الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 71، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الكهانة والتطير والتنجيم من الأمور التي تُعد كفرًا بالله تعالى. من يصدق الكاهن يكفر، ومن يسأله دون تصديق قد يُحرم من قبول صلاته.
إتيان الكهان والمنجمين وتصفح الأبراج يُعتبر كفرًا أو سببًا لعدم قبول الصلاة. النبي نهى عن إتيان هؤلاء واعتبر التطير شركًا.
التشاؤم يعتبر شركًا، وعلاجه يكون بالتوكل على الله. ابن مسعود قال: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل».
الدرس يُختتم بالدعاء للنبي وآله وصحبه. يُعلن عن استمرار الدروس اللاحقة إن شاء الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد. قال مؤلف كتاب "التحفة المهدية" -رحمه الله تعالى- : ثم الكهانة كفر، والتطير والتنجيم والنوء، مما يعتقد فيه، ذكر -رحمه الله تعالى- في هذا البيت أيضا مما هو كفر: الكهانة، الكهانة، وهكذا التطير، وهكذا التنجيم، وهكذا من يعتقد في الأنواء، كل ذلك من الكفر بالله جل وعلا. والتقدم معنا تعريف الكهانة والتطير والتنجيم. الكهانة كفر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم». فالذي يأتي الكاهن ويصدقه بما يقول، وأنه يعلم الغيب، فهذا يكفر الكفر المخرج من الملة. والكاهن هو الذي يدعي علم الغيب، ومن ادعى علم الغيب فهو كافر بالله جل وعلا، ويدعي نفسه مشاركا لله جل وعلا في شيء من خصائصه، لأن علم الغيب من اختصاص الله جل وعلا، قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. وهكذا قال جل وعلا، آمرا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. فلا يعلم الغيب إلا الله جل وعلا، فهذا شيء من خصائص الله، كما أنه الخالق وحده جل وعلا، وهو جل وعلا الرازق وحده، فهو كذلك عالم الغيب وحده. فمن ادعى أنه يعلم الغيب، فهذا كالذي يدعي أنه يخلق مع الله، والذي يرزق مع الله جل وعلا، فجعل نفسه مشاركا لما هو من خصائص الله جل وعلا. وأما الذي يأتي الكاهن ويسأله من غير تصديق، فهذا له أحوال: إذا كان السائل من أهل العلم، ممن أراد أن يفضح هذا الكاهن ويختبر هذا الكاهن، ما عنده، فيسأله عن ما يفعل ليفضحه، أو الحاكم ليقيم عليه الحجة، فهذا لا شيء فيه، بل ربما يكون واجبا على الحاكم أن يسأل أمثال هؤلاء، ليتأكد من أفعالهم، ليقيم حكم الله جل وعلا عليهم. وهكذا إذا كان من أهل العلم ليفضح هؤلاء، وأنهم يفعلون ويفعلون. ودليل هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح في قصته مع ابن صياد، فابن صياد كان يدعي أنه يعلم الأشياء ويعلم أمورا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يختبره ليعلم ما حققت أمره، فخبأ له سورة الدخان، خبأ له سورة الدخان، ثم قاله: خبأت لك خبيئا، قد خبأت لك خبيئا. فابن صياد تلقى بعض أحرف هذه الكلمة من مسترقي السمع، وهي الدال والخاء، الدال والخاء من الدخان، فقال: الدخ. قال: اخسأ عدو الله، لم تعدو قدرك. فمعناه أنه أجاب ما وصل، أما الباقي لم يصل، حرفان ما وصل إلى ابن صياد. فالنبي صلى الله عليه وسلم اختبره، فعلم أنه كاهن. فسأله: ما الذي يأتيه؟ قال: يأتيني صادق وكاذب. قال: ذاك شيطان. فالشاهد: قاله العلم، إذا كان سؤال الكاهن من قبل أهل العلم لفضحهم ومعرفة ما عندهم، فهذا قد ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، فقد اختبر ابن صياد، وامتحنه. لكن إذا كان من الجاهل الذي ليس من أهل العلم، وليس غرضه إلا الفضول، إنسان فاضي فارغ عنده، ما عنده عمل، ولا عنده شيء ينتفع به، يذهب يتوله -كما يقال- يتولى عند هذا الكاهن، أي شيء عنده، أنا عارف، أنا ما حتى علم الغيب إلا الله، لكن أنا أتوله، أقضي وقتا عنده. نقول: هذا فيه حديث النبي عليه الصلاة والسلام في مسلم، عن بعض أزواجه -رضي الله تعالى عنهم- قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله، لم تقبل له صلاة أربعين يوما». قال: ما صدقه. نقول: نعم، لكن سألته، وأنت لست من هو أهلا لسؤال هؤلاء لفضحهم، أنك لست من أهل العلم، وإنما ذهبت للفضول، وذهبت للنزهة، وذهبت لقضاء بعض الوقت. فإذا تصلي أربعين يوما، ولا أجر لك فيها، ولا ثواب لك. يقول: خلاص أنا أترك الصلوات إذن. صلي بلا أجر. نقول: إذا تركت تكفر، العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. فأنت بين أمرين: إذا تركت الصلاة كفرت، لكن واجب عليك أن تصلي هذه الأربعين الصلاة، الأربعين يوما، خمس صلوات تصليها في كل يوم وليلة. أربعين يوما، خمس صلوات، كم صلوات؟ خمس في أربعين مئتين صلاة، واجب فرض عليك أن تصليها، ولا أجر لك. أين الأجر؟ الأجر ذهب في ذلك الوقت الذي قضيته عند ذلك الكاهن، تلك الدقائق وتلك اللحظات التي قضيتها عند هذا الكاهن، تتوله وتلعب، ذهبت عليك بأجر مئتي صلاة، وهي واجبة عليك، إذا تركتها صرت في حكم من ترك الصلاة. والراجح والعلم أن من ترك الصلاة يكفر، لما ثبت عنه -وسلم-، بل لما ثبت في كتاب الله جل وعلى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين. كما قال -لأبي هريرة- : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه فقد كفر». قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». فهذه عقوبة من ذهب إلى الكهان يسألهم من غير تصديق، لكن لأجل قضاء الوقت، وغير ذلك، فهذا لا يجوز. ومن ذلك من يتصفح الأبراج، الأبراج التي تأتي في آخر ورقة في بعض هذه الصحف الضالة والجرائد الخبيثة، صفحة الأبراج، هناك صفحة قال لها: صفحة الأبراج، برج الجدي، برج الأسد، وبرج الحوت، وبرج الثور، وبرج كذا، وبرج كذا. أنت ولدت في أي برج؟ ولدت في برج الثور، فهناك برج الثور، ما الذي سيقع لك؟ بمن ستتزوج؟ وهل لك أولاد أم لا؟ وهل أنت من الأغنياء أم لا؟ وهل وهل وهل؟ ما بغي إلا أن يكتف فيها: هل أنت من أهل الجنة أو من أهل النار؟ كل أخبار فيها أخبار غيبية. فبعض الجهلة يذهب ويقرأ في هذه، هذه حكمها حكم من أتى الكاهن. لكن أهل العلم يطلعون عليها ليفضحوا هؤلاء، يطلع أهل العلم على هذه الأبراج التي يكتف فيها هذا الباطل وهذا المنكر، لفضح هؤلاء المنجمين وهؤلاء الكهنة. أما أنت يا مسكين الذي لست من أهل العلم، فلا تتصفح هذه الصفحة، ولا تنظر في هذه الأبراج. تقول: لا. هذا حكم جعله أهل العلم. أنك ذهبت إلى الكاهن، وقلت له: اسمي فلان ابن فلان، وولدته في عام كذا وكذا وكذا، فقال لك: ما شاء الله، ستتزوج بأفضل بنت في البلاد، وأجمل بنت. والمسكين يظل الوقت ويحلم، وستبني قصرا... إلى آخر ذلك، ويعيش في أحلام -كما يقال- أحلام السبع. فهذا أيضا هو نفس من يأتي الكهان. وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله تعالى عنه- في مسلم، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، وإن منا من يأتي الكهان. وإن منا من يأتي الكهان. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تأتهم». فهذا نهي من النبي عليه الصلاة والسلام عن إتيان هؤلاء الكهان وهؤلاء المشعودين وهؤلاء المنجمين. والأسف الشديد صارت اليوم برامج على شاشات التلفاز، وربما في الإنترنت، هناك هذا الدجال الكاهن الذي يسمع ممن يتصل به: أنا فلان الفلاني، وعندي كذا وكذا، ومن الوليد كذا، فيعطيه الجواب: ما الذي سيحصل له في هذه الدنيا من أمور كذا وكذا وكذا وكذا. الآن هذا تفنن وتطور، ما تطورت الاتصالات، لا حتى الكهانة تطورت، والسحر تطور، والتنجيم تطور، صار عبر الإنترنت، وصار عبر هذه الوسائل. وهكذا سهل الشيطان هذا الشر والعياذ بالله على الناس. وهناك إنسان يأتي ويفتح يفتح هذه الشاشة، فيفتح هذه القنوات التي فيها هؤلاء الكهنة، هؤلاء المنجمون الدجالون، فربما يتكلم معهم، ويعطيهم من أخباره ومن أموره، ثم بعد ذلك يذكر له أمورا غيبية. وهذا كله من إتيان الكهان، سواء أتيت إلى بيته أو فتحت قناته. إذا فتحت قناة الساحر أو الكاهن تسمع ماذا عنده، كأنك ذهبت إلى بيته. وإذا فتحت الجريدة التي فيها الأبراج، كأنك ذهبت كذلك إلى الساحر أو الكاهن، فالحكم واحد. إذا صدقته كفرت بالله جل وعلا، وإذا لم تصدقه، وإنما يعني تتفضل، فهذا حكمه أنه لا يقبل لك صلاة أربعين يوما، كما ثبت عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم ذكروا ذلك التطير، تطير قد تقدم معنى تعريفه. تعريفه كذلك، والمراد بالتشاؤم. والتطير شرك، قال نبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». زاد بن مسعود: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا: الطيرة شرك. هل هو شرك أكبر أو أصغر؟ إذا اعتقد أن هذا الذي تشاؤم به هو الذي له الأثر فيما يحصل، ملك الله عز وجل من خير وشر، فهذا شرك أكبر في الربوبية. لكن إذا اعتقد أن هذا سبب فقط لحصول خير أو حصول شر، ولم يجعله الشرع سببا، فهذا شرك أصغر. فهذا الحديث له بيان أن الطيرة شرك، وهو التشاؤم، سواء كان بمرئي أو معلوم زماني أو مكاني، أو بأشخاص أو بحيوانات أو بأيام أو بشهر من الشهور أو بسنة من السنوات إلى آخر ذلك، أو بشهر صفر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، كما في الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول». وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- في مسلم، قال: يا رسول الله، وإنا منا أناس يتطيرون. وإنا منا أناس يتطيرون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». شيء يجده أحدكم في نفسه، أي من التشاؤم، فلا يصدنكم، أن يمنعكم من قضاء حاجاتكم من سفر وغيره. لأن الشيطان حريص على إلقاء الشؤم في قلب الإنسان، لا يلتفت الإنسان إلى ذلك. وهذا معنى قول ابن مسعود: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». وبعض العلم يجعل هذا من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولكن الله يذهبه بالتوكل». لكن المدرج من كلام ابن مسعود في قوله: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل»، بعضها العلم يجعلها من قول أنه -صلى الله عليه وسلم-، ليست مدرجة، ليست مدرجة، يعني من كلام ابن مسعود. ومن هؤلاء العلامة الألباني -رحمة الله تعالى عليه-. فعلاج التشاؤم التوكل، علاج ما يقع فيه القلوب أن تتوكل. لا يصدك ما ترى وما تسمع من كلام سيء. نعم، أكيد له أثر على نفسك، الشيء الذي لا يلائم الإنسان بطبعه يؤثر على نفسه، لكن لا يصدك ذلك، اقدم على ما أردت. هكذا قال ابن مسعود: «وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». فالطيرة شرك، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له». وحسنه جماعة من أهل العلم. فهذا فيه براءة من النبي عليه الصلاة والسلام، يتبرأ ممن يتطير وممن يتكهن وممن يسحر أو يسحر له، أي يسحر غيره، فيطلب من الساحر أن يسحر أحدا. والتنجيم تقدم معنى، والنوء كذلك هو شرك، يكون شركا أكبر إذا اعتقد الشخص أن النجم هو الذي أنزل المطر بنفسه، فشرك في الربوبية. أما إذا اعتقد أن النجم سبب في نزول المطر، فهذا الشرك الأصغر. وهذا الذي قال الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلُوا رِزْقَهُمْ أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ﴾، جاء عن ابن عباس لتفسير ذلك: أي يقولون: مطرنا بنوء كذا، بنوء كذا، أي بنجم كذا. فهذا تكذيب وكفران لنعم الله جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله تعالى عنهما- في الصحيحين، حين أصبحوا على إثر سماء كانت من الليل، فلما صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. أما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». فمن نسب نزول الأمطار إلى النجوم أو هبوب الرياح أو غير ذلك من الحوادث التي تحدث في ملكوت الله جل وعلا، فذلك من الشرك الأصغر. أما إذا اعتقد أنها الحادثة، فهذا شرك أكبر. وهذا كان اعتقاد الصابئة، قوم إبراهيم، يعتقدون في النجوم والكواكب والشمس، والقمر، أنها الحادثة لهذه الحوادث. لكن الغالب أنه يحصل عند الناس أنهم ينسبون الحوادث الحاصلة في ملكوت الله إلى أسباب ليست أسبابا، كالنجوم وغيرها. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في هذا الحديث: أن من نسب النعمة إلى المطر، أي أنه سبب، مطرنا بنوء كذا، أي بسبب نجم كذا. فمؤمن بالكوكب، كافر بالله جل وعلا. ونواصل -إن شاء الله تعالى- في درسنا اللاحق. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.