الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الرفق يمنع الندم ويجلب المدح، وقد وردت أحاديث تؤكد أنه خير كله. الرفق يزين الأمور بينما العنف يسبب الندم والذم.
التأني والرفق ضروريان في التعامل مع الأمور، والعجلة قد تؤدي إلى الندم. التأني يؤدي إلى السلامة من العواقب السيئة.
الرفق يبني والخرق يهدم، ومن يحرم الرفق يحرم الخير. الرفق يزين الأمور وعدم الرفق يشوهها.
المقطع ينتهي بالدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وهو عمل صالح ومستحب في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو الفتح البستي -رحمه الله- في منظومته «عنوان الحكم»: «ورافق الرفق في كل الأمور، فلم يندم رفيق ولم يذممه إنسان». قال الشارح -فقهه الله-: «ورافق الرفق» أي صاحبه ولازمه، وكن من أهله، يعني من أهل الرفق في الأمور وعدم العجلة. قال: «فكفي كل الأمور»، أي في جميع أمورك تعامل بالرفق، ابتعد عن الاندفاع والرعونة والتهور أو الطيش والعجلة والعنف، ابتعد عنها، ولازم الرفق في كل الأمور، «فلم يندم رفيق»، يعني من يتعامل مع الناس برفق لم يندم يوما من الأيام؛ لكونه يتعامل بالرفق؛ لأن الرفق -كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام-: «خير كله». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وقال: «إن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». فإذا كانت أمور الإنسان بالرفق لم يصبه الندم. «ورافق الرفق في كل الأمور، فلم يندم رفيق»، يعني من كانت أموره وأعماله وأحواله ملازمة للرفق، فإن أمورهم وافقة ومسددة، ولا يندم على ما حصل، بخلاف ما لو نزع الرفق. قال: «ولم يذممه إنسان»، يعني لم يذمه أحد لرفقه وهدوءه ورزانته وتؤدته. ولكن الناس دائما يذمون العجل الطائش المتهور المندفع، هذا دائما يذمونه الناس، فهو يندم من جهة، والناس يذمونه من جهة أخرى. والتؤدة -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام-: «التؤدة في كل أمر خير، إلا في أمر الآخرة». التؤدة يعني التأني والرفق وعدم التعجل، خير في كل أمر، سواء يعني أمرا دنيويا أو أمرا خاصا أو عاما، إلا في أمور الآخرة، فأمور الآخرة لا بد فيها من المسابقة والتنافس. ﴿وسابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وفي ذلك بالتنافس المتنافسون. فأمور الآخرة يستحب فيها التعجل والتسابق، أما في أمور الدنيا، فالمستحب فيها التأني وعدم التعجل، سواء في يعني أمر النكاح، أو أمر السفر، أو أمر التجارة، أو ذلك من الأمور، يتأنى الإنسان، أو أراد أن يشتري شيئا فيتأنى ولا يتعجل. «التؤدة في كل أمر خير إلا في أمر الآخرة». قال: فحينئذ المتعجل يندم، يصيبه الندم، ومن جهة أخرى يذمه الناس، يقولون: فلان هذا عجل طائش، فلان هذا طائش، عنده عجل وطيش وعدم رزانة وعدم تأني. قال: بينما الرفيق سلم من هذين الأمرين، لا يندم على قراراته؛ لأنها صادرة عن تأني وتفكير ونظر العواقب، والإجراءات التي اتخذها، وأيضا في الوقت نفسه لا أحد يذمه؛ لأنه لم يقدم على هذا إلا بعد النظر المصالح والمفاسد والعواقب. إذن يلزم المسلم وطالب العلم الرفق. «ورافق الرفق في كل الأمور، فلم يندم رفيق ولم يذممه إنسان». قال: ثم قال: «ولا يغرنك حظ جره خرق، فالخرق هدم، ورفق المرء بنيان». قال الشارح -وفقه الله-: «ولا يغرنك حظ جره خرق»، أي إياك أن تغتر بحظ، أي نصيب حصل لبعض الناس بسبب نوع من الخرق، يعني التعامل، تعامل معاملة فيها شيء من الخرق، وحصل نتيجة، وحصل نتيجة جيدة، فلا تغتر بذلك؛ لأن بعض الناس قد يرى شخصا من الأشخاص، مثلا إن دفع في أمر ما وحصل ربحا مثلا أو غنيمة، فيغتر فيسلك مسلكه، ثم يقع في الهلاك. فيقول: «لا تغتر بحظ جره خرق». قال: «فالخرق هدم»، والخرق والخرق بمعنى واحد، وهو الحماقة والتهور والاندفاع. قال: «فالخرق هدم»، أي دائما التعامل بالخرق والتهور والاندفاع والطيش هدم، أي النتائج التي تترتب على التعامل مع الأمور بالخرق هي في الحقيقة هدم لا بناء. نعم، هذا هو الغالب، أن يلحق الأعمال التي تقوم على الطيش والحماقة والتهور أن يحصل لها الهدم، ويلحقها الندم والخسران. «ولا يغرنك حظ جره خرق، فالخرق هدم». الخرق هدم. وانظر إلى من مثلا أراد أن يغير المنكر مثلا بالخروج على ولاة الأمر، ثم يقول البعض: انظر إلى بلد فلاني، خرج الناس وغيروا وحصل خير. مع أن النتيجة التي يرى أنها خيرية في الحقيقة شيء مؤقت، شيء مؤقت، ومرت الأيام، وإذا الخرق يظهر، والنتيجة على هذا الحمق الذي حصل صارت عواقبه ماذا؟ عواقب سيئة. فليغتر الإنسان بمثل ذلك، يقول: فهذا فعل، ونفعل مثلهم، لا، فإن عاقبة ذلك هو الهدم والعواقب السيئة. ومثل لو فعل إنسان عمل معاملة تهور فيها، مثلا إنسان تعامل بمعاملة وقال: ربحت أرباحا كثيرة. يسمعنا هذا أن فعله هذا صحيح، وأننا نقتدي به ونفعل مثله، لا، هذا فعله خطأ، وقد تهور وفعل هذا الفعل بحماقة وطيش، ما نفعل مثله، حتى لو حصل له شيء من الربح، فهذا الربح غير متيقن، وسببه سبب محرم، ما ينبغي أن نفعل مثله، فهو إن ربح فغيره عشرات ومئات قد خسروا، قد خسروا بسبب هذه الحماقة والطيش. فالإنسان يأخذ الحذر، ويأخذ بالرفق وعدم الحماقة. قال: «ورفق المرء بنيانه»، إذن هذا معنى جميل جدا، الرفق يبني، والخرق يهدم. «فالخرق هدم، ورفق المرء بنيان»، قال: «لا يحصل صاحبه من ورائه ثمارا جميلا وأثارا حميدة». فهذا كله تأكيد من الناظم -رحمه الله- على العناية بالرفق والحذر من الخرق. وقد جاء في الحديث -مسجد الإمام أحمد- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير»، يعني من يتعامل بالأمور بغير الرفق، بالحماقة والطيش والتهور والاندفاع يحرم الخير، يحرم الخير المترتب على هذا العمل وهذا الأمر. قال: أي من يتعامل في الأمور بالتهور والاندفاع يحرم الخير، لا يحصل نتائج خيرة وثمار جميلة وطيبة. وهذا معنى قول الناظم: «فالخرق هدم، ورفق المرء بنيان». إذا أراد الإنسان أن يبني ولا يهدم يتعامل بالرفق. وأما إذا أراد أن يهدم، فيتعامل بالعجل والطيش والعنف والشدة، لا يحصل منها إلا الغرر والسوء والهدم. وكما سمعتم كم هدمت من أسر بسبب الطيش والعنف والشدة، سواء كان من جانب الرجل أو من جانب المرأة. أحيانا يكون العنف من جانب المرأة، ليس من جانب الرجل، تكون المرأة عنيفة شديدة طائشة متهورة عنيدة، فتهدم بيتها بسبب ذلك، يحاول معها بالتي هي أحسن، ما في إلا الشدة، فتتسبب في هدم أسرتها وبيتها. وهكذا قل في غير ذلك من الأمور. فالأمر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من يحرم الرفق يحرم الخير». وما كان الرفق بشيء -يعني- إلا زانه، كما قال -الصلاة والسلام-، وما نزع بشيء إلا شانه. فيحرص المسلم على ملازمة الرفق. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.