سبب تركه للصلاح والفلاق، يا الله يا الآن ما كتب علي هداية، وأن الله قد ضرب علي الشقاوة، فلا زال يتخرص بهذه التخرصات. لو سألنا أحد هؤلاء: كيف عرفت؟ كيف عرفت أن الله كتب عليك في الأزل بأنك ضال، بأنك تارك للصلاة، بأنك قاطع للأرحام، بأنك ستكون على هذه الحال؟ ما الذي أبان لك؟ هل استطعت أن تصل إلى اللوح المحفوظ؟ ما استطعت. هل قرأت ما في الميثاق الذي أخذه ربنا وأنت في صلب آدم عليه السلام؟ ما كنت هناك، وما تدري ماذا كان؟ إذن أنت في بطن أمك، هل طلعت على ما أوحاه الله إلى الملك؟ فسمعت وأنت جنين ما الذي سيكون في حالتك؟ قطعًا لا. إذن ما الذي أظهر لك يا عبد الله أنك ستكون على هذه الحالة؟ ما يتعلى إخواني في الله في القدر السابق هو قدر مجهول، ما أحد يدري به. أمر استأثر الله جل وعلا بعلمه، ما يعلمه أحد من خلق الله أبدًا. ما أحد يعلم ما الذي سيكون في غد، بل ما أحد يدري ما الذي سيكون بعد لحظة، ما أحد يدري إلا الله عز وجل. فكيف يجزم بعض الناس بأن الله قد كتب عليه كذا، وأن الله ضرب عليه كذا، وأني محسوب من أهل الشقاوة؟ ما أحد هذا إخواني في الله، هذا تلاعب الشيطان على كثير من الآدميين. فنحن أمام مسألة يجهلها جميع الخلق، أخفاها الله. ولهذا قال العلماء: القدر سر الله، هو سر سر الله، ما أحد يدري ما الذي كتب له. فكيف يتبنى بعض الناس مثل هذه الآراء الشاذة والأفكار الفاذة فيقول: أنا كتب علي كذا، وكتب علي كذا، ولم تكتب علي الهداية؟ فهذا محض افتراء، بل هذا سوء ظن بربه، سوء ظن بالله. يعني ما تجد إلا أن الله كتب على هذا الضلال، ما هذا الرب؟ إذا كان الناس بهذه المثابة، كل أحد منا أصبح يظن في ربه هذا ظن، إذا ما هذا الرب؟ هذا إساءة الظن بالله عز وجل. إذا كل متهوك إذا سئل عن ضلاله يرجع ذلك إلى أن الله قد كتب عليه، كتب عليه، لا. الله ما كتب عليك؛ لأنك ما تدري ما الذي كتب عليك أصلا، فلا تفتري على الله كذبًا يا عبد الله. ولهذا قال مؤلف «معارج القبول» رحمه الله تعالى: اتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح. هذا الذي يستدعيه القدر السابق. وسيأتي معنى هذا الملحظ من كيف ذاك؟ قال رحمه الله تعالى: ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها، قال بعضهم: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: لا، اعملوا؛ فكل ميسر، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية. هذا قد مر معنا هذا الحديث، ونحن في هذا الفصل في مسألة الإيمان بالقضاء والقدر، هذه مسألة التي موجودة وقدحت في أذهان الكثيرين. نعم، انقدحت في أذهان بعض الصحابة عندما علموا أن الله قد كتب مقادير العباد قبل خمسين ألف سنة، فقال بعضهم: لماذا نعمل إذا كان هذا قد كتب علينا وقرر لنا ونحن في الأزل؟ إذا لماذا نعمل؟ قال له نبيه: لا، اعملوا. إذا أمر نبينا بالعمل، ويكفيك هذا الأمر الشرعي، أنت ملزم بالعمل، اعملوا. ثم أتت البشارة: فكل ميسر لما خلق له، كل ميسر لما خلق له. ما أنت عليه يا عبد الله من طريق، ما أنت عليه من سيرة، هو في الحقيقة حكاية لحالتك عند الله. طريقتك، حالك، هو في العقدة هو القدر، هذا هو القدر الذي أراد ربك أن تكون عليه. طريقتك، حالتك، هي القدر السابق. يقول رحمه الله تعالى: فالله سبحانه وتعالى قدر المقادير، وهيأ لها أسبابًا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد. وقد يسر كلًا من خلقه لما خلقه الله له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له، ميسر له. فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها، كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم من ذلك في أسباب معاشه ومصالح دنياه. وقد فقه هذا كل الفقه من قال من الصحابة: لما سمع أحاديث القدر، ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن. هذه المسألة إخواني في الله، وهي لو أن أحد علم أن الله عز وجل قد قدر المقادير في السابق، لكن هناك مؤشر، مؤشر به تعلم ما الذي قد كتبه الله عليك في الأزل. ما هو المؤشر؟ حالتك الذي أنت عليه. فكل ميسر لما خلق له. فإن رأيت من نفسك أنك تنجذب إلى أبواب المساجد، وإلى حلقات العلم، وإلى صلة الأرحام، وإلى التحلي بالأخلاق والفضائل والمكارم، تنجذب إن جذابًا لهذا، اعلم أن الله أراد بك خيرًا. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة، فسنيسره لليسرى. فربنا جل وعلا نعم قرر النتائج، لكن هذه النتائج تحتاج إلى أسباب. أين أسبابها؟ إذا أنت يا عبد الله تطمع في رضا الرب عز وجل، إذن أين الأسباب؟ أسباب الرضا، الصلاح، الفلاح، الإيمان، التقى، وهكذا. قل: من كان من أهل الشر، من رأى من نفسه أنه منجذب للشر، قابع واقع فيه في ليله ونهاره، كفر وشرك وبدع ومعاصي، كبائر، موبقات، رذائل، لا زال هذا حاله، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وهو يستميث على هذه الطريقة، يعلم العبد أن الله أراد به شرًا بماذا؟ بالذي أنت عليه، بالذي أنت عليه. أنت بنفسك يا عبد الله اخترت هذا الطريق، لم يلزمك به أحد. قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ النجد هو المكان المرتفع، سمى ربنا طريق الخير نجدًا، وسمى طريق الشر نجدًا. ما وجه التشبيه هنا؟ بمعنى أن أبواب طريق الخير واضحة كالعقبة مرتفعة، هذا نجد الخير، طريق الخير، الصلاح، الفلاح، الإيمان، واضح، من أراد الخير وجده، ثم لن يضيع. ومن أراد أبواب الشر موجود، واضح، فلا يلتبس الخير بالشر، ما يلتبس هذا على ذاك أبدًا، لكن من خاض إلى أحد الطريق إنما خاض بمحضر اختياره. يذهب أعطاك ربنا الهداية: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فإخواني في الله حقيقة ما يكون عليه العبد هو في الحقيقة ما قدره الله عليك. ولهذا لماذا ذكر المؤلف عن بعض السلف أن قال: لما سمع بأحاديث القدر اشتد في الاجتهاد؛ لأنه يعلم بطريقته في دنيا هو قدر الله السابق. إن قال قال: أنا والله لا أجتهد، لا أجتهد. يا عبد الله، هذا مؤشر على أن الله أرادك من أهل السعادة، هذا مؤشر. فعلم الله، قدر الله السابق إخواني في الله، وفي الحقيقة دافع لنا إلى فعل الخيرات. ودائمًا نكرر ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في باب القدر: نحن نؤمن بالقدر، ولا نحتج به، لا تحتج به الاحتجاج المفضي إلى ترك العمل. لا نؤمن نؤمن بالقدر خيره وشره، لا نحتج به، لا نتكل عليه، نمضي قدما؛ لأن قدر الله سر، ما أحد يدري به، هو مجهول. وإنما أنت في دنياك تقبل يا عبد الله بالذي ينفعك، بما دل عليه الشرع، بما دل عليه العقل، بما دلت عليه التجربة، تقبل على الذي ينفعك بهذه المعطيات. أما أنك تترك يا عبد الله بما دل عليه الشرع والعقل والتجربة، ثم تتكل على القدر، لا يا عبد الله؛ فإنك بهذا كاذب على نفسك أولًا قبل كل شيء. قال رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». استعن بالله. إذن أمرك شرع بالعمل، تعمل. وهكذا إخواني في الله، ما من شيء إلا ويحتاج إلى عمل. الرزق، رزقك يحتاج إلى عمل. فهل تصدق يا عبد الله رأيت رجلًا جالس في مكان قابع في سارية، لا يعمل، ولا يشتغل، ولا يكيد، وليس له مورد رزق، ثم تقول: يا خليش لما تعمل؟ قال: الله كتب لي أرزاق، وإن شاء الله ما كتبه الله لي سيأتيني. ما سيأتيك بهذا الصور، بهذا العبط، ما سيأتيك. يقول علماؤنا: الالتفات إلى الأسباب شرك، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا قدح في العقل، قدح في العقل. فربنا أمرك أن تأخذ بالأسباب، سواء كان في أمور الدنيوية أو في الأمور الدينية. في الأمور الدنيوية إذا أردت رزقًا، قال ربنا: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهَا﴾ أمره بالمشي، امشي، اسعى في الأرض. وهناك أسباب شرعية للرزق، وهناك أسباب مادية للرزق، لكن تأخذ أسبابًا. الدعاء سبب من أسباب الرزق، تأخذ بالأسباب، لكن أنما لا تفعل، لا هذا ولا ذاك، هذا ليس بصحيح. ولهذا قال: ومحو الأسباب قدح في العقل. مثاله: ما لو أن رجلا قد بلغ من العمر عتية، وما تزوج، تقول لي أخي: ليش ما تزوجت؟ ما تريد ذرية؟ يقول: لا، لا أنا أريد ذرية، ومن ذا الذي لا يطمع بالذرية؟ تحمل اسمك من بعدك، وينفعونك إذا كنت قاب قوسين من موتي، ما الذي ينفعوني إلا الذرية؟ قلت: يا أخي طيب تزوج، إيش أتزوج؟ أريد ذرية، نعم أريد ذرية، تزوج. ما في داعي تزوج، كيف ستأتي الذرية من الله؟ والزواج قال: لا، ما ضروري. هل هذا يعقل إخوانا في الله؟ هل هذا يمكن أن يتصور أن يأتيك ذرية من غير زواج، بحجة الاتكال على الله؟ ما عند الله بأن إن قدر لي ذرية سأتأتيني من غير أخذ بالأسبابها؟ فبحو الأسباب أن تكون أسباب قدح في العقل، هذا ليس بالرجل سوي، بل هذا مختل عقلية. والالتفات إلى الأسباب شرك. ومعنى الالتفات هنا الاعتماد، التوكل على الأسباب، لا تتخذ نعم، أنت مأمور بأخذ الأسباب، لكن مع أخذك بالأسباب تتوكل على الله سبحانه وتعالى، لا تلتفت إليها، ولا تعتمد عليها، وإنما هي سبب من الأسباب، ومسبب الأسباب والله جل في علام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». وقال عليه الصلاة والسلام: لما قيل له: أرأيت دواء نتداوى به، ورقى نسترقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله». أي: التداوي لا ينافي قدر الله سبحانه. وربنا قدر عليك المرض، إذن تعالج من هذا، تأخذ الأسباب التي تدفع عنك هذا الضر، وكل ذلك من قدر الله. لكن هذا الحديث الذي ساقه المؤلف الطارف لا فيه ضعف، رأوه أحمد والترمذي، وفيه أبو خزامة، أبو خزامة متكلم فيه، وإن كان معدود من التابعين، إلى أنه مضطرب الحديث، ولم يثقه معتبر، ففيه اضطراب وجهالة. لكن يغني عنه أحاديث كثيرة. قال نبيه: «تداووا عباد الله، تداووا عباد الله». فنبي أمر بالتداوي. فإذا أصبت بمرض -معنا- مرض هو من عند الله جل وعلا، المرض من عند الله سبحانه وتعالى، لكن هل معنى هذا أنك تترك المرض يأكلك؟ لا، تداوى، استخدم العلاج. «عباد الله» والعلاجات كثيرة، منها علاجات شرعية، جعل الشفاء أمتي في ثلاث. أو أسباب كونية مما دلت عليها التجربة بعملية، عقاقير، تحاليل، لكن تتعالج، تداو. ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يتعالج، صلوات ربي وسلامه عليه. ولهذا فليس هذا ذريعة لترك العمل، وقس على ذلك يا عبد الله في الأسباب المادية والدنيوية والشرعية، أنك تأخذ بالأسباب المفضية لما فيه سلامتك، لما فيه سلامتك مما دل عليها الشرع، ودل عليها العقل، ودل عليه التجربة. قال: يعني أن الله تعالى قدر الخير والشر، وأسباب كل منهما. الخير والشر من عند الله، فربنا هو الذي خلق الخير، وهو سبحانه خلق الشر، من شر ما خلق، تستعذ بالله الذي خلق الشر سبحانه وتعالى. لكن مع أن الله هو الذي خلق الشر، لكن لا يوصف ربنا به، أفعال الرب لا توصف بالشر. ولهذا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك». ففرق بين هذا وذاك. الشر إخواني في الله مسألة أن نستفيدها في هذا المقام، لناس بذكرها مسألة أن تؤمن أن الله قدر عليك الخير، وقدر عليك الشر. ما معنى؟ معنى بأن الله قد علم ذلك سلفًا، وقد كتب ذلك، وشاء ذلك، وخلق ذلك، كل ذلك سيأتي معنى في مسألة القضاء والقدر، علم، وكتب، وخلق، وشاء سبحانه وتعالى، هذا عليه الخير والشر. لكن كون أن الله عز وجل قدر عليك الشر، ليس معنى أن الله يوصف ربنا بشر، تعالى الله. ولهذا في الدعاء: «والشر ليس إليك». «والشر ليس إليك» أي: لا نصف الله بشر. وجه ذلك إخواني في الله: أفعال الله كلها خير، أفعال الله كلها خير، كلها خير، علمها من علمها، وجاهلها من جاهل. لكن الشر أين يكمن؟ الشر يكمن بالنسبة للآدمي، الشر يكمن بالنسبة إليك، شيء يقع عليك باعتباره لك شر. لكن باعتبار فعل الله خير لك، مثاله: رجل قدر عليه فقد قريب، مات ابنه أو ضاع ماله، فقدان الابن، فقدان المال، هذا أمر شر بالنسبة إليه. والشر يعرفه العلماء: ما لا يلائم طبيعة الإنسان، ما لا يلائم طبيعة الإنسان، هذا هو الشر بعينه. فكون فقد المال، فقد الولد، فقد الأهل، فقد حبيب، ذهاب شيء يسرك، ذهاب، هو شر بالنسبة إليه. لكن بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا إنما حب للمسألة بعامة، ليس في هذه الجزئية. فربنا إنما قدر عليك فقد المال، فقد القريب، لحكمة، لحكمة رفع الدرجات، تكفير السيئات، أن تتسلح بالصبر، أن تلتجأ إلى الله، أن الله يدفع عنك به شرورًا. كقصة خضر مع موسى، قتل الغلام، هذا شر بالنسبة للوالدين، لكن أليس كان هذا خيرًا؛ لأن الولد إذا كبر سيكون عاقًا عاقًا لهما؟ فكان في ذلك خير لم يعلمه الوالدان، لكن علمه الله سبحانه وتعالى. فكل ما يفعله الله خير، لكن باعتباره لا يكون شر، لكن باعتباره خير. ولو أصبت بالذي أصبت به، مثاله: تذهب يا عبد الله وقدر الله برجل أصيب ابنه بمرض، فأخذ به إلى العيادة، ومن ثم إلى المستشفى، ومن ثم إلى إخصائي، ومن هنا جاءت الفاجعة بأن هذا الدكتور قرر بأن يد الإبن تبتر، تقطع. هذا الفعل يا أب تراه شر، وابنك يراه شر، لكن بالنسبة للدكتور الذي أمر بهذا، هذا خير، قل: هذا خير؛ لأنه إن لم أبتر هذه اليد سيذهب الجسم كله، وأنا ما أعرض ذهاب الجسم ابنك أبدًا. لو ترك هذا الصراطان يستشري، لا ذهب إلى داخل أعضاء، من ثم لا نستطيع، يدخل إلى القلب وينتهي الإبن برمته. فلا ذهاب هذا العضو أهوى من ذهاب الجسد. فانظر يا عبد الله ولله المثل الأعلى، له الحكمة. فربنا الحكيم الذي يضع الأمور لغايات حميدة، غايات أتم تشعر بهذا، أتم تشعر لهذا، سلم يا عبد الله بقضاء الله وقدره. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ترضى وتقنع بقضاء الله وقدر. وهذا مسألة إخواني ستأتي معنا، ومنهم قد مر في هذا الباب. لكن خلاصة ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه العبارة التي نقلها عن ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان على أن ما كان من القدر السابق من سعادة وشقاوة لا يقتضي بحال ترك الأعمال. امضي يا عبد الله، وعملك هو الذي سيهيئ لك المقام الذي تستحقه عند ربك. إن عملت صالحة: من أعطى واتقى وصدق بالحسنة، فسنيسره لليسرى. وأما العكس: ومن بخل، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنة، فإنه ييسر للعسرى. من أراد أن يدخل في الحرام، ويأكل حرامًا، ويفعل حرامًا، أن له الجنة، فلهذا إخواني في الله، فكما قال شيخ الإسلام: نحن نؤمن بالقدر، ولا نحتج به. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.