شرح أعلام السنة المنشورة  115

شرح أعلام السنة المنشورة 115

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 115، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الإيمان بالجنة والنار

الإيمان بالجنة والنار جزء من الإيمان باليوم الآخر، وقد دلت عليهما الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يجب على المسلم أن يؤمن بوجودهما على الحقيقة.

أقسام الناس في فهم الجنة والنار

يتناول المقطع أقسام الناس في فهم الجنة والنار، حيث يعتبر إنكار وجودهما أو تأويلهما إلى معاني باطنية كفرًا بإجماع الأمة. يؤكد على أهمية الإيمان بوجودهما حقيقةً.

الخلاف في مكان النار وأقوال العلماء

اختلف العلماء في مكان النار بين ثلاثة أقوال: أنها في السماء، في الأرض، أو التوقف. استدل كل فريق بأدلة من القرآن والسنة، ورأى بعض العلماء أن القول بالتوقف هو الأحوط.

ختام الدرس وتأكيد على الطاعة

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشدد على الطاعة والاعتراف بعلم الله تعالى. يُظهر المقطع الختامي التأكيد على هذه الأمور.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالجنة والنار؟ ما دليل الجنة والنار؟ هذا الموضوع، وهذا السؤال إنما طرحه المؤلف رحمه الله تعالى لما له تعلق بالإيمان باليوم الآخر، فإن الإيمان باليوم الآخر لا يكون ولن يتم إلا بالإيمان بالجنة والنار. والجنة والنار، إخواني في الله، عبارة عن دار الجنة، دار أعدها الله عز وجل لعباده الأخيار، وأما النار فهي دار أعدها الله جل وعلا للكفار والفجار، فهي دار جعلها الله لأهلها، وكلٌّ بحسب عمله. فإن من عقيدة المسلم أن يؤمن بوجود الجنة، ويؤمن أيضًا بوجود النار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ الآية. في هذه الآية، وآياتٌ كثيرة، أخبر فيها ربنا جل وعلا عن وجود الجنة وعن وجود النار، وهذا يكون في اليوم الآخر. وقد مرَّ معنى أن الدور ثلاثة: دار الدنيا دار عمل، والبرزخ دار انتظار، والجنة والنار هي دار الجزاء. هناك يجزي ربنا سبحانه وتعالى الناس. قال: وفي الصحيح من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل: «ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاءك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق» الحديث. وهذه مما يعتقده المسلم، والحق كما ذكره العلماء أنه في لغة العرب بمعنى الشيء الثابت المستقر. هذا معنى الحق في اللغة: الشيء الثابت المستقر الذي لا يزول. فمن عقيدة المسلم أن تعتقد بأن الجنة والنار حق، ومعنى حق: بأنك تجزم بوجودهما وأنهما على الحقيقة، وأنهما داران خلقهما الله سبحانه وتعالى. وهذه العقيدة لا تتزحزح، ولهذا من شك أو تردد أو أصابه ريب بالجنة والنار فهو كافر، وعلى هذا إجماع الأمة؛ لأن هذه حقائق لا تقبل التشكيك ولا تقبل التردد. ينبغي أن تعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا. فالجنة دار عظيمة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، جعل الله فيها ما لذ وطاب من طعام وشراب. تؤمن بهذا، فيها من الأنهار، وفيها من الجنات، وفيها من البساتين، وفيها من الأشجار، وفيها من الطيور، وفيها ما أعده الله. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: الأكل والشرب في الجنة ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وهو معلوم بالإضطرار من دين الإسلام. ثم بيَّن رحمه الله تعالى شيئًا من نعيم الجنة من أنهارها وأشجارها. ثم قال رحمه الله: وإنما المخالف في ذلك أحد رجلين: إما كافر وإما منافق؛ الذي يكابر والذي ينكر هذا النعيم وما جعله الله سبحانه وتعالى فيه من الطعام والشراب وما لذ وطاب، فهذا كافر أو منافق، وكلاهما في الدرك الأسفل من النار. قال: وقوله عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». قال: أخرجاه. وفي رواية: «من أبواب الجنة الثمانية أيهما شاء». وهذا الحديث كما سبق فيه بيان على أن الجنة حق والنار حق. وهنا خالف في حقيقة الجنة أقوام، خالف من خالف ونازع من نازع بحقيقة الجنة، مع أن حقيقة الجنة والنار ثابتة عند جميع أهل الملل، عند اليهود عند النصارى، حتى أن اليهود صرَّحوا: «لن تمسَّنا النار إلا أيامًا معدودات». وقالوا: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى». فهم يخبرون بهذا، يقولون بهذا: بأن الجنة هي مأوانا والنار هي مأواكم، فالكفار، فاليهود والنصارى وأهل الكتاب وأهل الملل يؤمنون بالجنة والنار. لكن نازع في ذلك الملاحدة من الفلاسفة، أنكروا وجود الجنة والنار، فتزعم الملاحدة، ودخل في حقهم كذلك القرامطة من الفرق الكافر المرتدة، يعتقدون أن الجنة والنار ليست حقيقية وإنما هو ضربٌ من الخيال، أمر خيالي، وإنما يذكره ربنا لعباده من باب تشجيعهم على الأعمال، والنار غير موجودة، ليس هناك نار على الحقيقة، وإنما هو مثل وخيال يضربه ربنا لهؤلاء الفجار على وعسى أن يرتدعوا. كما يفعل بعض الناس إذا أراد أن يخوف أبناءه من شيء: «إن لم تفعل كذا ستأتيك أم الصبيان»، أم الصبيان هذه تفعل، ومن هي أم الصبيان؟ خيال، لا عندنا شيء اسمه أم الصبيان، لكن بعض المربين يفعل هذا، يخوف أولاده أو الصغار بأشياء وهمية ليست حقيقية. ما الذي يريد بهذه الأشياء الوهمية؟ أنه يخوف هؤلاء حتى يرتدعوا. قالوا: وهكذا في حق ربنا، ما فيه لا جنة ولا نار أصلا، وإنما هي أشياء خيالية يضربها ربنا لعباده تجيعًا للعمل الصالح وتنفيرًا من عمل السيئات. من قال بهذا فهذا كافر بإجماع الأمة، لا شك ولا ريب في كفره. طائفة ثانية هم كذلك على هذا النسق، أناس اعترفوا بالجنة واعترفوا بوجود النار، لكنهم أولوها، فقالوا: إن الجنة إنما هي عبارة عن أشياء روحانية، أشياء تتنعم بها الأرواح، هذه الجنة، فما عندي دور، ما عندي قصور، ما عندي جنات، ولا عندي أنهار، وإنما هي أشياء روحانية يجعلها ربنا لعباده الأخيار يوم القيامة بأن يسكنهم هذه الدار، وهي دار ماذا؟ الروحانية والمعاني الطيبة الرفيعة، هذا الذي يجدها أهل الجنة فقط. وأما أهل النار فما يجدونه مما ينغص حالهم وصدرهم من الضيق، فهي معاني باطنية. هذه حقيقة الجنة والنار. وهؤلاء أيضًا كفار، وهذا قال به جماعة من المبتدعة من الفرق الباطنية ومن غلاة المتصوفة، ما يؤمنون بجنة والنار الذي يؤمن بها أهل الإسلام، وإنما يعتبرونها أشياء روحانية. يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى مبينًا كفر هؤلاء وكفر هؤلاء: كفر من أنكر الجنة جملة وتفصيل، وكفر من أقر بالجنة والنار لكن جعلها معاني باطنة. قال رحمه الله تعالى: وكل من أنكر الجنة أو النار أو البعث والحساب فهو كافر بإجماع المسلمين. ثم قال: وكذلك من اعترف بذلك، أقر بالجنة والنار، اعترف، قال: وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر معنى غير ظاهره، ليس هو المعاني المتبادرة إلى الظاهر، لا، ليست على ظاهره، وإنما هي لذات روحانية ومعاني باطنة، لذات روحانية ومعاني باطنة. هؤلاء ماذا؟ هؤلاء كذلك كفار. فهؤلاء كفار، وممن يدخل في طريق الكفر، ومن هج الكفر، من جعل الجنة والنار طريقًا للاستهزاء، طريق الاستهزاء، كما يسميه في هذه الأزمان بالنكت، بعضهم يأتي بالجنة فينكت، ويأتي بالنار فينكت، يستهزئ بالحور، يستهزئ بالأنهار، يستهزئ بثمارها، يستهزئ بأهلها، ويأتي إلى النار ويستهزئ بها. فمن استهزئ بشيء من وعد الله ووعيده، فاستهزئ بالجنة والنار، فبالإجماع كافر، فبالإجماع هو يكفر. ولهذا، إخواني في الله، فنعلم أن الجنة حق وأن النار حق، بمعنى أن نؤمن بأنها خلق من خلق الله، أوجدها الله سبحانه وتعالى، أوجد الله هذه الدار لأهلها، من عمل صالحًا فللجنة، ومن عمل سيئًا فللنار، ورب يتغمد برحمته من يشاء جل في علاه. ونؤمن كذلك بأنها ثابتة، وأنها حقيقية، لها لذات، وأن الإنسان يوم القيامة في الجنة بروحه وبجسده يتلذذ، إذ أن اتصال الأرواح بالأجساد يكون على أكملها في الجنة، على أكمل حال من اتصال الأرواح بالأجساد، فيكمل فيها التلذذ. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر الجنة والنار. وسيأتي معنى مسائل هنا، مسألة كذلك المؤلف ما عرج عليها، وهي مسألة لربما تجول في خواطر بعض الناس: أين محلها؟ أين محل الجنة والنار؟ هي حقيقية، وسيأتي معنى أنها موجودة، لكن أين هي؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، وخاصة فيما يتعلق بمحل النار. أما محل الجنة فكادت الكلمة تتفق، بل قد اتفقت، وهذا ظاهر النصوص على أن الجنة في السماء، الجنة في السماء. وأدلت ذلك كثيرة، منها ما قاله عليه الصلاة والسلام: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن». إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، دل على أن الجنان في القمة رفيعة. فهذا استدل به العلماء على أن الجنة في السماء. الإشكال الأكبر وقع في النار، أين محل النار؟ وهذا تنازع قد كان بين أهل السنة بين علمائها من خلال النظر في أدلة القرآن والسنة. فذهب طائفة من العلماء إلى أن النار في السماء، ومن قائل أن النار في الأرض. طائفة من أهل العلم ذهب إلى أن النار في السماء، وأعظم استدل به هؤلاء استدلوا بقصة الإسراء والمعراج، وأن النبي لما أعرج به إلى السماء أخبر عليه الصلاة والسلام بأنه رأى الجنة ورأى النار، رأى الجنة ورأى النار، فأين رآها؟ لما كان في السماء، لما كان في السماء فرآها، أطلعه ربنا عز وجل على هاتين الدارين. فقالوا: لهذا الدليل واضح على أن الجنة في السماء، وكذلك النار في السماء. هذا القول. الثاني: من قال أن النار في الأرض، ومن قال أن النار في الأرض كذلك اختلفوا أين هي بالتحديد؟ ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها موجودة في البحار، وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها موجودة في أسفل الأرض، كما صرح بذلك الإمام البربهاري رحمه الله تعالى: «والنار في أرض السافلة السابعة»، أو في الأرض السابعة السفلاء، ذكر ذلك البربهاري في شرح السنة بأنها في الأرض السابعة السفلاء. فالذي يقول أنها في الأرض إما أن يقول أنها في البحار، ومنهم من يقول أنها في باطن الأرض، ومنهم من توقف، ومنهم من يقول: هي في الأرض، هي في الأرض، لكن أين بالضبط في أي جهة؟ يقول: الله أعلم، لكنها موجودة في الأرض. وجهنم يؤتى بها، يؤتى بها تجر، «وجيء يومئذ بجهنم»، فجهنم يؤتى بها، يجر لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فمن أين أتي بها؟ فالله أعلم. فالذي يقول أنها من الأرض يجيء بها من تحت الأرض، ومن قال أنها في البحار فهي في البحار. ومن استدل بالجملة على أن النار هي موجودة في الأرض له أدلة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾، وقد جاء في السنة من حديث البراء بن عازب أن الله عز وجل يقول لهذه الروح الخبيثة، روح الكافر والمنافق: «ارجعوا روح عبدي إلى الأرض السفلى إلى الأرض السفلى». وهذا معنى السجين أنه في الأرض السفلى، فهذا دل على أن الكفار إنما أرواحهم تبعث إلى جهنم في الأرض السفلى. وأيضًا استدلوا بنفس حديث البراء: أن الأرواح عندما تصعد تصعد إلى السماء، عندما تأخذها ملائكة الموت، فيصعدون بالأرواح إن كانت أرواح مؤمنة تفتح لهم أبواب السماء، وإن كانت الأرواح كافرة ومنافقة فماذا يكون؟ تغلق عليهم أبواب السماء، تغلق، تغلق عليهم أبواب السماء، دل، ثم ترجع إلى الأرض، إذن دل على أن النار أين هي؟ ليست في السماء. قالوا: كانت في السماء لو سمحت بأرواحهم أن تعرج إلى السماء ثم تذهب، لكن ماذا؟ تغلق أبواب السماء دونهم، فتنزل، فتنزل أرواح الكفر والفجار، دل على أنها النار موجودة في الأرض. فهذه أقوال، إخواني في الله، أقوال علماء. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يرى أن النار في الأرض، لكن يقول: الله أعلم، لا نقول أنها في البحار، ولا أن نقول أنها في باطن الأرض، الله أعلم، لكنها في الأرض. ولما نوقش رحمه الله تعالى حول كيف هذا؟ وقد أخبر نبينا أنه لما كان في السماء رأى الجنة ورأى النار، دل على أن النار في السماء. قال: المشاهدين لا، ليس النار في السماء، بدليل قال: بإمكان النبي أن يرى النار وهو في السماء وهي في الأرض. ثم مثّل رحمه الله تعالى بحال الرجل في طائرة، تبقى أنت في طائرة في العلو وتنظر إلى الأرض وأنت أين؟ في السماء في العلو، ثم تنظر إلى الأرض تحتك. قال: وهذا ليس بأمر بالعسير على الله عز وجل أن النبي في السماء وأطلعه ربنا على النار وهي في الأرض يراها من بعد، بهذا قد رأى النار عليه الصلاة والسلام. وهناك قول ثالث وهو قول من يقول بالتوقف، بالتوقف، وهذا قول جماعة من أهل العلم، صرح بهذا السيوطي رحمه الله تعالى، قال: والأمر عندنا التوقف، لا نتكلم أحيانًا أين محل النار، الله أعلم، لا نقول: لا في السماء، ولا نقول: في الأرض، إنما نقول: علمها عند الله. وهذا قول قال به جماعة، كذلك ولي الله الدهلوي في عقيدته: «وأن محل النار نتوقف به». ونصر هذا القول صديق حسن خان رحمه الله تعالى، قال: وهذا القول من أظهر الأقوال وأحوطها. فهذه أفضل الأقوال يراها: أن نتوقف، إذا سئلنا عن محله: ما تقول؟ الله أعلم به. هذا، إخواننا في الله، خلاصة مبحث ما يتعلق بالجنة والنار من حيث أنها حقيقة، وأنها خلق من خلق الله، وأنها موجودة، وأنها دار للنعيم، والنار دار للجحيم، وأن الله أعد لهذه أهلًا ولهذه أهلًا. وسأتي معنى كذلك في دروس قادمة ما يتعلق بمسائل تتبع وتلحق بأمر الجنة والنار. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.